بيان الكتب: يتجه الدكتور محمد البحتري في هذا الكتاب المعدّ أساسا كأطروحة لنيل شهادة الدكتوراه من كلية التربية بجامعة دمشق، إلى دراسة الجوانب التربوية المشرقة في تراثنا الأدبي، استمدها من سير الأدباء ومواقفهم وآرائهم التي تضمنها كتاب ياقوت الحموي المشهور «معجم الأدباء»، والذي ترجم من خلاله لألف وسبعين أديبا غطت فترة زمنية وصلت إلى ستة قرون، وشملت جغرافية العالم العربي والإسلامي، حيث ضمن ياقوت كتابه أسماء الشيوخ والطلاب ومراحل الدراسة والرحلات والأساليب والوسائل التي استخدمها هؤلاء في طلب العلم ونشره. وقد وضح الباحث في بدايات بحثه ان العلاقة التي تربط بين الأدب والتربية، هي علاقة اتفاق وتشابه من حيث الأهداف والمبادئ والمفاهيم والاتجاهات، حيث ان الأدباء كانوا فلاسفة ومربين يتطلعون لتأكيد القيم والأخلاق التي حفلت بها دار الاسلام في بواكير نهضتها، فمن جهة وجهت الفلسفة نظم الحياة، وأثرت في سيرها، فأدى ذلك لان يسهم هذا التوجه في تكوين الاتجاهات التربوية والعلمية والسياسية وسواها من النشاط الانساني المتعدد الجوانب، الأمر الذي تطور فيما بعد لتظهر جملة من الفلسفات المؤسسة للمجتمع المدني الذاهب الى الاستقرار الثقافي والاقتصادي. ومن جهة أخرى، فان التربية بجملة مساعيها الهادفة الى بناء الشخصية الانسانية القادرة على تخطي الصعاب واستشفاف رؤية مستقبلية واضحة، كانت من أولى المهام التي سعت اليها هذه المجتمعات المتحضرة، لبناء أسس نهضتها وتقدمها. ولما كانت عملية بناء الإنسان، هي الغاية الأولى والأخيرة من العملية التربوية، فان الباحث سوف يوجه أنظار قارئه نحو المنابع الأولى التي شرعت لهذه الغاية النبيلة، أولا وهي: القرآن الكريم، والسنة النبوية، والثقافة الاسلامية التي استمدت قيمها الانسانية منهما، كقيم المساواة بين البشر والتفاضل بينهم بالتقوى والايمان والتحلي بمكارم الاخلاق، والى ذلك فان المعلمين والمربين على مختلف مستوياتهم، سيكونون «هم حملة رسالة العقل والدين، ومبشرو الدعوة الى الحقيقة والجمال والخير، وهم صانعو الاتصال والتقدم، وعملهم المسلكي لا يقتصر على نقل المعرفة بالتعليم، وانما يتجاوزه خاصة الى تكوين الشخص بالتربية، وبالاسهام في غرس كل ما يؤدي الى التعاضد الانساني والى التقدم الاجتماعي والتاريخي». ولما كان دور المعلم يتأسس بكل هذه القيم والمعاني النبيلة، فان معجم الأدباء قد أورد كثيرا من التفاصيل عما ينبغي ويشترط في المعلم أن يكونه، سواء من حيث المظهر الخارجي، أو من خلال السمات الخلقية والفكرية التي يتميز بها، وهو ما نسميه في مصطلحنا اليوم بالكفايات الشخصية التي تتطلب الى جانب ما ذكرناه اللباقة والكياسة والفطنة، أما في جانب الكفايات العلمية، فقد أوضح الباحث ان المجتمع العربي الاسلامي أولى ثقافة المعلم أهمية عظيمة، حيث كان اختيار المعلم يتم بناء على توافر الكفايات العلمية فيه من حيث التخصص وسلامة اللغة. ولما كانت العملية التعليمية ترتكز أولا وأخيرا على الطالب، فان الباحث سوف يتقصى ما ورد في معجم الادباء عنهم سواء من حيث المصطلح (طالب) أو ألقابهم ودرجاتهم: التلميذ، الطالب، الصاحب، المتفقه، المتأمل، المقتبس، المبتدئ، ويقول: «ان هذه الالفاظ تحمل دلالات خاصة تؤخذ من طبيعة المادة التي يتعلمها الطالب، كاطلاقهم لقب المتفقه على طالب الفقه، ولقب الصاحب على طول الصحبة» كما حرص الباحث على ذكر آداب المتعلم التي وردت في كتاب ياقوت، والتي تشكل أساسا واضحا لسلوكه، وتحدد صلته بنفسه وبمعلميه وبزملائه، هذا بالاضافة الى جهده في تحصيل العلم، سواء بالأخذ عن شيخ واحد أو عن جملة من الشيوخ، وهو الى ذلك سيوضح ان المتعلم غالبا ما يبدأ الدراسة في سن مبكرة، ليستمر في كثير من الاحيان الى نهاية العمر، والطالب الخبير يدرك مكانة هذا المعلم أو منزلة ذاك، فيختلف الى الأكفأ دون غيره. ولما كانت العملية التربوية لا تكتمل إلا بطرائق ايصال المعلومة بالشكل الأمثل للطالب، فان الباحث سيؤكد أهمية الوسائل التعليمية التي كانت شائعة في ذلك الزمان، إيمانا من المعلمين بأن التعليم النظري يبقى قاصرا عن تحقيق الأهداف المرجوة، ففضلوا التدريب العملي على الكلام النظري، وهو الى ذلك سيذكر العديد من هذه الوسائل، وسيبين أثرها الايجابي في مسيرة المتعلم في مختلف المدارس التي انتشرت في بقاع العالم الاسلامي المختلفة، سيما وان هذه المدارس كانت تشبه الى حد ما المدارس الثانوية والعالية في عصرنا الحاضر، حيث كان التعليم مجانيا لمختلف أبناء الشعب، ويرى الباحث ان هذه المدارس النظامية لعبت دورا تربويا كبيرا، فقد نشرت العلم ويسرته لطالبيه، كما انها قامت بتأمين الرعاية الاجتماعية الشاملة لطلابها، ولا سيما أولئك الذين كانوا يجدون العنت في سبيل تحصيل العلم والاشتغال به. والى جانب المدارس سيتطرق الباحث الى صنعة الوراقة ودكاكين الوراقين (دور النشر)، التي أخذت تظهر بدءا من القرن الثاني للهجرة مع عصر التدوين، لتنتشر بعد ذلك انتشارا كبيرا، فأسهمت في نشر الثقافة العامة والمتخصصة، حيث كان العلماء وطلاب العلم يختلفون الى هذه الدكاكين، ليس الى اقتناء الكتب فحسب، وانما لتدارسها واجراء الحوارات مع روادها، وكأنها معرض دائم للكتب كما يجري في أيامنا هذه. ومع دور النشر هذه سوف تنتشر المكتبات العامة والخاصة، ولعل دار الحكمة في بغداد كانت النموذج الأمثل لهذه الحضارة الجديدة، فيما اذا استحضرنا نموذج مكتبة الاسكندرية الاغريقي قبل الاسلام، ومما لا شك فيه ان هذه المكتبات أدت خدمات تربوية جليلة لرواد العلم ومحبي القراءة واكتساب المعرفة، وذلك لان مهمتها لم تقتصر على اقتناء الكتب، وانما كانت عبارة عن مؤسسات تعليمية، تنفق عليها الحكومات أو الأمراء والأثرياء لأجل نشر العلم بين الناس. وقياسا على هذا الماضي الزاهر، فان الباحث سيسعى عبر فصول الكتاب المختلفة الى تأكيد وجهة نظره حول التربية وأثرها في الأجيال، وان أمة تمتلك هذا التراث الغني لا ينبغي لها أن تجري قطيعة معه، لانه تراث حي وانساني في قيمه وفضائله، وفي مناهجه ومواقفه، وفيما اذا أجرينا مقارنة بين قيمه والقيم المعاصرة، لن نجد تعارضا يدعو الى القطيعة التي نادى بها البعض، وذلك لان التراث هو أساس ثقافي ومعرفي، وصيرورة دافعة لقبول الآخر والانفتاح عليه والاستفادة من مناهجه، تماما كما فعل الأوائل لدى توجههم الى ترجمة تراثات اليونان والهند وغيرها من الحضارات، ونعتقد ان مثل هذا التوجه الانفتاحي نحو الآخر من قبل الباحثين والمعاصرين من أبناء العربية، هو المطلوب الآن، لان الخصوصية لا تعني الانغلاق على الذات والتقوقع، وانما ما تعنيه بالدرجة الأولى هو امكانية تجاوز ما هو كائن معرفيا وثقافيا، الى مرحلة أرقى نوعا وكمّاً، وذلك لن يتحقق برأي الباحث في اتخاذ أحد السبيلين منهجا، وانما سيدعو قارئه الى استكشاف فضائل هذا التراث المشرق وانجازاته، ودراستها بروح العقل الناقد، وبمنهجية علمية موضوعية، ومن ثم ربط كل ذلك بالمفاهيم والقيم التربوية المعاصرة، وعندها لن تتشكل لدينا عقد الاغتراب التي انتابت بعض مفكري الامس، كما انها في الوقت نفسه، ستبعد الباحثين الجدد عن الانغلاق على النفس، سيما وان المعرفة هي انسانية الطابع، ولا تتناقض أبدا مع الخبرات والتجارب العلمية التي أنجزت من قبل الآخرين، وسيستشهد الباحث بنماذج خيرة من مفكري نهضتنا العربية المتنورين مثل: الافغاني ومحمد عبده والكواكبي والطهطاوي ورشيد رضا، الذين تميزوا بأفق اجتماعي وعقلي واضحين، تصدوا من خلاله للمتعصبين للقديم، وانحازوا الى حرية الانسان، وفي الوقت نفسه استمدوا مواقفهم من الينابيع الأولى، وذلك ما أكدته مواقف المفكرين اللاحقة، الذين اجمعوا على استلهام التراث بمنهجية جديدة، تأخذ منه ما يبني الذات، وما يشكل أساسا وركيزة للانفتاح على علوم وثقافة الآخرين، بما يمكننا من تحقيق الآمال المنشودة في النهضة والتقدم. إنه مرجع مهم للباحثين في أصول الاجتماع التربوي والتربية عموما. عزت عمر