لعب العلم دورا كبيرا في بداية العصر الحديث في انتشال أوروبا من براثن تخلف العصور الوسطى المعروفة باسم عصور الظلام، وترتب على هذا الانتشال قيادة أوروبا للعالم، وغزوه عسكريا وثقافيا، واذا كان العالم الغربي فقد سيطرته على شعوب العالم بعتاده الحربي غير التقليدي، فإن الأخطر هو فرض ثقافته ، وعاداته وتقاليده على ثقافات وعادات وتقاليد شعوب العالم قاطبة، سواء شعوب العالم ذات الحضارات القديمة العريقة كالحضارة المصرية، أو حضارة ما بين النهرين، أو حضارة الصين، أو حضارة الهند، أو شعوب العالم الاسلامي الذين خلفوا وراءهم حضارة كان لها تأثيرها الكبير في الحضارة الغربية ذاتها ويشمل كتاب العلم في مجتمع حر لمؤلفه باول فيرآبند على نقد كبير للحضارة الغربية على موقفها من الثقافات الأخرى، وذلك من منظور العلم، والمعروف عن باول فيرآبند 1924ـ 1994 أنه واحد من الذين وجهوا انتقادات لاذعة للحضارة الغربية على موقفها من الثقافات الأخرى، وكان قد شغل كرسي الفلسفة في جامعة كاليفورنيا بأمريكا عام 1958 واسند اليه انجاز سياسة التعليم بكاليفورنيا، وكان الطلاب الملونون قد سمح لهم بدخول الجامعة، وكان لذلك أثر كبير في أفكاره المعارضة لهيمنة ثقافة الرجل الأبيض على ثقافة الشعوب الأخرى وفي الستينيات أصبح فيرآبند، وبطريقة لم يكن في الامكان تجنبها، مقبوضا عليه في حركة احتجاج ببيركلي، وأضحى متهما بما يسمى المجتمع البديل، وبأفكار ومثل الثقافات والأجناس اللاأوروبية التي تعبر عن امكانيات الوجود الانساني. ينقسم كتاب العلم في مجتمع حر الى جزءين، الأول عن العقل والممارسة، والثاني عن العلم في مجتمع حر، ويشير الجزء الأول الى أن العقلانية هي تقليد أو تراث ضمن العديد من التقاليد الأخرى، أكثر من كونها معيار يتوجب على التقاليد الأخرى أن تعمل وفقا له، ويطرح المؤلف مشكلة العلاقة بين العقل والممارسة في العلم، في مذهبين هما، المثالي، والطبيعي، ويقول عن مشكلة العلاقة طبقا للمذهب المثالي، ان الممارسة هي مادة عقل لكونها مصاغة من قبل عقل، وقد تحتوي الممارسة على عناصر العقل، وإنما بصورة عرضية وغير نسقية، فهي تطبيق واع، ونسق للعقل مركبة بصورة جزئية وغير منظمة الى حد ما تمنحنا علما وتقدير مجتمع نحيا فيه، وتاريخا يمكن أن يفخر بذاته، لأن الذي سطره رجالات بذلوا كل ما في وسعهم، أما المذهب الطبيعي، فيفترض أن التاريخ والقانون والعلم قد بلغوا قبل الآن حدا من الكمال على أفضل ما يكون، وأن الناس لا يؤدون مهمة ما دون تفكير، وإنما يحاولون دائما أن يعللوا قدر امكانهم، فالنتائج تكون ناقصة جزئيا بسبب شروط غير مواتية، ولأن الأفكار الجديدة لا تبلغ درجة النجاح قبل أن يتم تنفيذها، حيث أن محاولة اعادة تنظيم العلم أو المجتمع ببعض النظريات العقلانية الجلية في العقل، سوف تؤدي الى اختلال الميزان المرهف للفكر والعاطفة والتخيل والشروط التاريخية التي تطبق عليها. وبعد أن يسجل المؤلف اضرار المذهبين في تعاملهما مع العلم، أو تعامل العلم معهما، يقول انه يمكن ازالة تلك الأضرار بضم المذهب الطبيعي والمذهب المثالي معا والتسليم بالتأثير المتبادل للعقل والممارسة. يطرح المؤلف في الجزء الثاني من كتابه، فكرة مجتمع حر، ويتحدد فيه دور العلم والمثقفين ويقول ان المجتمع الحر هو المجتمع الذي تنال فيه كل التقاليد حقوقا متساوية ونموا متساويا لمراكز القوة، ويختلف هذا عن التحديد المعتاد الذي ينال الأفراد طبقا له حقوقا متساوية للوصول الى مواقع سبق تحديدها بتقليد معين، تقليد العلم والعقلانية الغربية