بيان الكتب: مايكل. أ. بليسيلس، هو استاذ التاريخ في جامعة «ايموري» ومدير مركز «ايموري» للدراسات الخاصة باعمال العنف في الولايات المتحدة الامريكية. وهو مؤلف كتاب: «الخارجون على القانون الثوريون». وله العديد من المساهمات في الصحف والمجلات الامريكية والعالمية. يعيش المؤلف حاليا في ولاية «اطلانطا» الامريكية. اصبح العنف في السنوات الاخيرة ظاهرة تؤرق المجتمع الامريكي. من هذه المسلمة ينطلق مؤلف هذا الكتاب ويعدد بعض الاسئلة حول العنف «المجاني» او «العنف للعنف» الذي شهدته امريكا خلال الاعوام المنصرمة. ففي شهر مارس من عام 1998 فتح تلميذان في سن الحادية عشرة النيران على زملائهم في احدى مدارس ولاية «اركانسا». وفي مدة لا تزيد على اربع دقائق ارديا خمسة تلاميذ ومعلمتهم قتلى بينما اصابا عشرة اخرين بجراح. عقب هذا الحادث، وحوادث اخرى من الطبيعة نفسها مثل ذلك الذي عرفته ولاية «كولورادو» في شهر ابريل من عام 1999 ترددت عدة اسئلة في اذهان الجميع وعلى رأسها: لماذا وصل الامر بنا الى هذا الحد؟ وكيف وصلت الولايات المتحدة الامريكية الى هذا المستوى من العنف الذي غدا فيه الاطفال يستخدمون الاسلحة النارية ويقومون بارتكاب جرائم القتل عن سابق اصرار وتصميم؟. بمثل هذه التساؤلات يبدأ المؤلف حديثه عن ظاهرة انتشار الاسلحة النارية في الولايات المتحدة الامريكية وممارسة العنف المسلح بدرجة غدا فيها هذا العنف بمثابة مكون «متأصل» في حياة المجتمع الامريكي. ويؤكد المؤلف بالاعتماد على عدة دراسات واحصائيات بان مستوى العنف في امريكا قد وصل الى معدل يفوق بكثير ما تشهده البلدان الصناعية الاخرى المتقدمة.. كما يتم التأكيد ضمن الاطار نفسه بان بلوغ البلدان الاخرى نفس الدرجة والمستوى من العنف يتحقق فقط في حالة نشوب حرب اهلية فيها او تعرضها لاضطرابات اجتماعية خطيرة. هذه وتدل احصائيات تعود لعقد التسعينيات الماضي على ان متوسط الجرائم يصل الى 2 مليون جريمة سنوياً منها «24000» جريمة قتل. وتصل نسبة الجرائم التي تم فيها استخدام اسلحة نارية 70% من مجمل عدد الجرائم. هذا وقد شهد احد الاسابيع مقتل عدد من الضحايا في الولايات المتحدة الامريكية يفوق اعداد القتلى في جميع بلدان اوروبا الغربية خلال عام كامل. «انها ارقام مخيفة ومفزعة تعكس حقيقة الظروف التي يعايشها المواطن الامريكي كل يوم». كما يقول المؤلف. ان المؤلف يدرس في الفصول الاولى من الكتاب واقع العنف في امريكا من خلال تجلياته في عدة ميادين، وليس أقلها وسائل الاعلام. اذ لا تخلو الصحف مثلا كل يوم من قصص العديد من الجرائم التي يتم فيها استخدام الاسلحة النارية لأتفه الاسباب، الى درجة يبدو فيها ان الامريكي يعيش حياته واصبعه على الزناد. وما كنا نراه في افلام رعاة البقر ـ الكاوبوي ـ اصبح بمثابة حقيقة واقعة مع فارق ان الهندي الاحمر اصبح هو «الجار» او «زميل الدراسة» او «معلمة الصف»... او حتى الاقرباء... وهنا ينطرح سؤال: هل العنف الذي نشاهده على شاشات التلفزة والسينما هو انعكاس لولع معظم الامريكيين بالسلاح وباقتنائه وباستخدامه ام ان هذا «الولع» الامريكي هو الذي شجع العنف على الشاشات؟!. ولكن المسألة تنطرح بشكل مغاير احيانا اذ تركز وسائل اعلام عديدة على القول بان مشاكل كل الفرد يمكن مواجهتها، وربما تجنبها، عبر تملكه لسلاح «يدافع به عن نفسه». كما ان العاب الفيديو للاطفال التي تتميز بدرجة عالية من العنف انما تبدو بمثابة «وسيلة تشجيع» في متناول جميع الاطفال بحيث انها تحرضهم على ممارسة العنف واستخدام السلاح «تيمنا بالابطال» الذين لا يقهرون.. الا يشكل «رامبو» رمز القوة في امريكا؟!. وماذا عن عدد قطع السلاح المتوفرة في ايدي الامريكيين. ان المؤلف يحاول على مدى صفحات عديدة من هذا الكتاب تقديم تقديرات تقريبية نظرا لعدم وجود أية سجلات لرصد مبيعات الاسلحة النارية وبالتالي هناك استحالة تقديم ارقام دقيقة لعدد الاسلحة النارية بحوزة الامريكيين او تحديد هوية مالكيها.. ومع ذلك فان تقديرات مكتب التحقيقات الفيدرالي تشير الى وجود حوالي «250» مليون قطعة سلاح في ايدي الافراد العاديين من الامريكيين وبحيث ان هذا العدد يزداد بمعدل خمسة ملايين قطعة كل سنة. ويشكل «الجدل الحاد» الذي تشهده الاوساط الامريكية بمختلف شرائحها وقواها حول ضرورة ايجاد حل لمشاكل العنف في البلاد احد محاور اهتمام مؤلف هذا الكتاب الذي يرى بان مثل هذا النقاش لا يدعو ابدا للدهشة فالمشكلة خطيرة والتحدي كبير. لكن الحلول تتطلب بالضرورة معرفة اصل المشكلة. لكن يبدو ـ وهذا اخطر ما في الامر ـ ان الامريكيين مستسلمون بغالبيتهم الى الاعتقاد بان العنف هو نتاج الارث التاريخي للدولة وللحروب القديمة مع الهنود الحمر الذين احتاج «الاجداد» للاسلحة من اجل مواجهتهم وتأمين «الدفاع الفعّال عن النفس» و«البحث عن الغذاء». وهذا يعني ـ كما قال البعض وينقل عنهم المؤلف بأن الجميع كانوا قتلة. ويدحض المؤلف ضمن هذا النهج من التفكير الآراء القائلة بان امتلاك الاسلحة النارية في المجتمع الامريكي كان بمثابة امر استثنائي يعود للقرنين السابع عشر والثامن عشر، وانه بدءا من منتصف القرن التاسع عشر وبالتزامن مع انتشار التكنولوجيات التي أثمرت عنها الثورة الصناعية الاولى برزت فكرة امتلاك سلاح ناري وانتشرت بسرعة كبيرة. ويؤكد بالمقابل بان هذه الفكرة قد بدأت بالذيوع فعليا مع بدايات صناعة السلاح نفسها. بل ويذهب الى حد القول بان الحكومة نفسها كانت تشجع المواطنين على تملك السلاح. ويشير الكاتب الى رأي يثير الدهشة. وهو يتعلق بالصحافة المتخصصة التي تشيد دائماً بالاسلحة ولا ترى وجود اي عيب في السلاح الامريكي. اذ ان جميع انواعه «متفوقة» بالقياس الى الانواع الاخرى «المناظرة» في الصناعات الاجنبية للتسليح. ان المؤلف يقدم في هذا الاطار عددا من النماذج المأخوذة من الصحافة الامريكية المتخصصة التي تقتصر على الاشادة بالمزايا «الفريدة» التي يتميز بها السلاح الامريكي. لكن هل يمكن للانسان، اي انسان، ان لا يبدي دهشته ـ ان لم نقل صدمته ـ من الاعلان الذي نشرته احدى كبريات المجلات المتخصصة في عالم السلاح والتسليح والذي يظهر فيه «بابا نويل» وهو يحمل بجعبته عددا من المسدسات والبنادق بينما الذخائر متدلية من اوراق شجرة عيد الميلاد، وان هذا ما رأى به واضعو الاعلان هدايا ثمينة مناسبة لهذا العيد الديني الذي يتسم خاصة بتقديم هدايا للاطفال. لكن اذا كان هناك اصوات كثيرة تتعالى مطالبة بالحد من تسليح الشعب الامريكي، فان هناك من ينتقد ايضا سياسة وضع القيود على الحصول على السلاح ويرون بأن هذا يشكل خطرا على «حرية الانسان» في حقه امتلاك السلاح انه حق مطلق لا يجب المساس به، ويبدي انصار هذا التيار الداعي للتسلح تخوفهم من ان تكون الحكومة الفيدرالية والليبرالية تنوي نزع السلاح بالنسبة للجميع بما في ذلك رجال الشرطة، كما هو الحال في بريطانيا. ويذهب البعض الى حد القول بأن الدستور يكفل هذا الحق للمواطن الامريكي وانه يمكن فقط استثناء الاطفال والمتخلفين عقليا من هذا الحق، ولذلك ينبغي تعديل الدستور كي يتم تطبيق هذا الاستثناء، وقد كان هذا بالفعل رأي احد القضاة الذي اصدر حكما بهذا المعنى قبل خمسة ايام من حادث اطلاق النار في مدرسة بكولورادو. ويكرس المؤلف اهتمامه ايضا في هذا الكتاب لدراسة تاريخية منشأ السلاح الناري في الهند اولا ثم انتقاله الى بلاد فارس في القرن الثالث عشر كي يظهر بعد ذلك في اوروبا اعتبارا من القرن الخامس عشر وحيث تردد الاوروبيون في البداية باستخدامه بل اعلنوا عداءهم لمثل هذا الاستخدام. لكن هذه النظرة تبدلت شيئا فشيئا مع مرور الزمن وتمرس العديدين باستخدامه، لا سيما وانه كان احد العوامل التي ساعدت على الغزو الاوروبي لامريكا الشمالية ـ العالم الجديد فرض هيمنة «الرجل الابيض». ان الاسلحة النارية لعبت دورا كبيرا في المواجهات التي شهدتها القارة الامريكية. وقد تناول المؤلف بهذا الصدد صناعة السلاح الامريكي نفسه مؤكدا بأنها بدأت في القرن التاسع عشر ـ اواسط القرن ـ حيث كان معظم الامريكيين يفضلون آنذاك الاسلحة الاوروبية لتميزها بالصلابة والدقة في التسديد وخفة الوزن، وكان الهنود الحمر انفسهم يفضلون تلك الاسلحة لمواجهة القوات «الغازية» لقد سعت الحكومة الامريكية في هذا السياق الى انهاء احتكار الانجليز لانتاج البنادق وتصديرها الى القارة الامريكية ولهذا امرت بانتاج بنادق امريكية. وكانت باكورة هذا التصنيع الامريكي شحنة من البنادق التي لم تكن ذات دقة عالية في البداية لكنها كانت تتسم بسهولة استخدامها من على ظهور الخيل.. ومع مرور الوقت تحسنت واصبحت اكثر دقة وسهولة وفاعلية في الوقت نفسه. ثم استعرض المؤلف مختلف المراحل التي عرفتها صناعة السلاح في الولايات المتحدة الامريكية والمصاعب التي واجهتها. كما يشرح الآليات التي استخدمها القائمون على تلك الصناعة والاجراءات التي اتخذتها الحكومات الامريكية المتعاقبة بحيث ان الجهود قد تضافرت لبروز ظاهرة الاهتمام الحقيقي العام بالاسلحة النارية.. ولو ان ذلك قد ترافق منذ البداية بتزايد اعمال العنف.. وكانت حملة تشجيع صناعات الاسلحة وامتلاك الجمهور العريض لها الى حد ان استخدامها قد اصبح في بعض الاحيان «وسيلة للترفيه والتسلية». وقد نظمت شركة الخطوط الحديدية الامريكية ذات يوم رحلات خاصة يستطيع الركاب خلالها استخدام اسلحتهم النارية من اجل اصطياد الابقار الوحشية «الجواميس» اثناء سير القطار. وتشير احصائيات يقدمها مؤلف هذا الكتاب الى ان عام 1872 وحده قد شهد قتل مليون ونصف جاموس بهذه الطريقة.. ثم ان عادة اطلاق الاعيرة النارية في الهواء في الاعياد والاحتفالات، وخاصة عيد الاستقلال، قد تأصلت خلال تلك الفترة الزمنية رغم واقع ان ذلك كان وراء العديد من الحوادث، والقتل دون قصد، خلال تلك التظاهرات الصاخبة. وكانت الحرب الاهلية الامريكية «الحرب الانفصالية بين الشمال والجنوب (18601864) بمثابة تكريس لأهمية التسلح. هذا وقد حاول ارباب هذه الصناعة ان يبقوا وبكل الوسائل على حماس الجمهور العريض للسلاح وولعه بها. وكانوا يرسلون لهذه الغاية ممثلين لهم لتقديم استعراضات تظهر قدرة السلاح على اصابة الهدف بدقة بالغة. لذلك كانت المنافسة شديدة في هذا المضمار من اجل الحصول على استحسان من الجمهور، مما يعني الترويج لـ «البضاعة» وتحقيق مكاسب اكبر. وفي المحصلة اصبحت قطعة السلاح في اواخر القرن التاسع عشر بمثابة وسيلة توفر لمالكها قدرا من الحماية. وحيث كان مثل هذا الامر يتماشى مع تنامي ظاهرة مميزة في حياة المجتمع الامريكي.. وهي ظاهرة لم تكن السياسات الرسمية بعيدة عن تشجيعها. وفي المحصلة النهائية يستخلص المؤلف من مجمل التحليلات التي يقدمها حول ظاهرة امتلاك الاسلحة النارية في المجتمع الامريكي واسبابها وتداعياتها ومختلف مظاهرها، بان «عشق» الامريكيين للسلاح الناري لم يكن وليد صدفة، بل كان نتيجة مسار تاريخي وخيارات سياسية انتهجتها الحكومات الامريكية المتعاقبة بتشجيع من المنتجين انفسهم. وهذا ما تمت ترجمته في الواقع بتوافر السلاح في ايدي العديد من الافراد الذي يسيئون استخدامه في حالات كثيرة مما يؤدي الى تعاظم معدل الجرائم بالولايات المتحدة الامريكية وانتشار ممارسة العنف الى درجة مخيفة. كتاب عن «صناعة السلاح» و«ثقافة السلاح» في امريكا.. مع عدة ملاحق احصائية ومئة وثلاثين صفحة من شروح المصادر والتعليقات.. كتاب صدر في شهر سبتمبر