بيان الكتب: يبدو الخطاب الروائي لدى اورهان باموق مختلفاً تماما باحتوائه على عناصر شديدة الايغال في لعبة الحداثة سواء تعلق ذلك بوجهات نظره المتعددة المتفرعة عنها العديد من الموضوعات او تقنياته الابداعية. وربما عكست وجهة النظر هذه التي يطرحها، باموق في روايته الاخيرة اسمى الأحمر نزعته الطامحة الى اعادة مراجعة كل ما يتعلق ببلاده تركيا وعلى وجه التحديد تلك المعاناة التي تسببت فيها عوامل الصراع بين المؤسستين السياسية العلمانية والدينية المتشددة فيما يثير القلق لدى الانسان العادي الذي ليس بإمكانه ان يخرج من إطار تاريخه الحقيقي، تاريخ مجتمعه الاسلامي الذي كان منارة حضارية ساطعة اضاءت ما حولها بكل ما تحمله الكلمة من معنى وليس بإمكانه ان يترك صدمة الحداثة تمر دون ان يستفيد منها. وروايات باموق كلها من «جودت بيك وأولاده» سنة 1982 أول اعماله الروائية الى اسمى الاحمر كلها من النوع الذي يعيد تفكيك الواقع واعادة تشكيله في ضوء ما توفر لديه من تاريخ قديم وعلاقة بالثقافة الاسلامية «التي تغني روايته» ومن المعاصرة. واسمى الاحمر هي احدث اعمال هذا الروائي التركي الشاب كما انها العمل الثاني الذي يلقي الضوء على جوانب الحياة التاريخية والاجتماعية والابداعية الفنية والثقافية في المجتمع العثماني في القرن السادس عشر وعلى موضوعات اكثر اهمية تتعلق بجماليات الفن الاسلامي والمؤثرات الثقافية الغربية المدمرة. وتمثل هذه الرواية قفزة جديدة لباموق في عالم رواية ما بعد الحداثة رغم محاكتها الماضي البعيد و احتوائها على زمن لم يعد فاعلاً في الحقيقة. ومن جهة اخرى تمثل ظاهرة استثنائية في عالم النشر خاصة في تركيا حيث تقدر مبيعاتها الى الآن بحوالي 250000 نسخة اضافة الى ترجمتها الى العديد من اللغات. بعد نشره هذه الرواية تساءل الكثيرون عن قدرة رواية اورهان باموق على الانتشار على الرغم من عدم قدرتهم التعامل مع اسلوبه شديد التعقيد وجاء في مقدمتهم كتاب مثل «امين كولسان» الكاتب الصحفي بجريدة «حريت» واحمد تانير كسلالي من توم حريت الذي وجه اليه ايضا الاتهام بمهاجمة المؤسسة الاتاتوركية السياسية، وثمة ما يثير الجدل حول اتهام باموق المؤسسة السياسية بضيق الافق وعدم القدرة على التعامل مع القضايا الهامة مثل القضايا المتعلقة بمصادرة الابداع وتقييد حرية المبدعين والزج بهم في السجون وعدم القدرة على الموازنة في المشكلات الخارجية. والذين يعرفون الروائي التركي اورهان باموق يعرفون انه اكثر كتاب تركيا اثارة للجدل في الاوساط الثقافية والنقدية في بلاده بالاضافة الى ما يتمتع به من حضور جيد على الساحة السياسية والنقدية المحلية والعالمية، وبينما يوجه اليه الاتهام بأنه يستثمر موضوعات هامة ذات علاقة بالثقافة والتاريخ في الترويج لنفسه وللثقافة الغربية ما بعد الحداثية تواجهه المؤسسة العلمانية بالمزيد من الشعور بالقلق تجاه عدم تقديره ايديولوجيتها عدا عن تلك الاراء التي تتهمه بالتعقيد والانهماك في الذاتية. لكن اذا كان باموق قد شكل ظاهرة في عالم النشر فإن ذلك يعود بالتأكيد الى اهميته بالنسبة لأولئك الذين يقدرون وقوع تركيا في ازمة الهوية بالانتماء الى كل من الشرق والغرب. وربما كانت ظاهرة انتشار باموق في قارتي آسيا وأوروبا قد ارتبطت بظاهرة اخرى لا تقل اهمية في الترويج لأعمال الرواية، وهي ترجمة هذه الاعمال التي وصلت حتى الآن الى عشرين لغة. وكانت اولى تلك الاعمال الروائية «جودت بيك» سنة 1982 وهي ملحمة عائلية يدور موضوعها حول حياة احدى العائلات البرجوازية في مدينة اسطنبول قد صورت بعد ثماني سنوات من البحث عن ناشر. وعلى الرغم من ان اعمال باموق الاولى لم تكن بتلك الكلاسيكية، إلا انها كانت تجسد جزءاً هاماً من نظرته الى طبيعة الحياة في المدن التركية التاريخية بما فيها مدينة اسطنبول المكان الذي يصفه باموق بانعدام التناسق وانعدام العلاقات الهندسية. ان الشيء ذاته الذي يقال عن موضوعاتها يقال ايضا عن اسلوبها الروائي فكل اعمال باموق الروائية بما فيها روايته الشهيرة «القلعة البيضاء» سنة 1979 المترجمة الى الانجليزية في سنة 1990 والمترجمة الى العربية سنة 2001م هي رواية تاريخية تسلط من خلالها الاضواء بوضوح على موضوع هام هو ازمة الهوية، كل الاعمال هي في الواقع نموذج صادق لمحاولته التوفيق بين الحداثة وبين التقليدية في كتاباته الروائية ولو انه يظهر في رواية اخرى هي «الكتاب الاسود» سنة 1990 على نحو شديد التأكيد على هويته الروائية التي تتجاوز حدودها القومية الى ما بعد الحداثية. يقول باموق في روايته «الكتاب الاسود» لقد انتهيت بالتفكير في قصة اخرى كانت فيها الطريقة الوحيدة لكي تكون نفسك هي بأن تتحول الى شخص آخر او تفتقد طريقك في قصة اخرى، والقصة التي اريد ان اكتبها في الكتاب الاسود تذكرني بقصة ثالثة او رابعة تشبه تماما قصة الحب التي نعرفها والذكريات التي تتداعى فتفتح كل واحدة على الاخرى.. ولكن في النهاية لا يوجد ما هو مذهل كالحياة، لا يوجد إلا الكتابة، إلا الكتابة، إلا الكتابة اجل بلاشك إلا الكتابة فهي عزاء الروح. ان ما يميز اورهان باموق عن غيره من الكتاب الاتراك هو ان الكتابة تعني الوجود بالنسبة له وهو وان كان لا يعني بالتأكيد انه الاكثر التزاما إلا انها الطريقة التي يعرف بها نفسه بإيجاز شديد، وحتى وان كانت الكتابة نوع من التعبير عن الذات او الحب او الاشارة الى التوافق مع الحياة واعطائها المعنى فإنه يبدو مع ذلك مغرماً بها كمهنة على المستوى الذي يعنيه ككاتب وكروائي وعلى صعيد آخر لا يرتبط بهذا التعريف البسيط عندما ترتبط الكتابة بموضوعات كالتاريخ او السياسة او الجمال او اي من الموضوعات المتعلقة بوجوده الانساني. وروايتا باموق «الكتاب الاسود» و«الحياة الجديدة» سنة 1994 كما يقول فريدريك جيمسون هما الاقرب الى الاعمال الروائية ذات الرموز الوطنية السياسية لاعتبارات تتعلق بمنظوريهما السياسي والعام اللذين يشرح من خلالهما المؤلف اشكالية الحياة في المجتمع التركي المعاصر ومع ذلك فإن هاتين الروايتين تنتميان فيما يتعلق بالشكل والتقنية السريعة الى رواية ما بعد الحداثة الغربية المنشأ، واذا كانت هذه هي احدى المرات التي يغامر فيها باموق بتوجهه نحو الرواية الغربية في تقنياتها فهي بلا شك مناورة في سياق الرواية التركية الحديثة. وموضوع رواية اورهان باموق الثانية: «القلعة البيضاء» سنة 1998 والتي ترجمت الى اللغة العربية ايضا يدور حول مشكلات الهوية والعلاقة ما بين الشرق والغرب وهي الثيمات الاكثر المشتمل عليها ادب ما بعد الحداثة في عناصره التي تمزج ما بين التاريخ والفلسفة والخيال والغموض والخرافة نراها لدى كتاب مثل «بورخيس» و«نابوكوف» و«دليليو» و«اثالو كالفينو» وربما غيرهم بالمقارنة بباموق. ويروي هذا العمل حكاية شهرزادية عن حياة عالم ايطالي شاب من القرن السابع عشر يخرج في رحلة بحرية من البندقية الى نابولي فيقع في قبضة القراصنة العثمانيين ويسوقونه الى اسطنبول ويبيعونه فيشتريه عالم تركي ويعامله معاملة حسنة خاصة بعد اكتشافه انه يمكن الاستفادة من خبرته وسعة اطلاعه وفي تلك الاثناء التي يشعر فيها الخوجا بنوع من الانسجام الروحي مع عبده الايطالي الذي يكشف له الكثير من اسرار التقدم التكنولوجي والعلمي الغربي من الطب الى الالعاب النارية حتى يطمح السيد في تقمص شخصية عبده الاوروبي وحتى تنتهي الحبكة الشهرزادية بأخرى يتحول فيها القاريء الى مستطلع لنمط الحياة الاجتماعية والسياسية في بلاط السلطان العثماني ويعرف المزيد من اسرار القصر وممارساته غير الحضارية خاصة عندما يتعلق الامر بمعاملة السلطان لسجينيه العالم التركي والشاب الغربي اللذين يسخرهما من اجل مصلحته ويحملهما على الاجتهاد في تصميم سلاح حربي يفشلان في صنعه رغم سعة اطلاعهما وعلمهما، والواقع ان هذه الرواية القصيرة تلخص في موضوعها ازمة العلمانية التركية التاريخية ومرحلة التجديد وتداعياتها الباعثة حتى على السخرية وان كانت من الطراز الغربي. من جهة يعطي اورهان باموق قارئه فرصة قراءة رواية حداثية «قصة بداخل الاخرى» ومن جهة اخرى فإن موهبة باموق ككاتب روائي ساخر ربما عبر عنها بشكل اكثر وضوحا في روايته المترجمة مؤخراً الى اللغة الانجليزية اسمي الاحمر التي يعمل من خلالها على ثلاث مستويات روائية كعمل فكري مثقف مليء بالاسئلة التي تطرحها مجموعة من الفنانين والشعراء الذين يلتقون في احد المقاهي في القرن السادس عشر ليحاكموا العصر يبدو شديد الاقناع في اثارته الجدل حول اشكالية الاحتراف الخلفي نحو الثقافة الجامدة الشرقية والغربية وحول تحقيق معادلة واقعية في الحياة السياسية والاجتماعية، وعلى المستوى الآخر وكرواية تعنى بحل جريمة خفية تطرح التساؤل حول هوية قاتل بطلها الفنان «اليجانت» الذي يقوم بتأجيره متعهد فني بناء على وصية السلطان العثماني له للاختفاء بنفسه باسلوب مبتكر يتمثل في رسم صورة مزينة بالاشكان الفنية الاوروبية، وتصل الحبكة الى ذروتها كعمل روائي بوليسي عندما يبدأ التحقيق في الجريمة الغامضة. وفي مستواها الثالث تظهر قصة باموق كعمل روائي رومانسي يشتمل على قصة حب تجمع بين «بلاك» و«شكور»