بيان الكتب: يعد اورهان باموق واحداً من اشهر روائيي تركيا المعاصرين المعروفين على المستوى العالمي، وقد صدرت له حتى الان ستة اعمال روائية مترجمة الى ابرز لغات العالم كأن اخرها رواية «اسمي الاحمر» التي يرى النقاد انها تشكل اضافة مهمة الى اسلوبه الروائي المنتمي بشكل واضح الى مدرسة ما بعد الحداثة. في اثناء زيارته الاخيرة للعاصمة البريطانية لندن التقت به مجلة «ارتس وورلد» حيث دار الحوار التالي الذي تركز خلاله الحديث حول احدث اعماله الروائية وحول وجهة نظره في عدد من القضايا الابداعية المهمة في تركيا والعالم: ـ احدى الموضوعات الروائية التي تتكرر في عملك الاخير «اسمى الاحمر» هي القهوة، التي تستهلك على نطاق واسع في المقاهي التي تعتبر ايضاً من الاماكن التي يرتادها اصحاب الانشطة التي لا ترضى عنها السلطات، والقهوة يعول عليها كثيراً في اضفاء نوع من الشعور بالصفاء الذهني ووضوح الرؤية لدى من يرتادونها. يبدو ان استخدامك لهذه المسألة يحمل معنى رمزياً شديد الاهمية، لكن القهوة هل كانت من الموضوعات المثيرة للجدل في القرن السادس عشر الميلادي؟ ـ اجل، اجل، لقد عرفت القهوة في تركيا قبل فترة قصيرة فقط من الفترة التي تجري فيها احداث الرواية، وهناك مفارقة تاريخية فبعد 20 سنة من الاحداث الواردة في الكتاب اندلع الجدل حول القهوة وهو جدل شديد الاهمية في سياقه الفلسفي والسياسي. وفيما كان البعض يزعم من جهة ان القهوة ضارة وانها تورث الاثم كانت الغالبية تقول ان لها فوائد بالنسبة للتفكير والمزاج التأملي. وعلى المستوى السياسي كان ظهور القهوة مرتبطاً بظاهرة انتشار المقاهي في مدينة اسطنبول خلال هذه المرحلة، المقاهي التي كانت تستخدم كأماكن للتجمع. في حين ان السلطان العثماني كان يعتبرها من الاماكن الخطيرة، طالما انها شكلت اماكن تجمع ونقاش وقيل وقال ونشر الاشاعات بالاضافة الى خطورتها السياسية. وفي اربعينيات القرن السابع عشر اعلن السلطان العثماني مراد الرابع (وهو شخص معروف بالتهور والتعصب) الحرب على المقاهي والمشارب وكان يسير في شوارع اسطنبول متخفياً في الليل لكي يتسنى له معرفة المقاهي السرية. ـ هناك روايتان من رواياتك تقع احداثهما في العهد العثماني هما «القلعة البيضاء»، و«اسمى الاحمر». هل هذه التركة العثمانية لاتزال موجودة في اسطنبول اليوم؟ ولماذا تكتب عنها؟ ـ ان ما بقي من الحضارة العثمانية في اسطنبول هو فن العمارة الجيدة والتقليد السيئ الخالي من الالهام والتجديد. وفن العمارة مهم جداً بالنسبة لي، وكما ترى فان الطراز العثماني موجود في كل مكان في اسطنبول طالما ان هناك اعداداً كبيرة من المساجد. لقد ترك العثمانيون في هذا المجال بصمة واضحة يمكن ملاحظتها في كل اوجه الحياة في تركيا في حين انهم لم يتركوا الكثير من مجال الادب وفي الرسم يمكن القول بانهم لم يتركوا شيئاً. وعندما تتحدث عن نمط التفكير ورؤية العالم على المستوى السياسي فان الوجود العثماني مازال حاضراً في تركيا. لقد كانت امبراطورية مركزية وكانت تشوبها البيروقراطية والتواجد الملحوظ للجيش في الحياة السياسية، كما ان هيمنة اسطنبول على غيرها من المناطق التابعة للسلطة كانت قوية وكذلك سيطرة الدولة على الحياة الثقافية.. هذه الاشياء تجعل الحرية صعبة وتقيد حرية التعبير، ان هذه الآلية المضادة للحرية التي تريد ان تفرض سيطرتها هي السبب الكامن وراء عدم الانفتاح بشكله الحقيقي وعدم تحول تركيا الى دولة ديمقراطية وهي آلية موروثة عن العثمانيين الذين كانوا يعملون جاهدين من اجل السيطرة على كل شيء. ـ يقال ان كتاباتك جديدة وتجريبية. هل توافق على هذا الرأي؟ ام انك ترى انها نوع من اعادة الاكتشاف.. اعادة اكتشاف الموروث التركي القديم؟ ـ الحقيقة انني اسعى الى البحث في كلا الجانبين البحث عن الجديد والابتكار على مستوى الشكل. وعموماً فانني اكره الاعمال تلك الروائية الواقعية التي تعود الى القرن التاسع عشر، ولذا فانا اتوق ـ وبلا اي شعور بالخجل ـ الى سرقة الاشكال الادبية الاخرى من الغرب، غير انني وفي الوقت ذاته اضيف شيئاً من الموروث القصصي الاسلامي والكلاسيكي الى ما اخذه من هناك، ويخيل الي ان الجمع ما بين امرين مختلفين هو من العناصر التي تشبه اعطاء شحنة من القوة للعمل اذا كنت تملك الموهبة والطاقة اللازمة للقيام بهذا. ومع انه سيظهر في البداية وكأنه تقليد الا انه سيتطور ويفرز شيئاً جديداً بمرور الوقت. وهذا ما افعله انا طوال الوقت وأي نص يفرزه الالتقاء بين الاسلوب التجريبي الغربي والاسلوب التقليدي الاسلامي يحمل في داخله تلك الشحنة الكهربائية التي تكلمت عنها، اعتقد بأن هذا الشيء يخدمني ككاتب. ـ العناصر الاسلامية التي تتحدث عنها تظهر في كتاباتك على شكل قصص وحكايات ترد ضمن سياق اعمالك الروائية ومثال على هذه الاشارة المتكررة الى قصص العشاق (خسرو وشيرين) هذه الاخيرة هل هي قصة شهيرة موجودة في الموروث الشعبي التركي؟ ـ يخيل الي ان خسرو وشيرين وكل قصص العشاق التي ورثناها في تاريخنا التركي الاسلامي هي هاملت وماكبث واوديب ثقافتنا المحلية، هذه القصص ظلت متداولة على مدى اكثر من 500 و 600 عام واذا لم يكن الناس قد ورثوها بهذا الشكل فقد اورثتهم اياها الطبقة الحاكمة والمثقفة. انها الصورة التي تتلقاها في طفولتك وربما انه لم تكن لتتوفر في تلك الايام اختراعات كالصور ولا السينما ولا التلفزيون وكانوا يختزلون في اذهانهم الصورة نفسها. لقد ربط هؤلاء الناس حياتهم وربطوا قصص الحب التي تخصهم بهذه القصص وكانوا يتماهون بها في مغازلاتهم ورسائل العشق التي يرسلونها الى احبائهم. لكن كل هذه القصص قد ضاعت الان وما اقوم بعمله في الوقت الحاضر هو اعادة تصور هذه القصص وكتابتها. ـ هل تكتب للقارئ التركي اكثر مما تكتب للقارئ العالمي؟ ـ أكتب للاثنين، ومع ذلك فلا القارئ التركي ولا القارئ العالمي يقبل ما اكتبه. ففي تركيا يتهمونني باستغلال هذا الموروث القديم في تسويق اعمالي والترويج لها في الغرب! ـ ان روايتك «اسمي الاحمر» هي بكل المقاييس عمل ابداعي من الطراز الاول. وفيما تقوم صحيفة الاوبزرفر اللندنية بنشر تفاصيل المناظرة التي يقودها «روبرت مكروم» حول موت الرواية الراقية زاعماً بانها ليست بالاولوية بالنسبة للناشر البريطاني لانها لا تحقق ارباحاً مادية، فان اعمالك الروائية من جهة اخرى تباع بشكل جيد، حتى ان النسخ التي بيعت منها الى الان تتراوح ما بين 150 ألفاً ـ 200 ألف نسخة، انها تحقق افضل المبيعات، لكن كيف يحدث هذا في تركيا؟ ـ ان رواج الرواية الشعبية في المقابل لتراجع مستوى الرواج الذي تواجهه الرواية الراقية لا يعني موت الرواية الراقية حيث انها لاتزال تتمتع بالاحترام الشديد، وهو الشيء الذي لا تتمتع به الرواية الشعبية بالمقارنة وبالاضافة الى ذلك فان الاختلاف بين الرواية الشعبية وبين الرواية الراقية غير واضح واذا كانت الفجوة بين الاثنين موجودة باستمرار فان ذلك يعني التحدي الحقيقي بالنسبة للكاتب الجيد الذي ما عليه سوى ان يأخذ شيئاً من الرواية الشعبية ويحوله الى شيء رفيع المستوى او يفعل العكس فينزل بمستوى الرواية الراقية الى مستوى الرواية الشعبية. والواقع انني امثل حالة استثنائية في تركيا، كما انه لا توجد عندنا رواية شعبية فلا يوجد عندنا مثلاً كتاب كـ «بريجيت جونز» او «باربرا كارتلاند» او «دانييل ستيل» وهؤلاء يشبه قراؤهم في الغرب مشاهدي التلفزيون عندنا وبهذا فان القراء الاتراك يبدون اكثر ثقافة بالمقارنة بالقراء الغربيين لكن عيبهم الوحيد هو انهم قلة. ـ على الرغم من وجهة نظرك السياسية القوية الا انك تفصل ما بين السياسة وما بين الرواية هل تفعل هذا بوعي ام انك غير مغرم صراحة بالخوض في الامور السياسية؟ ـ روايتي المقبلة التي ستصدر قريباً، في شهر ديسمبر في تركيا رواية سياسية. وتعرف انني اتمتع بحضور قوي على الساحة السياسية في تركيا على الرغم من اني لم اتعمد هذا الشيء. ان افضل الكتاب اليساريين من الجيل الذي سبق جيلي دمروا انفسهم بكتاباتهم السياسية. ومع انني ومن جهة اعتبر نفسي كاتباً يسارياً الا انني ومن جهة اخرى افضل ان اكون كبروست وكذلك جوليو كورتازار، وكلنا يعرف انه كان مغرماً بالسياسة ومع ذلك فقد كتب ادباً منفصلاً عن السياسة، اريد ان اكون مثل هؤلاء ولا اريد ان اخضع كتاباتي للمعايير الاخلاقية التي يتمسك بها المحافظون. ـ في «اسمى الاحمر» كتبت «يجب على المرء الا يتعالم مع الفن كمهنة حتى يتجنب الشعور بخيبة الامل، اما المال والسلطة فيجب البحث عنهما في مكان اخر، هل تؤمن بهذا؟ ـ انني اضع كل مشاعر القلق والتردد وكل أرائي السلبية والايجابية في الفن والنجاح والمنافسة والغيرة والاخلاص والامل في ان يذكرك الاخرون وحتى لا ينسونك، كل هذه الافكار التي ناقشتها وتلاعبت بها هي افكاري ومع ذلك فهي افكاري وليست افكاري «كنت اعيش على نفقة والدي لسنوات طويلة قبل نشر اول رواية لي وخلال تلك المرحلة لم احلم بتحقيق اي ربح مادي من وراء كتابتي وكل ما كنت احلم به هو الشعور بالسعادة وبعد 15 سنة بدأت افكر في الربح المادي ومع ذلك فانا مازلت عند رأيي بأن على الفنان او الكاتب الشاب الا يحلم بالربح المادي الذي يمكن له ان يحققه من وراء كتابته او فنه. والواقع ان المال يأتيك اذا ادرت له ظهرك تماماً كما يقول المثل «المرأة لا تأتي اليك الا اذا ادرت لها ظهرك!». ـ لقد ظلت روايتك «جودت بيك واولاده» ثماني سنوات قبل ان تنشر في سنة 1982، فما الذي كان يجعلك تشعر بالامل في نشرها طوال تلك المدة؟ ـ لقد امضيت اربع سنوات في كتابة هذه الرواية وبعد ذلك اي خلال تلك الثماني سنوات الفت كتباً اخرى وكنت اعيش مع والدتي المطلقة التي لم تشجعني على الكتابة ولم يكن لدي المال الكافي وكنت اتجنب الاختلاط بالاخرين بسبب ذلك وبالتالي فما الذي يمكنك ان تفعله سوى الكتابة لقد تعلمت هذا وتعلمت ان اكتب لمدة عشر ساعات في اليوم تماماً كما يفعل رجل الدين الملتزم وكل ما كان يدفعني الى مواصلة الكتابة هو الايمان بموهبتي. كنت سعيداً بالقراءة والكتابة ولم ارد في الواقع حياة غيرها