برز مصطلح «التطبيع» الى حيز الوجود في سياق عملية التسوية للصراع العربي الاسرائيلي، خصوصاً بعد زيارة الرئيس المصري السابق انور السادات الى اسرائيل في عام 1977 وما تلاها من توقيع اتفاقية «كامب ديفيد» والمعاهدة المصرية، الاسرائيلية. وقد نظّر للتطبيع العديد من الساسة الاسرائيليين، وحاولوا استثماره وتصويره كعملية تجري في اطار اقامة «العلاقات الطبيعية» بين اسرائيل ودول الجوار العربية. ويعالج الكتاب الذي بين يدينا موضوع التطبيع عبر دراسة تتناول مفهومه وتاريخه ومضمونه ومخاطره، مركزاً على اهداف عملية التطبيع وتأثيرها على الاقطار العربية، وعلى بناها الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية. ويشتمل الكتاب على مقدمة بقلم انيس صايغ وخمسة فصول، اضافة الى عدة ملاحق للنصوص وثائقية هي: اتفاقية سايكس ـ بيكو، ووعد بلفور، وقرار تقسيم فلسطين، واعتراف الامم المتحدة باسرائيل، والقرار 242، والقرار 338 والخطة الصهيونية للشرق الاوسط. واذا كان التطبيع يحمل مفهوماً معيناً في القانون الدولي، يفيد العودة الى الحالة الطبيعية بين الدول، او «بين طرفين اختلفا فانحرفت العلاقات بينهما مما يتوجب التطبيع، واعادة الامور الى حالتها السابقة الطبيعية العادية»، فإن التطبيع بالمفهوم الاسرائيلي، كما يشير الكاتب، «ينصرف الى اقامة علاقة مخالفة للطبيعة مع الدول العربية»، و«يتعدى حدود انهاء حالة الحرب واقامة علاقات سياسية الى احداث تحول نوعي في الفكر والذهنية العربية يغير بموجبه العرب نظرتهم السياسية والفكرية للكيان الصهيوني». وهذا يعني القبول باسرائيل كجزء اساسي في المنطقة، وشريك كامل في مختلف الفعاليات، ليحل حينئذ «الشرق الاوسط» محل الوطن العربي، ويسعى الساسة الاسرائيليون الى ان يصل التطبيع المستوى الشعبي كي يصبح حالة طبيعية بالفعل. ثم يتناول الكاتب مفهوم المطبّع، وآليات التطبيع السياسي والاقتصادي والزراعي والثقافي والعلمي، مركزاً على الجانب الثقافي من خلال ما جرى من لقاءات ومؤتمرات عقدت في سياق التطبيع الثقافي، ثم ينتقل الى ابراز مخاطر التطبيع الثقافي على الثقافة والهوية العربية. وفي اطار سعيه لتحديد التطبيع وفق الرؤية الامريكية يعرض الكتاب لتوجهات السياسة الامريكية منذ قيام الكيان الصهيوني، قد سعت هذه السياسة الى حماية امن الكيان واستقراره، والى انتزاع اعتراف عربي رسمي بوجوده، ودخلت مسألة التطبيع في الرؤية الاستراتيجية الامريكية للدفاع عن المصالح الامريكية وعن وجود اسرائيل في الوطن العربي، ومولت امريكا البرامج الاقليمية الخاصة بالتطبيع وشجعت مراكز الابحاث المهتمة بهذا الشأن، ودعمت قرارات واتفاقيات التسوية. ويعرض الكتاب قضية التطبيع في اتفاقيات التسوية التي رعتها امريكا، بدءاً من اتفاقيات «كامب ديفيد» واتفاق 17 مايو وصولاً الى معاهدة وادي عربة واتفاقات اوسلو، ثم يتناول قضية تمويل التطبيع الثقافي من خلال نشاط بعض الجمعيات غير الحكومية، مشككاً بالاستقلالية التي تدعيها، وفي نزاهة نشاطاتها وتوجهاتها. ولمواجهة ومقاومة التطبيع يستقرأ الكاتب رؤية نظرية وميدانية للمقاومة الشعبية للتطبيع في بعض البلدان العربية. اذن، يقدم الكتاب في مجمله دراسة في فهم وتناول مسألة التطبيع، وهي دراسة جادة استفاد فيها الكاتب من كتابات كتاب وباحثين كثر في هذا المجال. لكن حساسية مسألة التطبيع في الشأن العربي تستلزم الدقة والموضوعية العلمية بعيداً عن المشاعر العاطفية والقول الايديولوجي. عمر كوش