بيان الكتب: جي سورمان، مؤلف هذا الكتاب، هو احد المفكرين الاقتصاديين الليبراليين في فرنسا. وكان قد نال شهرة كبيرة اعتباراً من عام 1983 عندما نشر كتاباً عرف انتشاراً واسعاً آنذاك تحت عنوان الثورة الامريكية المحافظة حيث اعتبر فيه جي بمثابة نقطة جديدة في الازدهار الامريكي مجدداً.. وله ايضاً عدة كتب اخرى من اهمها: المفكرون الحقيقيون في عصرنا، والحل الليبرالي الجديد».. الخ. والمؤلف خريج مدرسة اللغات الشرقية في باريس حيث درس اللغة اليابانية كما انه خريج المدرسة الفرنسية العليا للادارة ذات الشهرة الكبيرة حيث انها خرّجت غالبية القادة السياسيين الفرنسيين منذ عقود طويلة فالرئيس الفرنسي الحالي جاك شيراك ورئيس وزراء فرنسا ليونيل جوسبان هما من خريجي هذه المدرسة. في هذا الكتاب الجديد «التقدم واعداؤه» ينطلق جي سورمان من المشاهدة التالية حول الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الفرنسي والقائلة بأن ذهنية التقدم وفتح آفاق جديدة تعاني من ضعف وتلكؤ كبيرين.. اما الحجج والبراهين التي يقدمها على مثل هذا الرأي فإنها تكمن خاصة في عملية المقاومة، بل والرفض، التي يواجهها انتشار المواد المحوّلة وراثياً، بواسطة تهجين الجينات، ويقول بهذا الصدد: اننا نشهد وراء رفض المواد المحوّلة وراثياً حركة اكثر شمولاً واتساعاً، انها الحركة التي تعبر عن تقدم النزعات المعادية للعلم.. والمثير للانتباه، بل وللدهشة، ان مؤلف هذا الكتاب يرى في عدادها اطروحات تسخين الارض، بسبب غاز الفحم (الكربون) الصادر عن مختلف الصناعات، وخاصة في الولايات المتحدة الامريكية.. كما يرى من بينها ايضاً المقاومة اللاعقلانية، ضد المواد المحوّلة وراثياً.. وتأتي لا عقلانية هذه المقاومة من وجهة نظر المؤلف من حيث انها لا تأخذ في اعتبارها معطيات الواقع، بالاضافة الى افتقارها لأية رؤية مستقبلية.. وذلك على اساس مستلزمات التنمية والزراعة. يقول المؤلف: «بدون المواد المحوّلة وراثياً ـ المهجّنة ـ ليس بادياً كيف يمكن تأمين الغذاء لجماهير الفلاحين القادمة، وبناء على مثل هذا المنطق في التحليل يرى «سورمان» ايضاً بان هؤلاء الفلاحين سيجدون انفسهم ذات يوم امام خيار واضح فإما يقبلون ويعملون بالتهجين او انهم سيكتفون بزراعة تنتمي للعصور الوسطى. وضمن هذا الاطار ايضاً يحذر «جي سورمان» من اخطار الجمود والتقهقر التي يبدو ان فرنسا هي بصدد المعاناة منها اذ انها لاتزال اسيرة الماضي، وفريسة لنوع من النزعة الظلامية، ولا يتأخر لذلك في ان يذكّرها بانها هي التي انتجت مفكرين عظاماً من امثال لويس باستور، وكلود برنار مؤسس فرع امراض الدم في الطب ـ وماري كوري ـ مكتشفة الراديوم ـ وكثيرين غيرهم. ويبدو من خلال العرض بان سورمان يريد نفسه ان يأخذ دور باستور جديد. ونقطة الانطلاق هي التشكيك بكل اشكال النقد، الجامدة، ضد التقدم والمسيرة العلمية بما وصلت اليه من تطبيقات، وهو لا يتردد في القول مثلاً حيال اطروحة زيادة سخونة الارض، بان الاعتقاد بسخونة الارض لا يعتمد ابداً على العلم، وانما هو نوع من الاصولية الجديدة، ومن التيولوجيا الطبيعية بالنسبة للبعض، والانتهازية السياسية بالنسبة للاخرين. ان مثل هذا القول لابد وان يستدعي عدداً من الملاحظات الاساسية. فالقول بزيادة سخونة الارض وغلافها الجوي، زيادة حرارة المناخ لا يعود الى سنوات الثمانينيات، كما يقول. ذلك ان مدينة ستوكهولم كانت قد شهدت عام 1972 اول قمة حول البيئة ـ القمة الايكولوجية ـ ورفعت هذه القمة تقريراً الى منظمة الامم المتحدة تضمّن ما يقارب نصف فصل حول زيادة حرارة الارض وغلافها الجوي.. بل وقبل هذا بسنوات طويلة، اي في عام 1959، كرست مجلة «العلوم والحياة» الشهيرة عدداً خاصاً حول هذه المسألة، هذا ويمكن ان نجد جذور مثل هذا البحث في اعمال الرياضي والفيزيائي الفرنسي جوزيف فورييه في مطلع القرن التاسع عشر وخاصة في كتابه الذي يحمل عنوان النظرية التحليلية للحرارة الصادر عام .1822. وكذلك في اعمال الفيزيائى والكيميائي السويدي سكانت ارونيوس، الحائز على جائزة نوبل للكيمياء عام 1903 الذي تحدث عن الاثار المحتملة لاستهلاك الطاقة على المناخ. المسألة اذن ليست مجرد مسألة عابرة، بالنسبة للعلوم ذات العلاقة بها، الجديد هو فقط الاهتمام العام، وتحديداً الاهتمام السياسي، بها منذ نهاية عقد الثمانينيات حيث شهد عام 1988 تأسيس مجموعة الخبراء الدوليين حول التطور المناخي، وبكل الاحوال دلّت دراسات علمية موثقة عديدة على ان هناك تلازماً بين زيادة حرارة الارض وبين تركز غاز الفحم والكربون، في الفضاء على مدى عشرات الآلاف من السنين.. وهذا ما يتفق حوله اهل العلم المختصون. وكانت مصالح الارصاد الجوية الفرنسية قد اكدت في تقرير لها مؤخراً بأن زيادة سخونة الارض قد بلغت خلال القرن العشرين 0.6 درجة، بل وهناك معلومات اخرى تؤكد بأن هذه الزيادة كانت درجة كاملة. بالمقابل، يشرح جي سورمان على مدى صفحات كتابه، مدى التخلف الذي تعاني منه فرنسا على صعيدين هامين يتعلقان بعلوم الاعلام، والتكنولوجيا الحيوية، بالنسبة لعلوم الاعلام تظهر علائم التخلف عبر القيام بعملية مقارنة صغيرة بين الواقع الامريكي والواقع الفرنسي خاصة، والاوروبي عامة، في هذا الميدان. اما بالنسبة للتكنولوجيات الحيوية فيصر المؤلف على مسألة الصناعات التهجينية، اي التحويل وراثياً. ويرى المؤلف بان هذين القطاعين سيكونان غداً حاسمين في ميدان التطور الاقتصادي. بل ويرى المؤلف بان هناك مزجاً بين مقاومة المواد المهجنة، وبين النزعة المتأصلة في العداء لكل ما هو امريكي، مع تنامي النزعات الحمائية. ضد كل ما هو خارجي: الامر الذي دفع بالعديد من الباحثين الفرنسيين الى الهجرة، وخاصة الى الولايات المتحدة الامريكية، كما انتقلت مؤسسات ورؤوس اموال هامة الى الخارج، اذ مَن يمكن ان يستهويه الاستثمار في فرنسا حيث يقوم فلاحون مزيفون بتحطيم المختبرات التجريبية للنهجين، اي تحويل المواد وراثياً؟ يتساءل جي سورمان. ان جميع من يقفون ضد ما يسميه المؤلف بمواكبة مسيرة التطور العلمي ويتمسكون بنزعة الحنين الى الماضي، او الماضويين، كما يمكن وصفهم، انما هم الذين يشكلون طابور اعداء التقدم، الذين اراد التعبير عنهم في عنوان هذا الكتاب. ويضم هؤلاء الاعداء حركات المدافعين عن البيئة «الخضر» ومعادي العولمة، الذين يعتبرون انفسهم بمثابة منقذي الانسانية والذين يستطيعون ان ينالوا تعاطف اولئك الذين تسكنهم افكار الخوف من المستقبل والذين يصغون بانتباه الى الخطاب التحذيري الصادر عن «اعداء التقدم» والخاص بسخونة المناخ والنفايات النووية والاستنساخ البشري واختفاء الغابات الامازونية وكل الاخطار الاخرى التي يتكرر ذكرها هنا وهناك. ومن الملاحظ ان «جي سورمان» يوجّه لمن يسميهم بـ «اعداء التقدم» اتهام انهم ينطلقون في العديد من مواقفهم من مقولات «ايديولوجية»، واحياناً من «جمود عقائدي» اتسمت به الماركسية بشكل خاص، حيث انهم، من وجهة نظره، يقدمون احكامهم على افكار جاهزة مسبقاً مع جهل كبير بالملفات التي يصدرون تلك الاحكام عليها. وكي يبرز مؤلف هذا الكتاب تميزه وخروجه عن دائرة الاحكام المسبقة، يتخذ مواقف تخالف العقائد والمبادئ الاخلاقية السائدة، مثل مسألة الاستنساخ البشري الذي يعلن تأييده له ضارباً عرض الحائط بكل التحفظات الاخلاقية، وذلك باسم انه يعطي قبل اي شيء اخر الاهمية للعلم.. الامر الذي يمكن ان يبرر بدوره موقفاً ايديولوجياً، لكنه ينسى في الوقت نفسه بأن العلم لا يعني دائماً انه يتماشى مع التقدم، او حتى مع العقل. اضف الى هذا ان المؤلف يعتقد بأنه لا يخدم بعمله وبالافكار التي يطرحها سوى خدمة التقدم.. وربما ان هذا صحيح فيما يتعلق بالتقدم المادي، لكنه من المؤكد يسقط من حساباته النتائج الاخلاقية والفكرية المترتبة على ذلك، بل يعزز فيما يفعله التشوش الاخلاقي. ومن الواضح ان جي سورمان، يتجاهل او ربما يجهل، الكثير من المعلومات الصادرة عن هيئات علمية مثل مجموعة الخبراء الدوليين لدراسة تطور المناخ، سابقة الذكر، والتي تضم مجموعة من الباحثين الذين ينتمون لمشارب مختلفة ومن بين العاملين في اطارها عدد من الاقتصاديين ذوي الشهرة.. وربما انه يجهل او يتجاهل، بان هذه المجموعة تقدم منذ تأسيسها عام 1988 تقريراً عن اعمالها كل خمس سنوات. ثم ان معطى اساسياً يبدو ان جي سورمان يجهله، او يتجاهله ايضاً وهو ان التركيز على غاز الفحم ـ الكربون، انما هو بمثابة مرجعية رئيسية بسبب كثرة انتشاره وانبعاثه من مختلف الصناعات، لكن هذا لا يعني ابداً بانه الغاز الوحيد، اذ هناك غازات اخرى شديدة السمية مثل غاز الميثان، مثلاً، الذي لا ينبغي التقليل من دوره السيئ. ثم لابد من التفريق بين العلم والبحث العلمي. فالعلم هو في واقع الامر مجموعة المعطيات الثابتة والمثبتة التي نجدها في الكتب المدرسية وغيرها باعتبارها، بشكل عام، معارف ميتة، وانما تشكل ارثاً شبه نهائي حول المسائل المتعلقة بها. اما البحث فإنه معرفة متحركة، تحاول الاجابة عن الصعوبات التي تطرحها المجتمعات الصناعية، وكذلك تطرحها الطبيعة. وبالتالي لا يمكن للبحث العلمي ان يكون ايديولوجياً، ولعل هذا في صلب ما تجاهله جي سورمان في هذا الكتاب