بيان الكتب: منذ أحداث 11 سبتمبر الدامية في الولايات المتحدة الأمريكية وما تلاها من حرب مدمرة ضد أفغانستان تشنها الولايات المتحدة وتحالفها الدولي حاليا، ثم الحرب الاعلامية الشرسة في الاعلام الغربي ضد العرب والمسلمين، والتي تهدف الى اجتثاثهم ، من الغرب بعد الصاق تهمة الارهاب بالاسلام.. منذ بداية هذه الأحداث ولا تتوانى ماكينات الطباعة عن انتاج كتب تتناول الظاهرة الارهابية وجذورها وأسبابها ومن هذه الكتب ما يحاول بموضوعية شديدة أن يفصل بين الاسلام والارهاب، ويميز بين العمل الفدائي المشروع الذي يهدف الى استرداد حق مغتصب، وبين الرؤية الغربية للارهاب التي تصر على منح الظاهرة جنسية عربية واسلامية. ولعل كتاب الدكتور هشام الحديدي الارهاب: بذوره، زمانه ومكانه وشخوصه أن يكون ضمن الكتب التي تسعى بدأب وموضوعية الى البحث عن جذور ظاهرة الارهاب بعيدا عن دوافع الاعلام الغربي المنحاز ضد العرب والمسلمين والذي يرفع أية شبهة عن دولة الارهاب الصهيونية في اسرائيل، وعن أجهزة التخابر الغربية وعلى رأسها المخابرات المركزية الأمريكية التي دأبت منذ نهاية الحرب الباردة، على صناعة عدو وهمي للغرب وتأجيج المشاعر ضده وشن الحرب عليه، وكان هذا العدو الوهمي هو الاسلام، ولعل المفكر والسياسي الأمريكي صامويل هنتنجتون في كتابه «صدام الحضارات» الذي صدر عام 1993 قد كشف كل الأقنعة وجسد هذه الدعوة السافرة للحرب ضد الاسلام كتعبير عن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في بحثها عن عدو بديل للاتحاد السوفييتي حتى ولو كان وهميا، بقصد ضمان استمرار الغرب ككتلة واحدة من خلال تعبئتها لمواجهة عدو آخر. وفي كتابه يصل هشام الحديدي الى هذا المعنى مؤكدا أن الولايات المتحدة كانت بحاجة ماسة لصناعة ودعم جماعات تحمل رؤية غير عقلانية وغير معاصرة وغير مستنيرة عن الاسلام، ثم دفعها الى هاوية الارهاب لتؤكد من خلالها أن الاسلام هو الارهاب، أو هو العدو الذي يريد تدمير الحضارة الغربية المعاصرة ومن ثم ينبغي على الغرب أن يؤجل تناقضاته الداخلية والتي قد تتفاقم وتؤدي الى تفكيكه، وعليه أن يتوحد ويتحول الى جبهة قوية ضد العدو المشترك الذي هو الاسلام. يبدأ الكاتب بالتأكيد على أن العنف في حد ذاته قيمة سلبية ومرض اجتماعي لابد أن يؤدي الى زهق الأرواح واراقة الدماء، كما أن استخدام العنف لفرض رأي أو موقف أصبح ظاهرة عالمية لا تقتصر على مجتمع من المجتمعات ولهذا فإن الكتاب ينصب بشكل أساسي على العنف الذي صار كالعدوى الوبائية التي تعصف بالعالم أجمع وتنتقل من مجتمع مريض الى آخر واهن مع التأكيد على المجتمع بذاته لابد أن يكون جاهزا بفقدان المناعة تجاه ميكروبات الارهاب ويضيف: وفي الشرق الأوسط يبدأ الارهاب الحديث يهوديا ضد الانجليز أولا الذين كانوا السبب المباشر في منح اليهود وطنا قوميا في فلسطين كي يعجلوا برحيلهم عن فلسطين حتى تخلو لهم. وثانيا ضد أصحاب الأرض الحقيقيين، كان ذلك في الأربعينيات على يد عصابات الشتيرن والارجون والهاجانا وغيرها حيث مارسوا جميعا ارهابا من النوع الثقيل، كان نصيب الانجليز منه تفجير مكاتبهم في فندق الملك داود في القدس عام 1946 فقتل 100 شخص، ثم تحول ارهابهم بعد اعلان دولة اسرائيل الى صدور الفلسطينيين علانية في دورات متصلة من العنف والذبح والتقتيل الجماعي، كان أبرزها مذبحة دير ياسين عام 1948 التي خلفت وراءها 250 قتيلا من بينهم الشيوخ والنساء والأطفال. أما في أمريكا فإن النار تشتعل تحت الرماد وتناقضات المجتمع العنيفة ـ رغم أنه مجتمع الوفرة ـ تؤكد أن بذور الارهاب قائمة، ففي ابريل عام 1995، انفجرت شاحنة أمام مبنى فيدرالي في أوكلاهوما سيتي مما اسفر عن مصرع 167 مواطنا وجرح أكثر من 500 آخرين. وقد ألقت المباحث الفيدرالية القبض على تيموثي مكفاي وتيري نيكولي بتهمة ارتكابهما لهذا التفجير وانضمامهما لجماعة الحركة القومية وهي واحدة من الجماعات المتطرفة التي أخذت على عاتقها مقاومة الفيدرالية والمؤسسات السياسية. وفي الثمانينيات ـ كما يقول المؤلف ـ توصلت المخابرات المركزية الأمريكية الى تعريف للارهاب اعتمدته الخارجية الأمريكية يقول هذا التعريف الارهاب هو التهديد باستعمال العنف أو استعماله لتحقيق أهداف سياسية، من قبل أفراد أو جماعات سواء كانوا يعملون لمصلحة سلطة حكومية رسمية أم ضدها. غير أن المؤلف يعلق على هذا التعريف قائلا إن التعاريف المتداولة للارهاب تظل عديمة الجدوى فالخطاب الاعلامي المسيطر مازال انتقائيا بامتياز، فقد نجح هذا الخطاب العنصري في التأثير على الرأي العام الغربي وقولبته واستغلاله، وأن عمليات الارهاب الصغيرة التي تقوم بها بعض الجماعات الأصولية لمصلحة جهات معادية للعرب وللمسلمين هي التي تستخدم للتغطية على عمليات الارهاب الرسمي الكبيرة ولعل أبرز المغالطات التي يواجهها العرب في تعاملهم مع الغرب، اصرار الجهات الرسمية فيه على خرافة استقلالية الاعلام الأوروبي والأمريكي فالتدخل في الاعلام وفي قولبة الرأي العام حقيقة ناصعة أكد عليها صامويل هنتنجتون صاحب أطروحة صدام الحضارات ومدير مركز الشئون الدولية التابع لجامعة هارفارد يقول قبيل انهيار الاتحاد السوفييتي: علينا أن نروج لفكرة التدخل، بحيث نخلق انطباعا مفاده أن الاتحاد السوفييتي هو الذي نقاتله، ذلك هو ما فعلته الولايات المتحدة منذ ترومان. ويفرد المؤلف فصلا خاصا عن جماعات المافيا والألوية الحمراء الايطالية كشكل من أشكال جماعات العنف الأوروبية التي مارست الارهاب وعملت على تصديره وتنطلق هذه الجماعات في البداية من فكر وعقيدة معارضة للنظم القائمة لكنها تعتمد العنف لتحقيق أهدافها السياسية، ثم تتحول الى جماعات عنف للعنف.. يقال ان سبب التسمية مافيا يعود الى البدايات الأولى حين شرع المافيوزو الأوائل يرهبون الناس بأعمالهم الاجرامية.. أحدهم اقترب بدراجته من سيدة وطفلتها، ومد ذراعيه فطوق الطفلة وخطفها فأسرعت الأم خلفه تهرول وتستغيث بالمارة صارخة ما..في مافي أي ابنتي.. ابنتي.. ومنذ ذلك الوقت صار هذا الاسم هو الشائع عن هذه العصابات ومعروف أن أحد أساليب المافيا في توسيع جماعتهم هو خطف الأطفال وتربيتهم بطريقة خاصة ليصبحوا أعضاء في المافيا.. أما جماعة الألوية الحمراء فكانت في البداية منظمة يسارية متطرفة تأسست على أيدي مجموعة من الطلبة الايطاليين عام 1969 في كلية علم الاجتماع الشهيرة في تورينو وفي عام 1976 وصل عدد أعضائها الى أكثر من 1500 عضو يساعدهم أكثر من 30 ألف متطرف، واعتمد التنظيم المواجهة اليومية مع السلطة فنفذت الألوية الحمراء عمليات اختطاف واغتيال وعمليات سطو على البنوك. أما الجيش الأحمر الياباني فيعود تأسيسه الى مطلع عام 1970 نتيجة انفصال بعض الفصائل عن رابطة الشيوعيين اليابانيين وكانت الاشارة الأولى الى تلك الحركة عام 1969 عقب الكشف عن مؤامرة اعدتها الرابطة الشيوعية لاغتيال رئيس الوزراء الياباني بواسطة عملية انتحارية يقوم بها 54 عنصرا وخلال ملاحقة الفارين في الجبال الوعرة شمال طوكيو عثرت الشرطة على 14 جثة تعود لأعضاء في الرابطة الشيوعية وهكذا بدأت أخبار الجيش الأحمر ترتبط بالكثير من أعمال العنف في كل أطراف المعمورة، خصوصا بين عامي 1972،1997 وكانت هناك عمليات فدائية شهيرة قام بها الجيش الأحمر أو نسبت اليه منها العملية التي قام بها في مطار اللد في اسرائيل عام 1972، والتي ذهب ضحيتها 32 اسرائيليا وجرح أكثر من 78 شخصا، حين وصل ثلاثة من المسافرين اليابانيين الى قاعة الوصول وأطلقوا النار على المسافرين. ويخصص المؤلف فصلا للجماعات اليهودية المتطرفة التي كانت ضالعة في أعمال ارهابية خطيرة ضد العرب والمسلمين وعلى رأس هذه الجماعات جماعة المزراحي وهي أقدم جماعة صهيونية تركز معتقداتها على فكرة أرض الميعاد وشعب الله المختار، ومن عباءة هذه الجماعة خرجت جماعات متطرفة كثيرة منها المفدال، وحركة تامي وموراثا وميماء. يقول المؤلف أن جماعة المزراحي تأسست تنظيميا في بولندا على يد الحاخام كسفي هيرش وحينما برز قائدها الحقيقي يعقوب رائيس شارك مع هرتزل في تأسيس الدولة أما المفدال أو القوميون اليهود فقد تأسست حينما كون الحاخام حاييم دروكمان حركة استيطانية من الشباب وتبلورت ككيان سياسي بين حربي 1967 و1973 وفكرتها الأساسية تقوم على الحفاظ على أرض الميعاد، والاسراع في إنشاء المستوطنات والتوسع فيها، ودعم دور الحاخامية داخل المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية واعتبار الخدمة العسكرية ليست مجرد واجب وطني بل هي التزام ديني وجماعة موراشا أو التراث الصهيوني - كما يقول المؤلف تأسست على يد الحاخام المتطرف حاييم دروكمان وتعتبر أكثر الجماعات اليهودية تطرفا وميلا الى العنف وعدم الاعتراف بالقوانين المعمول بها. أما جماعة أجودات يسرائيل فهي في الأصل منظمة عالمية تأسست عام 1912 كانشقاق على المزراحي وتدعو صراحة أن تكون اسرائيل لليهود المتطرفين أو أن يكون لهم الكلمة العليا في كل شئ ومنها الحاخام المتطرف أفراهام فرديجر الذي يذهب الى ابعد حد ممكن في تطرفه ضد كل ما هو ليس يهوديا وينادي بالتوسع في الاستيطان ويرفض معاهدة كامب ديفيد وينادي بالحرب مع مصر لاسترداد سيناء مرة أخرى ومن هذه الجماعة تخرج عتاة الارهاب الصهاينة مثل مرتكب حادث الاعتداء على المصلين في الحرم الابراهيمي كما شارك أعضاء هذه الجماعة في كل المحاولات المتكررة لحرق المسجد الأقصى. فتحي عامر