بيان الكتب: تعتبر منطقة الشرق الأوسط واحدة من أهم المناطق المؤثرة في توازن القوى والمصالح في العالم، فموقعها الاستراتيجي الفريد جعلها محكومة بقانون التداخل والتعارض بين الأضداد كما أن توسط موقعها بين قارات العالم القديم أوروبا وآسيا وأفريقيا ، وتماسكها جغرافيا وتحكمها في أهم الممرات الدولية مثل قناة السويس ومضيق باب المندب ومضيق هرمز، ومضيق جبل طارق والبوسفور والدردنيل واحتضانها حوض البحر الأحمر وإشرافها على جنوب وشرق البحر المتوسط وبحر العرب وإطلالها على المحيط الاطلسي والمحيط الهندي قد جعل منها منطقة ذات أهمية قصوى في العلاقات الدولية وتأثير كبير في تضارب المصالح العالمية. ويشكل الوطن العربي الجزء الأكبر والأهم من الناحية الجيوستراتيجية والجيوبو ليتكية ، فمساحة الوطن العربي التي تصل إلى أكثر من 14 مليون كيلو متر مربع تحتضن كل البحر الأحمر وتشرف على سواحل البحر المتوسط وبحر العرب والمحيط الاطلسي وتسيطر على قناة السويس ومضيق باب المندب ومضيق هرمز ويوجد فيه أكبر مخزون عالمي من النفط والغاز ومواد خام أخرى ذات أهمية بالغة للصناعات الغربية ويسكن الوطن العربي أكثر من 260 مليون نسمة الأمر الذي يبرز الأهمية الجغرافية والديمقراطية والاقتصادية التي تميز الوطن العربي عن بقية دول منطقة الشرق الأوسط ونظرة لأهمية المنطقة حاول الدكتور محمد علي حوات في كتابه مفهوم الشرق أوسطية وتأثيرها على الأمن القومي العربي الوقوف على المنظمات والمعطيات التي جعلت من منطقة الشرق الأوسط واحد من مناطق العالم المهمة التي تضرب بتأثيراتها في أرجاء العالم المختلفة وطبقا للكتاب فإن مصطلح الشرق الأوسط يعود إلى منتصف القرن 19 عندما استخدمه المكتب البريطاني في الهند ، وأصبح شائعا بعد أن تبناه المؤرخ الاستراتيجي الفريد ماهان صاحب نظرية البحرية في التاريخ 1902م بعد اكتشاف البرتغاليين المنطقة بحوالي أربعة قرون أثناء عبورهم إلى منطقة شرق آسيا الشرق الأقصى بينما أطلقوا على البلاد الواقعة في شرق البحر المتوسط أو في شرق أوروبا مسمى الشرق الأدنى. وفي الخمسينيات والستينيات كان مفهوم الشرق الأوسط قد ظهر في شكل دينامية التحالفات بعد ظهور الإتحاد السوفييتي كقوة عظمى شكلت أحد القطبين ، وبعد اندلاع حركة التحرر في الوطن العربي ورفع شعار الوحدة وتبنى ثورة يوليو 1952للفكر القومي العربي في محاولة لبناء نظام عربي موحد ومتماسك وكل هذه المعطيات لا تروق للولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت تظهر في المنطقة كقوة رئيسية بديلة للقوتين الاستعماريتين الأوروبيتين فرنسا وبريطانيا فدفعت ببريطانيا إلى إنشاء حلف بغداد ثم الحلف المركزي وغيرها من الاحلاف والمؤامرات التي كرست لحماية إسرائيل ولمواجهة الاتحاد السوفييتي والتي تمكنت الجماهير العربية بقيادة عبد الناصر من إفشالها بالكامل ، بما فيها العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م. ومنذ منتصف الثمانينيات بدأت ملامح النظام العالمي الجديد تلوح في الأفق في ضوء المتغيرات السريعة والمفاجئة في الاتحاد السوفييتي التي انتهت بانهيار وتفكك جمهورياته التي أدت إلى تأبين المنظومة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة التي انهت نظام التوازن الدولي لتفسح المجال لبروز نظام عالمي جديد أحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة التي سارعت إلى وضع ترتيبات قيادتها الجديدة للعالم ، فدفعت بأطراف عربية في منطقة الخليج العربي ذات الأهمية الخاصة في الاستراتيجية الأمريكية إلى خلق مشكلات قادت إلى كارثة حرب عاصفة الصحراء التي حققت من خلالها الولايات المتحدة أهدافها ابتداء من السيطرة على منابع النفط والتحكم في تصديره ، إضافة إلى تحقيق أهداف الكيان الصهيوني بتدمير الجيش العراقي الذي كان يشكل مع شقيقيه المصري والسوري نوعا من التوازن في ميزان القوى العسكرية في المنطقة. وانطلاقا من معطيات هذه الاستراتيجية ظهر مفهوم السوق الشرق أوسطية الجديد بعد مؤتمر مدريد والمفاوضات متعددة الأطراف. ويقول المؤلف أن الطرح الإقليمي الشرق أوسطي قد بدء التحضير له بالدراسات والإشارات بعد حرب أكتوبر 1973 وأثناء الزيارات المكوكية لوزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر وذلك عندما عهدت وكالة التنمية الدولية الأمريكية إلى ثماني عشرة مؤسسة ووكالة علمية وخاصة تعمل في مجالات مختلفة بإجراء دراسات وأبحاث هدفها التوصل إلى تحديد دقيق لإمكانيات التعاون في الشرق الأوسط ومجالاته. وقبل توقيع المعاهدة المصرية الإسرائيلية بنحو شهر صدر تقرير لوكالة التنمية الدولية الأمريكية عن التعاون الإقليمي في الشرق الأوسط المكون من تسعة فصول وقدم إلى الكونجرس لمناقشته وإقراره في أوائل الثمانينيات ليكون هاديا ومرشدا للحكومة الأمريكية والهيئات الأخرى العاملة في مجال تطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل أولا. وقد أكد هذا التقرير الوثيقة الذي شارك في إعداده ثماني وزارات وعشرة مراكز بحوث وعلى رأسها الأكاديمية الأمريكية للعلوم على ضرورة بناء تعاون إقليمي في الشرق الأوسط كبديل عن التعاون الإقليمي المبني على أساس قومي سياسي. وقد اهتم التقرير بالبعد الجغرافي حين أكد على قيام بنية إقليمية تضم دول المشرق العربي بجانب إسرائيل وإيران في عهد الشاه وتركيا تدخل في مجال واسع من التعاون الاقتصادي الاقليمي عبر مراحل ثلاث قصيرة متوسطة طويلة تتلخص في الآتي: التعاون في مجالات علمية وتكنولوجية في المرحلة القصيرة مع شق الطرق الإقليمية وإقامة محطات الاتصال وبحث بدائل للطاقة وفي مجال السياحة والطب. تطوير مصادر المياه في المرحلة المتوسطة المدى من خلال مشروعات مختلفة مثل البحر الميت ، خليج العقبة ، نهر الأردن الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط وشبه جزيرة سيناء. أما في المرحلة طويلة الأجل فيتم تجاوز البنية الأساسية المتعارضة والمشكلات التي تعرقل العلاقات مثل الصراع العربي الإسرائيلي ، من خلال تنمية البنية الاقتصادية وفتح الأسواق المحلية. مشروع هارفارد وآفاقه الشرق أوسطية: من أهم الأنشطة التي تميزت بها جامعة هارفارد الأمريكية هو ما قام به معهد الشرق الأوسط التابع لها من إعداد برنامج عملي يهدف إلى الوفاق في الشرق الأوسط بدأه عام 1977 حين تبينت مجموعة من الأساتذة الجامعيين في الولايات الشرقية والشمالية حيث يتعاظم نفوذ الصهيونية الأمريكية فكرة البدء ببرنامج خاص يهدف إلى تسهيل الإتصالات بين الباحثين والأكادميين في منطقة الشرق الأوسط والتي أثمرت عقد مؤتمر لباحثين مصريين وإسرائيليين وفلسطينيين ولبنانيين وأردنيين تحت إشراف أمريكي عام 1983 وقد خرج هذا المؤتمر بمجموعة دراسات صدرت في كتاب تحت عنوان اقتصاديات السلام ويطرح مشروع هارفارد خطة هائلة لإنشاء سوق مشتركة في الشرق الأوسط تتضمن حرية الإنتقال للأشخاص ورؤوس الأموال والبضائع وتروج لمجال الاقتصادي وفوائد السلام. عندما جرت الدول العربية إلى مؤتمر مدريد وهي في حالة من الاعياء والذهول والتفكك بعد هزيمة النظام العربي في حرب الخليج الثانية مما جعله فريسة سهلة الاصطياد في أوسلو ووادي عربة بعد أن غيب دور الجامعة العربية وسادت الشكوك بين الوفود المفاوضة ولم يعد هناك من يقوم بضبط تلك الهرولة التي شجعت دوائر الاستخبارات الأمريكية والصهيونية بالتعاون مع المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس والخاضع كليا للسيطرة الأمريكية على الاعداد للمؤتمرات الاقتصادية الشرق أوسطية التي بدأ انعقادها الأول في الدار البيضاء في أكتوبر 1994 والثاني في عمان في أكتوبر 1995م والثالث في القاهرة بعد تردد في الفترة من 12 - 14 نوفمبر 1996 والذي بدأت فيه المؤامرة الصهيونية الأمريكية تتضح بجلاء بعد ظهور مصطلح السلام ودعوة كروستوفر إلى اعطاء الدور الرئيسي لرجال الأعمال وفصل المسار الاقتصادي عن المسار السياسي. المشروعات الأوروبية الشرق أوسطية ارتبطت المشاريع الأوروبية منذ حملة نابليون بموضوع التخلص من يهود أوروبا وهجرتهم إلى فلسطين ليكونوا قاعدة تمكن أوروبا من السيطرة على ممتلكات الدولة العثمانية. ففي عام 1860 أصدرت فرنسا نشرة المسألة الشرقية أبرزت فيها المكاسب الاقتصادية التي ستعود على أوروبا إذا استقر اليهود في فلسطين وتم تأسيس الإتحاد الإسرائيلي العالمي في نفس العام في فرنسا. وفي بريطانيا رأت الحكومة برئاسة دزرائيلي أن هجرة اليهود إلى فلسطين ستتيح فرصة إخراج محمد علي من بلاد الشام وتشجع على إنشاء المستعمرات الاستيطانية التي ستشكل عازلا يمنع لقاء مصر وسوريا في الزاوية الاستراتيجية الحاكمة. وفي عام 1917 أعطت بريطانيا الصهيونية وعد بلفور ، وفرضت الانتداب على فلسطين لتمرير مؤامراتها ومشروعها الاستيطاني عن طريق استصدار قرار من عصبة الأمم في عام 1992 والذي منحها حق الانتداب الكامل على فلسطين وبعد الحرب العالمية الثانية وتغير الموازين أصبحت بريطانيا وكيلة للسياسة الأمريكية الشرق أوسطية ، فحاولت إنشاء منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط بإيعاز أمريكي وفشلت في إنجاحه ودعت إلى تكوين حلف بغداد ثم الحلف المركزي وفي أكتوبر 1956 حدث العدوان الثلاثي على مصر ،وأفشله التلاحم الأسطوري بين عبد الناصر والشعب العربي كله وبعد حرب أكتوبر 1973 فرضت المعطيات الجديدة على أوروبا تغيير بعض مواقفها من الصراع العربي الإسرائيلي وإزاء العلاقات العربية الأوروبية بعد قرار وزراء البترول العرب في 17/10/1973 القاضي بفرض الحصار النفطي. لذا أصدرت أوروبا بياناً في بروكسل 6/11/1973يدعو إلى تطبيق قرار مجلس الأمن 242، لعام 1967 وقرار مجلس الأمن 338 لعام 1973 وأكدت على رفض مبدأ احتلال الأرض بالقوة. وفي 1975 اقر اجتماع دبلن لمجموعة الدول الأوروبية ضرورة العودة إلى إحياء الحوار ونقله إلى التفاعل وفي 11/5/1975 تم عقد اتفاق تجاري أوروبي إسرائيلي وفي يونيو عام 1980 أصدرت القمة الأوروبية المنعقدة في البندقية بياناً مثل نقلة في العلاقات العربية الأوروبية حين أقرت أوروبا بأن المشكلة الفلسطينية ليست مشكلة لاجئين ودعت إلى حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. لكن بيان دبلن في عام 1984 مثل تراجعا أوروبيا كبيرا تجاه الصراع حيث أكتفى البيان بالدعوة إلى إجراء مفاوضات مباشرة بين الأطراف المعنية وإلى الاعتراف المتبادل بحق كلا منهما في الوجود وفي نوفمبر 1995 م عقد مؤتمر برشلونة الخاص بإقامة التعاون الاقتصادي مع دول الجنوب المتوسطي وإقامة هياكل شاملة تتضمن الأبعاد الامنية والسياسية والاجتماعية. المشروعات الإسرائيلية الشرق أوسطية ظهر المشروع الصهيوني في سباق المشاريع الاستعمارية في الوطن العربي وتبلورت ملامحه الذاتية الوظيفية في إطار السياسات الإمبريالية في المنطقة العربية هذا من ناحية والتخلص من عبء اليهودية الثقيل على أوروبا من ناحية أخرى ومن المعروف أن أول مجموعة صهيونية مهاجرة إلى فلسطين عام 1882م قادمة من خاركوف حيث كان يتولى مساعدتهم القنصل البريطاني في حيفا ، وتوالت الهجرات بعد انعقاد مؤتمر بازل عام 1897م كما توالى معه الاستيطان لدرجة أن حجم الاستيطان زاد بمقدار نصف مليون مستوطن عام 2000 بعد اتفاقية أوسلو بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وفي مواجهة كل تلك الأخطار والمخاطر يدعو المؤلف إلى لم الشمل العربي وبناء منظمات ومؤسسات المجتمع المدني العربي على أسس ديمقراطية ، بحيث تصبح سندا للدولة وجسر تواصل بين الأنظمة والشعوب العربية ولابد من العمل على وضع استراتيجية حادة للأمن القومي وإحياء معاهدة الدفاع العربي المشترك ومشروع الهيئة العربية للتصنيع العسكري والإدراك الكامل لطبيعة الصراع العربي الصهيوني حتى تعرف الأنظمة الفرق بين التسويات والهدف والسلام وإمكاناته. أمين اسكندر