بيان الكتب: دافيد هلبر ستام هو احد المفكرين السياسيين الامريكيين المعاصرين. ساهم بالكتابة في العديد من الصحف والدوريات الامريكية وجعل من الحرب الفيتنامية احد محاور اهتمامه الرئيسية. له العديد من المؤلفات من بينها «اوديسة روبرت كندي التي لا تنتهي» و«القرن القادم» و«اكتوبر 1964» و«الاولاد» و«عقدالخمسينيات».. الخ. يبدأ المؤلف هذا العمل الجديد «الحرب في زمن السلم» بالحديث عن الفترة الانتخابية التي سبقت اختيار رئيس الولايات المتحدة الامريكية في خريف عام 1992. المرشح الاقوى آنذاك هو الرئيس الامريكي انذاك جورج بوش «الاب» الذي كان يتأهب لخوض حملته الانتخابية الثانية لاعادة انتخابه. ويرى المؤلف بأنه قلما كان هناك رئيس امريكي يثق باعادة انتخابه مثلما كان الحال بالنسبة لجورج بوش في صيف عام 1991. كانت حرب الخليج قد انتهت، وكانت جميع استطلاعات الرأي العام تشير الى ان 90% من الامريكيين يميلون لاعادة انتخابه. باختصار بدا وكأنه لا يمكن ان يقهر». لقد كان جورج بوش «الاب» يحظى باعجاب نسبة كبيرة من الامريكيين ومن متابعي السياسة الخارجية للولايات المتحدة بناء على قدرته الكبيرة في ادارة شئون الدولة وخاصة دوره في فترة احتضار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة. وايضا فيما يتعلق بمحاولاته الرامية الى ايجاد توازن بين مصالح بلاده ومصالح الرجل الذي كان الى هذا الحد او ذاك، شريكه في انهاء تلك الحرب «الباردة» حيث كان الرئيس بوش يدرك تماما مدى حساسية موقفه. ويؤكد المؤلف في هذا السياق بأن الرئيس بوش كان، وبأقصى ما استطاع ذلك، «كريما» مع الرئيس السوفييتي الاسبق ـ آخر رؤساء الاتحاد السوفييتي ـ خلال المفاوضات التي جرت بينهما لانهاء نحو نصف قرن من التوتر والعداء بين القوتين العظميين ـ آنذاك ـ في العالم. وفي منتصف شهر اغسطس من عام 1991 بدا الفريق الانتخابي للرئيس بوش في اعلى درجات الثقة بالنجاح، وفي تلك الفترة ايضا تمت محاولة انقلابية قامت بها مجموعة من الروس ذوي الاتجاهات اليمينية، لكن المحاولة فشلت وعاد جورباتشوف ليمسك بزمام الامور لكنه استقال من الحزب الشيوعي، كان الدرس الذي استنتجه رجال بوش المقربون هو انه على الرغم من انتهاء الحرب الباردة فان العالم لا يزال معرضا لمخاطر كبيرة.. ولذلك ينبغي ان يتولى زعامة الولايات المتحدة الامريكية رئيس قوي يستحسن ان يكون من الحزب الجمهوري وان يكون بالطبع جورج بوش الذي اثبت «كفاءاته» اثناء حرب الخليج. ولم يكن بوش كما يقدمه مؤلف هذا الكتاب، من النوع الذي تغريه المشاركة في احتفالات الغرب وبسقوط جدار برلين او بمناسبة نهاية الحرب الباردة او حتى اعادة توحيد الالمانيتين الغربية والشرقية. كان يرى بأن مثل هذه المشاركة قد تسيء الى «زميله» جورباتشوف.. كان يرى ان تلك اللحظات انما هي تاريخية.. لكن مسألة مشاركته تدل على «امر اخر». ان الارتفاع الكبير في شعبية جورج بوش «الاب» آنذاك يعود بالدرجة الاولى الى الانتصار الساحق الذي حققته قوات التحالف الدولي ضد العراق بعد اجتياحه لدولة الكويت في شهر اغسطس من عام 1990. ان هذا الانتصار اعاد الثقة للأمريكيين بعد مأساة الحرب الفيتنامية التي خسر فيها الامريكيون 55000 قتيل وبعد فضيحة محاولة اطلاق سراح الرهائن الامريكيين الذين كان قد تم احتجازهم في السفارة الامريكية بطهران من قبل حراس الثورة الايرانيين باسم الطلبة وايضا بعد فترة الكساد الاقتصادي الذي اصاب الولايات المتحدة. ويخلص المؤلف من مختلف مشاهداته وملاحظاته الى القول بأن عام 1991 كان عاما طيبا بالنسبة لجورج بوش «الاب» وخاصة انه انتهى بأفضل «هدية عيد ميلاد» يمكن ان تقدم لرئيس امريكي آنذاك.. لقد اخبره جورباتشوف في تلك الفترة بأن الاتحاد السوفييتي لم يعد موجودا وبدا ان هناك أمرا جديدا لم تكن موسكو قد تعودت عليه وهو انتقال السلطة من جورباتشوف الى يلتسين بشكل سلمي، ان لم يكن بشكل ديمقراطي. وكان هذا يعني، بصيغة ما ان جورج بوش «الاب» قد حقق نجاحات فاقت خياله، وان مسألة اعادة انتخابه اصبحت شبه محسومة. لكن المنتصر في الحرب لم ينتبه الى العديد من المؤشرات السلبية التي تكدست في زمن السلم.. ولم يكن فريق الرئيس بوش قد اعطى هذه المؤشرات الاهتمام الكافي. كان هناك مشاكل داخلية امريكية ذات طابع اقتصادي بالدرجة الاولى عكرت صفو الحياة السياسية الامريكية. لقد ادت السياسة التي اتبعها الرئيس الاسبق رونالد ريجان الى حدوث عجز كبير في الميزانية، مما ارغم جورج بوش على زيادة الضرائب والتراجع عن وعوده السابقة التي كان قد قطعها على نفسه ابان حملته الانتخابية. ومع تزايد الاستياء وتفاقم الحالة الاقتصادية بدأت استطلاعات الرأي العام الامريكي اعتبارا من خريف عام 1991 تشير الى فقدان بوش شيئا فشيئا لثقة شرائح كثيرة من الامريكيين. ان الانتصار في حرب الخليج، وعلى الرغم من اهميته الكبيرة بالنسبة لاستعادة ثقة الامريكيين بنفسهم، بدا أقل شأنا بكثير من ان يجعل الامريكيين ينسون هزيمتهم الاقتصادية الا لفترة قصيرة من الزمن اذ ان المعركة البرية التي خاضتها قوات التحالف الدولي، وخاصة الأمريكية، لم تدم سوى أربعة أيام، ولم تكن حرباً بالمعنى الدقيق للكلمة، بينما استمرت الحرب العالمية الثانية عدة سنوات، وكذلك الأمر بالنسبة للحرب الفيتنامية، لقد عاد الشعب الأمريكي إلى معايشة واقعه اليومي المأزوم والذي لم يكن المستشارون الاقتصاديون لجورج بوش يرونه، بل ودفعوا الرئيس ذات مرة إلى التصريح بأن «الكساد الاقتصادي قد انتهى». لقد أثار مثل هذا التصريح غضب مستشاريه ونفر غالبية الأمريكيين منه لأنهم كانوا يرون العكس تماماً، وكان هذا كله في صالح الديمقراطيين، ولهذا حذر بعض المحيطين بالرئيس بوش مما أطلقوا عليه تسمية «ظاهرة تشرشل» الذي كان قد أتى لهم بالنصر في الحرب العالمية الثانية، لكن الرئيس بوش ـ الأب ـ رفض الاعتقاد بامكانية ان يحدث هذا الأمر بالنسبة له متصوراً ان له رصيداً ضخماً لدى الأمريكيين لا يمكن اغفاله. بالمقابل قامت الحملة الانتخابية للديمقراطيين بزعامة بيل كلينتون عام 1992 على استغلال أهم نقاط ضعف الادارة الجمهورية إذ وبالاضافة إلى الكساد الاقتصادي مثل النزاع المسلح في يوغسلافيا السابقة احدى المسائل الاساسية التي تم استغلالها ضد المرشح بوش. ان مؤلف هذا الكتاب يتحدث باسهاب كبير عن الحرب اليوغسلافية وعن التردد الأمريكي بالتدخل في البداية مما سمح ميلوسيفيتش باعلان تحديه السافر للغرب، وكانت التقديرات قد أشارت آنذاك إلى انه ينبغي ارسال حوالي مئتي ألف جندي إلى البلقان وقد بدا هذا الرقم مرعباً بالنسبة للعديد من رجال بوش، مما جعل معظمهم لا ينصحون بأي تدخل في البلقان، ولم يكن من السهل على الرئيس عدم اتباع نصيحة رجال مثل «ايجلبرجر» و «سكوكروفت» و «كولن باول» كما كان مستشاروه السياسيون، ومن بينهم جيمس بيكر، يسدون له النصيحة أيضاً بالتخفيف من الاهتمام في شئون السياسة الخارجية، إذ كان مثل هذا الاهتمام على حساب المواطن الأمريكي ومصلحته، والذي يفترض ان يحظى بالقسط الأكبر من اهتمام الادارة الأمريكية وخاصة رئيسها. لكن الاحداث تسارعت في يوغسلافيا وازداد تفاقم الموقف بعد ان قامت قوات ميلوسيفيتش بارتكاب ابشع الجرائم العرقية ضد المسلمين خلال عامي 1991 و 1992 ولم تفلح انذارات الغرب كلها وقف المذابح ذلك ان الرئيس اليوغسلافي انذاك كان واثقاً بان الغرب غير قادر على التدخل، وبكل الحالات كان المسئولون الأمريكيون يفضلون ان يقوم الأوروبيون بالتدخل على ان تقتصر مساهمة القوات الأمريكية على مهمات انسانية، كان مستشارو بوش يخشون مواجهة أية مخاطر. وبالنتيجة فاز بيل كلينتون بالرئاسة، وقد بدأت فترة الادارة الديمقراطية بصراع داخلي حاد حيث كان العديد ممن أحاطوا بالرئيس المنتخب اثناء الحملة الانتخابية ـ المعركة الانتخابية ـ يعتقد كل منهم بأنه كان وراء فوزه، وإذا كان قد تم اختيار كريستوفر وزيراً للخارجية، فإن هذا لا يعود إلى كفاءته المتميزة، وإنما لقلة خصومه قياساً بمرشح آخر كان مطروحاً بقوة هو ريتشارد هولبروك الذي كان يتمتع بمزايا متعددة ولكن أيضاً بخصوم متعددين، هذا بالاضافة إلى طموحه الزائد، باختصار إذا كانت الجهود كلها قد تواكبت أثناء المعركة الانتخابية الرئاسية فإن توزيع المناصب بعد الفوز لم يكن أمراً هيناً. ولقد كان تفاقم الأوضاع في البلقان قد دفع الرئيس كلينتون إلى قرار القيام بعمل عسكري ضد الصرب في شهر مايو 1993 خشية ان يتحول تحدي ميلوسيفيتش إلى اهانة للغرب وللادارة الأمريكية بشكل خاص، لكن التدخل في البلقان لم يكن سوى أول «معارك» الادارة الديمقراطية إذ برزت فجأة مشكلة الصومال والتي بدت وكأنها لا تهم الادارة الأمريكية في البداية رغم وجود قوات أمريكية ضمن اطار القوات الدولية المتواجدة هناك، لكن نشوب معركة بين القوات الصومالية والقوات الأمريكية المدججة بأحدث ما أنتجته الترسانة الحربية في الولايات المتحدة، وانتهائها بمقتل وجرح العشرات من الجنود الأمريكيين بدا بمثابة «كارثة» بالنسبة للرئيس كلينتون الذي أصيب بالذعر والغضب واستنكر بشدة التصرفات التي يقوم بها البعض في ادارته دون الرجوع إليه، وهكذا ثارت زوبعة صغيرة داخل البيت الأبيض في الوقت الذي كان يبدو ان السلام والهدوء يخيمان عليه. ولكن تبقى أقسى الحروب التي واجهها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، هي تلك التي ارتبطت بسلوكياته الشخصية وتوجيه الاتهام له بالكذب فيما يتعلق بعلاقاته الغرامية مع النساء والتي كان من أشهرها بالطبع علاقته مع مونيكا لوينسكي، لقد شغلت احداث تلك الفترة الرأي العام الأمريكي هذا إذا لم نقل العالمي عبر متابعة «التطورات» مباشرة على شاشات التلفزة، حيث وصل الأمر إلى «شبه محاكمة» جرت للرئيس الأمريكي امام وسائل الاعلام المرئية والمسموعة. وبالتوازي مع بروز المشاكل الشخصية للرئيس بيل كلينتون وعودة تصاعد الأزمات في البلقان عامة وكوسوفو خاصة وبداية الحديث عن امكانية تدخل أمريكي جديد في هذه المنطقة من العالم، نشب صراع داخل الادارة الأمريكية بين السياسيين والعسكريين، بل ويؤكد مؤلف هذا الكتاب انه كان هناك صراع أيضاً بين العسكريين الأمريكيين أنفسهم على قاعدة المنافسة بين جنرالات كلينتون وحتى بين البعض منهم وبين الرئيس الأمريكي نفسه آنذاك، ولعل من أبرز تلك الخلافات ما يرويه المؤلف عن الجنرال ويسلي كلارك الذي كان يتولى قيادة قوات حلف شمال الأطلسي في البلقان حيث كان في خلاف مفتوح مع عدد من كبار ضباط الجيش الأمريكي الذين كانوا يوجهون له تهمة بأنه «سياسي أكثر مما هو عسكري»، غير ان تتابع الأحداث ونتائجها بعد ذلك اثبت صحة نظريته التشاؤمية حيال الأوضاع في البلقان.