ر. ستيفن هومفريس، هو استاذ الدراسات الاسلامية في جامعة كاليفورنيا، جامعة «سانتا بربارة». وهو مؤلف كتاب «التاريخ الاسلامي: بنية موضع تساؤل»، الذي عرف طبعته الثانية عام 1991، وله عدة اعمال اخرى، كما يساهم بالكتابة في عدة دوريات مختصة. «بين الذاكرة والرغبة» كتاب يبحث في تاريخ الشرق الاوسط الحديث نشره مؤلفه عام 1999 ثم اعيد نشره في هذا العام 2001 بعد اعادة النظر فيه على ضوء بعض المستجدات. ويقدم مؤلفه، الاستاذ الجامعي الامريكي، على مدى فصوله العشرة «قراءة» تاريخية للمنطقة. ويبدأ بالبحث في دراسة ما يعتبره اهم الظواهر التي تتسم بها وفي مقدمتها ظاهرتان أساسيتان هما «التزايد السكاني الكبير و«الجمود الاقتصادي». ويبدو الفصل الذي تتم فيه مناقشة هاتين الظاهرتين بمثابة مدخل للخوض في اهم الاشكاليات الراهنة المطروحة على الشرق الاوسط في السياق الدولي الذي ساد بعد سقوط المعسكر الشيوعي في مطلع عقد التسعينيات من القرن الماضي العشرين، وهنا ايضا يغلب على التحليلات المقدمة الطابع التاريخي حيث يحلل المؤلف مختلف «المحطات» الرئيسية في المسيرة التطورية للشرق الاوسط وذلك في الفترة الواقعة بين «العصر الامبريالي وحتى بروز النظام الدولي الجديد». وينطلق المؤلف في تحليلاته من مجموعة من «المشاهدات» الخاصة التي تلقاها المؤلف «مباشرة من الواقع» اعتبارا من اول زيارة له للقاهرة في شهر ابريل من عام 1996. وما يريد المؤلف ان يؤكده في هذا الكتاب هو ان المشاهدات الاولى في القاهرة ومصر بدت وكأنها تنطبق على البلدان الاخرى في الشرق الاوسط مثل المغرب وتونس وتركيا.. ثم جاءت التحليلات لتؤكد النتائج نفسها والتي يحدد المؤلف احدها بالقول: «ان الشرق الاوسط الحديث يعاني من تضخم كبير في عدد السكان فالشرق الاوسط وشمال افريقيا يعادلان سكانيا حوالي سدس عدد سكان الولايات المتحدة الامريكية». ويشير المؤلف ايضا الى واقع ان عدد سكان كل من مصر وايران وتركيا يزيد عن 60 مليون نسمة اي ما يعادل عدد سكان فرنسا او ايطاليا او المملكة المتحدة ـ بريطانيا. هذا «الوزن السكاني» الذي يمكن مقارنته مع بعض البلدان الاوروبية لا يسمح بالمقارنة نفسها على الصعيد «الاقتصادي».. هذا ناهيك عن المقارنة مع الولايات المتحدة الامريكية. ويقدم المؤلف ضمن هذا السياق بعض المقارنات الاحصائية ذات الدلالة. هكذا يبدو ان نسبة الولادات قد بلغت عام 1965 بالنسبة لبلدان شمال افريقيا والشرق الاوسط 47 بالألف بينما كانت في السنة نفسها 19 بالألف في الولايات المتحدة الامريكية. هذا بينما بلغت هذه النسبة نفسها عام 1990 بالنسبة للشرق الاوسط وشمال افريقيا 40 بالألف مقابل 17 بالألف في امريكا. اما بالنسبة لنسبة الوفيات فقد كانت 9% في الألف بأمريكا عام 1965 و20 بالألف بالنسبة لبلدان الشرق الاوسط وشمال افريقيا. لكن في عام 1990 حافظت امريكا على النسبة نفسها 9 بالالف بينما انخفضت بالنسبة للمنطقتين الاخريين المعنيتين الى 10 بالالف فقط. تجدر الاشارة في هذا السياق الى ان تركيا عرفت خلال الفترة نفسها 1965 ـ 1990 اقل نسبة في عدد الولادات وكذلك في نسبة الوفيات، بالقياس الى بلدان الشرق الاوسط وشمال افريقيا الاخرى، بينما شهدت اليمن اكبر نسبة في عدد الولادات اي 49% بالالف عام 1965، وكانت هي البلد الوحيد الذي شهد زيادة في هذه النسبة وصولا الى 53 بالألف عام 1990 بينما تناقصت هذه النسبة بشكل ملحوظ في البلدان الاخرى. كذلك عرفت اليمن ايضا اكبر نسبة في عدد الوفيات 27 بالألف عام 1965 و18 بالألف عام 1990. وتتأكد المؤشرات نفسها بالنسبة للاحصائيات الخاصة بوفيات الاطفال ـ وليس النسبة العامة كما هو الحال بالنسبة للاحصائيات المذكورة اعلاه. ففي عام 1965 كانت نسبة وفيات الاطفال في الشرق الاوسط وشمال افريقيا هي 151 بالألف مقابل 25 بالالف بالنسبة للولايات المتحدة في السنة نفسها اما هذه النسب نفسها فقد وصلت في الشرق الاوسط وشمال افريقيا عام 1992 معدل 58 بالالف وفي امريكا 9 بالألف.. ان نظرة متأملة سريعة لهذه الاحصائيات تفسر الى حد كبير التوجهات الديموغرافية «المتناقضة» في اطار المقارنة بين المنطقة المدروسة والعالم الغربي المتقدم. ومن «الوقائع» الاقتصادية الرئيسية التي يؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب، التغير الكبير الذي شهدته عدة بلدان في منطقة الشرق الاوسط انطلاقا من استثمار الثروات النفطية.. واذا كانت هذه الثروة قد شكلت السبيل نحو الشروع بسياسات تنمية حقيقية فإنها كانت بالمقابل سببا في تعاظم اهتمام الشركات البترولية الغربية الكبرى، وبالتالي السياسات الغربية، منذ قيام الشركة الانجليزية ـ الايرانية للبترول وحتى اليوم. ويركز المؤلف ضمن هذا السياق على أهمية القرار الذي اتخذه رئيس الوزراء الايراني الاسبق محمد مصدق عام 1951 عندما قرر تأميم النفط الوطني الايراني.. واذا كان هذا القرار لم يصمد طويلا امام الخطط الغربية التي اعادت الشاه الى السلطة بعد فترة من النفي في ايطاليا، فانه اي القرار، كان ذا قيمة رمزية كبيرة. ويدرس المؤلف ضمن هذا الاطار عملية التصنيع الحديث التي تبنتها بعض بلدان الشرق الاوسط. لكن عملية التصنيع هذه اصطدمت بعاملين كان لهما اثر سلبي كبير على تطور الصناعات وازدهارها، على الصعيدين الداخلي والخارجي. فعلى الصعيد الداخلي شكلت هذه الصناعات، باغلبيتها، خطرا على البيئة. وهذا ما يعبر عنه المؤلف عبر صورة وصفية قارن فيها بين «سماء» القاهرة الزرقاء الصافية قبل عشرين عاما والسماء الداكنة اليوم. اما العامل «المعيق» على الصعيد الخارجي فقد تمثل تاريخياً في عدم القدرة على المنافسة في الاسواق الدولية. هكذا نجد مثلا بان «سيارة فيات التركية المصنوعة في تركيا باسم مورات. هي سيارة صغيرة رائعة الصنع لكنها لم تستطع منافسة سيارات بي ام دبليو او هوندا او فورد في الاسواق العالمية». وعلى القاعدة نفسها لم يكن ممكناً تكرار نماذج تنموية حديثة مثل اليابان او النمور الاسيوية الاربعة او ماليزيا او اندونيسيا. لكن المؤلف يفتح قوسين ضمن هذا السياق ليؤكد على اهمية التطور الذي عرفته بعض البلدان شرق الاوسطية خلال العقدين الاخيرين اذ اصبح من المألوف ان يجد المرء في الاسواق الامريكية والاوروبية منتوجات تحمل علامة صنع في مصر او الكويت او الامارات العربية المتحدة. ويركز المؤلف في هذا السياق على نجاح مصر في ميدان الصناعات النسيجية. لكن بكل الحالات يبقى قطاع النفط ومشتقاته هو الأكثر اهمية في الشرق الاوسط حيث تبذل الحكومات جهوداً كبيرة من اجل محاولة تأمين اكبر قدر ممكن من السيطرة على عمليتي الانتاج والتسويق لمواجهة الشركات الدولية الكبرى. ويدرس المؤلف ضمن اطار البحث في الشأن الاقتصادي للشرق الاوسط التطور «التاريخي» لحركة الاستثمارات الخارجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الفترة الراهنة. وفي المحصلة النهائية يرى بان العقود القليلة المقبلة ستشهد الاستمرار في التزايد السكاني دون ان تواكبه تنمية اقتصادية حقيقية كافية. بالمقابل يؤكد مؤلف هذا الكتاب بان شعوب الشرق الاوسط تبحث بسبل شتى تلمس مستقبل اكثر ازدهاراً بعد قرن من اشكال الاحباط المختلفة التي شهدتها هذه الشعوب خلال القرن العشرين. بل ويرى بان مثل هذا الاحباط قد شمل البلدان الاسلامية في كل من اسيا وافريقيا. ولكن هذه الشعوب كلها التي عرفت سيطرة النزعة الامبريالية التوسعية الاوروبية، بصورة مباشرة او غير مباشرة، شهدت تنامي طموحاتها من اجل نيل استقلالها السياسي واقامة حكومات دستورية وتحقيق التقدم الاقتصادي والازدهار، هذا الى جانب العمل على تنشيط الدينامية الاجتماعية والثقافة. وبدت هذه التوجهات كلها في اطار البحث عن موقع في «العالم المتمدن». لكنها واجهت العديد من العقبات الداخلية والخارجية. ان المؤلف يدرس ضمن هذا الاطار ثلاث حالات هي ايران ومصر والصراع العربي ـ الاسرائيلي. ويكرس المؤلف فصلا لدراسة التيارات القومية العربية على ضوء تجربتين رئيسيتين هما الناصرية والبعثية. وتتم مناقشة مواقف هذه التيارات حيال عدة مسائل جوهرية تتعلق بالصراع العربي ـ الاسرائيلي وبالعلاقة مع المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي ـ السابق ـ وحيث كانت حركة عدم الانحياز بمبادرة من نهرو وتيتو وعبد الناصر احدى «تجليات» التحرك السياسي الناصري. وتشكل مسائل الطبيعة العسكرية والسياسية للعديد من الانظمة العربية والشرق اوسطية والمنظومة السياسية للاسلام واوضاع المرأة وحقوق الانسان مراكز اهتمام يوليها المؤلف انتباهه في الصفحات الاخيرة من الكتاب