لقد جاء الاسلام والمجتمع الشركي له قوانينه واعرافه وتقاليده، التي لم يكن ميسورا تغييرها وتبديلها بين غمضة عين وانتباهتها، اذ هي مترسبة في اعماق الناس قبل الاسلام بقرون عدة، ومن هذه الاعراف مالم يكن خاصا بالبيئة العربية وحدها، وانما عرف في المجتمعات المجاورة الاخرى كذلك، كأكل الربا مثلا، كان معروفا في الحضارة المصرية القديمة ومعروفا في شريعة اليهود ومعروفا عند الرومان فمن ثم انتقل الى البيئة العربية وتعارف الناس عليه باعتباره وسيلة لزيادة المال دون جهد وسعي! فلما جاء الاسلام مجرما العدوان على جميع حقوق الانسان سواء كانت مادية او معنوية، ومن الحقوق المادية العدوان على ملكيته المالية، وقد تتعدد صور العدوان عى مال الانسان وتقع تحت مسميات عدة، الا انها في النهاية تنطوي على حقيقة واحدة هي اكل ماله بغير حق، كحالة الربا، كان لابد من مواجهة الاسلام لهذه الجريمة فيما واجه من جرائم ويضع الحلول الجذرية الحاسمة لمثلها! وما كان معروفا لدى العرب من صور الربا ان يقرض صاحب المال مدينا مبلغا، تبدأ المحاسبة عليه من السنة الثانية، بمعنى ان الدائن لايطلب من المدين شيئا وراء رأس المال (الدين) اذا وفاه دينه في اجله المعلوم فان لم يستطع اداءه في ذلك الاجل اتفقا على تأجيله سنة ثانية في مقابل زيادة يتحدد مقدارها حسب التراضي فيما بينهما فلو ان مدينا كان عليه ان يسلم للدائن في اجل كذا، حيوانا سنه ثلاث سنوات، فاذا لم يدفعه اليه في ذلك الموعد اجله الى السنة المقبلة، لكن الحيوان يجب ان تكون سنه اذ ذاك اربع سنوات ولقد كانت تصل الزيادة في بعض الاحيان الى قدر رأس المال في آخر السنة الثانية فتصبح المئة مئتين، فان لم يؤد تضاعف رأس المال والفائدة معا فيصيران اربعمئة في آخر السنة الثالثة وهكذا.! وصورة اخرى من تعاملات الربا كانت قائمة كذلك عند عرب الجزيرة وجاء الاسلام وهي قائمة، تزيد اولي الثروات غنى، ويزداد الفقراء المدنيين فقرا وحاجة، تصل الى حد طلب بيع الابناء في اسواق الرقيق وفاء للدين الفاحش الناتج عن المضاعفات الربوية! وهي ان يدفع الدائن للمدين قدرا من المال لمدة عام ـ مثلا ـ على ان يأخذ منه فائدة معينة كل شهر، فاذا جاء آخر السنة ولم يرد رأس المال اتفقا عى فوائد اخرى للتأخير وهكذا تتضاعف الفوائد ويبقى رأس المال كما هو لايمس! فواجه الاسلام الربا بنظامه الحكيم الذي اتى به ليقيم على اساسه مجتمعا خاليا من الجشع والانانية والاستغلال وفي نفس الوقت يغرس الرحمة والرأفة بدلا من ذلك فتزداد الروابط صلابة والتعاون قوة، واذا البنيان الاجتماعي جبل شامخ لا تنال منه الاعاصير! وكما اتبع الاسلام سنة التدرج التشريعي الذي ربى عليه المسلمين، تدرج في تحريم الربا، فقال في نص مكى تعليمي ان الربا يمحو ثواب المقرض، والذي يفترض فيه انه فرج عن مكروب واعان معسرا، لكن هذه المعاني الجميلة محاها الجشع والاستغلال لازمة المقترض وفرض زيادة لتزداد مأساته المالية وازمته النفسية فقال عز من قائل: «وما آتيتم من ربا ليربو في اموال الناس فلا يربو عند الله، وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون» (39/ الروم) ثم ذكر القرآن ان الله كان حرم الربا على بنى اسرائيل، ولكنهم عصوا ربهم فعذبهم على هذا العصيان واكلهم الربا، فقال عز وجل: «فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا واخذهم الربا وقد نهوا عنه واكلهم اموال الناس بالباطل، واعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما» (النساء/ 161). ثم جاء التشريع الذي يخص المسلمين في درجته كنهى عن الربا المتراكب او المتضاعف دون النهي عن الربا بعامة، فقال عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا اضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي اعدت للكافرين واطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون» (آل عمران/ 130ـ 132). ثم جاء ختام التشريع الاسلامي في موضوع الربا نهيا عاما شاملا في قوله تعالى: «يا ايها آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا ان كنتم مؤمنين فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وان تبتم فلكم رؤوس اموالكم لاتظلمون ولا تظلمون» (البقرة/ 278 ـ 279). علي عيد