بيان الكتب: تميزت بيرل باك عن بقية الأدباء العالميين أنها حازت على جائزة نوبل للسلام، أما في مجال الأدب فإنها حازت على جائزة بوليتزر والتي تمنح سنويا لأهم الكتب وأفضل الروايات. ومن أهم أسباب نيلها جائزة نوبل للسلام أنها عرَفت الرأي العام الغربي بالتراث الصيني في ظل الاحتلال الياباني للصين ومدى الظلم الذي تعرض له الشعب الصيني. وبيرل باك من مواليد سنة 1892 في الولايات المتحدة الأمريكية ، لكنها رحلت وهي في سن مبكرة إلى الصين «ثلاثة أشهر» ومكثت جلّ السنين الأربعين الأولى من حياتها في الصين، أتقنت خلالها اللغة الصينية وهي صغيرة بمساعدة والدتها وأحد المدرسين وهو الاستاذ كونج وذلك ساعدها في فترة لاحقة على ترجمة العديد من الكتب من اللغة الصينية إلى اللغة الانجليزية.سكنت مع أهلها في مدينة صغيرة على ضفاف نهر اليانج بالقرب من القناة العظيمة، حيث عملت مع والديها في التبشير الديني، وهذا أتاح لها أيضا التعرف على ظروف الصين وحياة الشعب عن قرب.كانت بيرل المولودة الرابعة بين سبعة أطفال ولكنها الثالثة التي عاشت حتى بلغت سن الرشد من بينهم. وعندما حدثت انتفاضة البوكسر سنة 1900 اضطرت بيرل إلى الرحيل مع والدتها كارولين إلى شنغهاي وقضوا شهوراً من القلق ينتظرون سماع أية أخبار تؤكد لهم سلامة والدهم ابسالوم.وهناك درست في شنغهاي المدينة الصينية الساحلية، ثم انتقلت وهي في سن السابعة عشرة إلى الولايات المتحدة لاكمال تعليمها العالي. وفي سنة 1910 انتسبت بيرل إلى كلية راندولف ماكون للبنات وتخرجت منها سنة 1914، وعلى الرغم من أنها كانت عازمة على البقاء بعد التخرج في الولايات المتحدة إلا أنها سرعان ما رحلت إلى الصين ثانية عندما علمت أن أمها مريضة. وفي سنة 1915 التقت بيرل بالشاب الدكتور الاقتصادي الزراعي جون لوسنج باك ثم تزوجا سنة 1917، وعاشا معا في ريف شمال الصين خمس سنوات، وهناك تكونت لديها الخبرات اللازمة عن حياة القرويين والذي أصبح أرضية جيدة لروايتهاالخالدة «الأرض الطيبة» وقصصها اللاحقة حول الصين.ورغم أنها لم تكن سعيدة في زواجها الأول من جون باك إلا أن زواجهما استمر 18 سنة.ثم تزوجت بيرل باك من زوجها الثاني ناشر روايتها «الأرض الطيبة» ورئيس تحرير مجلة آسيا ريتشارد والش سنة 1935 بعد أن حصل كلاهما على الطلاق، ورزقت منه ابنتين، كما تبنت بيرل أربعة أطفال. عاشت بيرل باك أسوأ فترة من حياتها في العشرينات، ففي سنة 1921 توفت والدتها كارولين، وسرعان ما التحق بها والدها للعيش معها في الصين. وفي سنة 1934 وبسبب ظروف الصين ولكي تكون قريبة من زوجها الثاني ريتشارد والش وابنتها كارول التي تدرس في نيوجيرسي انتقلت بيرل لتقيم في الولايات المتحدة، وهناك اشترت مزرعة أسموها التلال الخضراء، وهي اليوم مسجلة كبناء تاريخي ويزورها 15 الف زائر سنويا. ترجمت الرواية إلى أكثر من 20 لغة.ونالت بيرل جائزة نوبل للسلام عن جهودها في تعريف الرأي العام الغربي بمشكلات الصين خلال فترة الأحتلال الياباني. والرواية تحكي قصة ذلك الفلاح الفقير وانغ لونغ الذي يعيش مع والده المريض في مزرعة صغيرة فقيرة التربة ولا يملك إلى جانب بيته البسيط المكون من ثلاث غرف مسقوفة بالقش سوى ثور واحد يعتمد عليه في حراثة الأرض المجدبة. وعلى الرغم من هذه الظروف يقرر الزواج فيساعده والده في اختيار فتاة اسمها أولان بيعت فيما مضى وهي طفلة إلى منزل الثري هوانغ. كان عليه أن يستأذن سيدة القصر الكبير ليحظى بزوجته التي لم تكن على مستوى عال من الجمال، ولم يتسنَ له رؤيتها حتى لحظة زواجه منها.وعندما دخل القصر ليتسلمها وجد سيدة القصر إمرأة فظة مدمنة على تدخين الأفيون الذي كان منتشرا بين الأغنياء وغيرهم.ولم يكن لسيدة القصر من شروط على أولان أكثر من طلب أن ترى ابنها بعد أن يولد. وبعد أن يرزق وانغ لونغ البنين من زوجته أولان الصابرة يحدث ما كان يخشاه، أجدبت السماء وجفت الأرض ثم تشققت، توقف القمح النابت عن النمو، وماتت مساكب الأرز التي زرعها ورعاها طويلا وانخفضت مياه البئر وبات مهددا هو وعائلته من غائلة الجوع والعطش.لم يكن وانغ لونغ وحده يعاني من ذلك، الجميع كانوا يعانون خاصة المزارعين الفقراء أصحاب الأراضي الفقيرة عانوا من القحط مثله، حتى أراضي أسرة هوانغ الخصبة لم تنتج محصولها ككل سنة.واضطر وانغ لونغ إلى ذبح ثوره ولكنه لم يقم بعملية ذبحه بنفسه.حدث ذلك بعد أن أصبح هناك سبعة أطفال في بيت وانغ وأولان. ولكن سكان القرية الجائعين كانوا يظنون أن وانغ الذي اشترى أرضا من أسرة هوانغ يوما ما يخبيء الفضة والمحاصيل في بيته، وأنه كان يتظاهر بالحاجة والجوع كبقية الفلاحين.هذا الأمر دفعهم لمهاجمة وانغ وأسرته وتفتيش البيت بحثا عن الفضة والطعام.ولما لم يجدوا شيئا شرعوا في نهب أثاث البيت. عندها صرخت أولان في وجوههم قائلة: «لا تفعلوا ذلك، لم يحن الوقت بعد. ومرت الأيام قاسية أكل فيها الناس العشب فوق التلال ثم أكلوا الحيوانات النافقة من الجوع ثم أكلوا لحم البشر.وبينما وانغ وأسرته يعانون من الجوع جاءه عمه بصحبة نفر من المدينة جشعين ومستغلين أرادوا شراء الأرض بثمن بخس، لكن وانغ رفض الفكرة بتاتا وقبل ببيعهم أثاث بيته جميعه كي يتمكن هو وأسرته من الهجرة نحو الجنوب. ويستقر وانغ وأسرته في احدى مدن الجنوب، اختاروا سور أحد القصور ليقيموا لهم ملجأ إلى جداره الطويل العالي، ويقود وانغ عربة الجيشا بحثا عن الرزق، بينما أولاده يشحذون.وهناك سمع وانغ أول رياح الثورة عندما نادى شاب على مسمع من وانغ والآخرين قائلا: إن الصين يجب أن تثور، وتضرب الأجانب الكريهين فكر وانغ بالعودة إلى أرضه لكنه لا يملك ثمن العودة، تشير عليه أولان ببيع ابنتهما الصغيرة الضعيفة لكنه يشفق عليها ويتردد، وتثور المدينة، وتتحطم أبواب وأسوار القصر القريب ويهرب ساكنوه، إلا واحدا منهم، رجلا سمينا، يلتقيه وانغ فيجده مرعوبا، يعرض عليه الرجل السمين قطعا ذهبية مقابل تركه وشأنه فيأخذ وانغ الذهب ويستعين به على العودة إلى أرضه.يعود ويبدأ من جديد ويكرم جاره تشينغ الذي أعطاه يوما حفنة من الفول أيام المجاعة القاسية. تفاجأ وانغ بعد أيام بوجود رزمة ملفوفة بقماش حول عنق زوجته تحوي على مجموعة نادرة من المجوهرات.قالت له زوجته أولان: «في منزل الرجل الثري رأيت قرميدة مرخية في الحائط، فذهبت إلى هناك بهدوء كيلا يراني أحد». ثم أضافت موضحة: «كنت أعيش في منزل رجل ثري، الأثرياء يخافون دائما».أ خذ وانغ المجوهرات فرحا وترك لؤلؤتين صغيرتين لزوجته حسب رغبتها وذهب إلى بيت هوانغ لشراء المزيد من الأرض، لم يجد أحدا هناك سوى هوانغ العجوز نفسه وجارية له تدعى كوكو.أما الباقون فقد رحلوا بعد سرقة البيت ووجد سيدة القصرالتي أتلفت جسدها من كثرة تدخين الأفيون قد ماتت من شدة الخوف عندما داهمهم اللصوص.كما وجد وانغ أن الأمور كلها بيد الجارية كوكو فساومها على الأرض واشترى منها ما استطاع مقابل المجوهرات. مضت سنوات سبع عاشت خلالها أسرة وانغ في رغد من العيش، تعلم فيها الأولاد القراءة والكتابة، وجلبوا خلالها المزارعين الآخرين لمعاونتهم على حراثة الأرض وحصادها مقابل أجر. ولكن وانغ الذي عاش تلك الحياة القاسية بات يفكر في نفسه ويتأمل زوجته أولان وكأنه تفاجأ أنها لم تكن على درجة من الجمال، هفت نفسه للبحث عن اللذة في حجر إمرأة أخرى، وجدها عند فتاة صغيرة تدعى لوتس تدبرتها له كوكو، المرأة الجارية التي كانت تخدم مع زوجته يوما ما في قصر هوانغ. وتمرض أولان الصابرة في الوقت الذي كان فيه ضمير وانغ يستيقظ، أحضر لها الطبيب.. ثم تموت أولان بعد زواج إبنها البكر وبعد صراع مع المرض ويعقبها والد وانغ فيدفنهما في أرضه، ويواصل وانغ حياته ويزوج أولاده الآخرين في حياة شبه رتيبة بعد أن يكبر ويكثر أحفاده. ماتت بيرل باك في مارس سنة 1973 قبل شهرين من الاحتفال بعيد ميلادها الواحد والثمانين ودفنت في مزرعتها «التلال الخضراء» بينما حدثت تغييرات هائلة في الصين خلال السنوات الأخيرة. إعداد ـ كريم السماوي