«بغداد في الايام الخوالي» كتاب جمعته مؤلفته كونستانس. م. الكسندر احدى قريبات الرحالة البريطاني كلوديوس ريج، من يوميات ومراسلات هذا الرحالة والفنان اللغوي وجامع العاديات الاثرية والمقيم البريطاني في بغداد من عام 1808 وحتى 1821 ميلادية.. أي انه شاهد عهود كل من سليمان باشا وسعيد باشا وداوود باشا.. وزار اطلال بابل وكردستان ونينوى واسطنبول ومن اسطنبول زار بعض الدول الاوروبية والفارسية واطلال اصطخر «برسوبوليس» وغيرها.. وعندما غادر بغداد عام 1821م متوجهاً الى بومبي زار مدينة شيراز حيث مات متأثراً بمرض الهيضة عام 1822م. ويذكر مترجم الكتاب سعيد احمد الحكيم ان الانسة كونستانس لم تكن امينة تماما في كتابها حيث لم تذكر وربما بسبب قرابتها لريج، السبب الحقيقي لوجوده في بغداد وارتياده لمواقف الآثار داخل العراق وخارجها حيث كانت له انشطة سياسية واركيولوجية وكان يدفع له مبالغ من حكومته نظير بعض الخدمات. كما يذكر سعيد احمد الحكيم ايضاً ان هذا الكتاب تكمن اهميته في كونه عرضاً سياسياً مثيراً لحقبة زمنية مر بها العراق ودراسة آثارية لمواقع شهيرة عرف بها البلد عالمياً كونه حضارة امتدت آلاف السنين، ناهيك عن انه عرض تاريخي لصراع القوى في هذا الجزء من العالم او استعراض لبعض الصور الفلكلورية. اما مقدمة المؤلفة فتذكر فيها ان كلوديوس ريج خال امها الاكبر، كان دوماً مثار اعجاب عائلته بسبب ثراء شخصيته وتجاربه التي تشبه الحواديت الاسطورية، كما تشير الى زوجته ماري التي كانت تحكي لهم «اطفال العائلة» مغامرات ريج والتي كان يدلل على صدق كلامها ما تركه من آثار تشمل ملابسه وعلبة سعوطه وغيرها.. وقد كتبت هذه الزوجة بعد وفاته بخمسة عشر عاما كتابا عنه وان لم تكتب عليه اسمها وهو «حديث الاقامة في كردستان وفي نينوى القديمة».. كما تذكر كونستانس في المقدمة كل من ساعدوها في جمع معلومات هذا الكتاب وتتوجه لهم بالشكر. في الفصل الاول الطفولة والشباب تذكر الكاتبة تفاصيل ميلاد كلوديوس جيز ريج الذي ولد عام 1786 ميلادية وكان ابنا للكولونيل جيمز كوكبرن، اما والدته فصعب الحصول على اسمها لكنها تنتمي لعائلة مارثا ريج التي حمل كلوديوس اسمها.. وبعد تقديم عاجل لسيرة والد كلوديوس ريج بدأت المؤلفة في استعراض شغفه منذ طفولته بتاريخ الشرق والعرب والفرس وكيف انه تعلم اللغة العربية وشغف بها، بالاضافة الى عدد من اللغات الاخرى حث كان مهتماً بدراسة اللغات الاجنبية، كما انه درس الرياضيات وتعمق فيها وكانت احدى هواياته المفضلة «القذائف والمدافع». كما كان ريج تلميذاً لمارشمان احد رواد بعثة التبشير المعمدانية في جنوب الهند، حيث اجتاحت انجلترا في ذلك الوقت موجة عارمة من المسيحية المتطرفة، وذلك لمواجهة التيارات الاشتراكية واللادينية في فرنسا، وبذلك اصبح ريج مسانداً قوياً للبعثات التبشيرية وقدم لها الدعم بشكل ثابت خلال حياته القصيرة، في الشرق واضعاً بذلك المعتقدات المسيحية في مواجهة المعتقدات الاسلامية. وفي بريستول قدمه مارشمان لعدد من الآباء والادباء ولكنه لن ينخرط تماما في عالم الكبار هذا، حيث كانت له حياته كشاب ولم ينشأ متزمتاً. وعندما بلغ ريج عامه السابع عشر منح مقعداً دراسيا كطالب حربي متدرب في شركة الهند الشرقية وروادته احلام القيام بمغامرات مثيرة وبسالة بطولية في الجيش، وخلال القيام باجراءات قانونية قابل السير شارلز ويلكنز المستشرق الباحث وامين مكتبة شركة الهند الشرقية، الذي سحر بمعرفة كلوديوس بعدد كبير من اللغات بالاضافة الى ثقافته الواسعة، مما جعله يقدمه لادوارد باري احد مدراء الشركة في بومبي وبذلك حصل على وظيفة كتابية في مكتبة بومبي بدلا من ان يكون مجرد طالب، مما جعله متلهفاً على بلوغ الكمال في تعلم العربية والتركية.. وكانت الشركة قد اقامت قبل ست سنوات مقيمية في بغداد والبصرة وعدد من المصانع على طول شواطيء الخليج العربي ولهم وكلاء في اسطنبول والولايات التركية في آسيا وامتدت تجارتهم وان كانت لاتزال مقيدة بظروف الحروب النابليونية. لم تتوفر وظيفة شاغرة في بومبي فأرسل ريج الى القاهرة كسكرتير لشارلس لوك القنصل العام لصاحب الجلالة في منطقة البحر الابيض المتوسط براتب 1500 جنيه استرليني.. وفي طريقه هذا تعرض لحادث حريق في السفينة التي يبحر فيها مما جعله يتوقف عن رحلته ليقرر الذهاب الى تركيا وهنا عاش كمواطن تركي وتحدث اللغة التركية بطلاقة واستطاع جمع معلومات خاصة بالتجارة والشئون السياسية وقام بأداء كل ما أوكل اليه، كان ريج آنذاك صغير السن ورغم ذلك طلب منه السفر الى الاسكندرية ليعين مساعداً للكولونيل ميسيت القنصل العام الجديد الذي اعقب لوك.. ومن الاسكندرية الى القاهرة وهناك تعلم اللغة العربية حتى صار بارعاً فيها.. كان المماليك آنذاك اسياد القاهرة تقريبا وكان يخشى جانبهم في جميع الولايات التركية، وقد وطد ريج علاقته بعدد من هؤلاء الرجال الذين علموه كثيراً من الحركات البارعة في الفروسية واستخدام السيف والرمح، بل وتعلم كيفية ارتداء ملابسهم، وفي نهاية العام تم استدعاء ريج للتوجه الى بومبي فقام بسحب مخصصاته المادية وارتدى ملابس المماليك وبدأ رحلته اتقاء لاي مخاطر قد تقابله في الطريق الطويل وبالتالي انخرط بين المماليك في اي مكان يحل عليه ولم يشك فيه احد وقد مر في طريقه على دمشق، وبغداد وعدد من بلاد آسيا الاسلامية، حتى انه شارك كمسلم في عدد من المناسبات والاعياد التي لم يكن مسموحا فيها لأي مسيحي بالتواجد، لكن هيئته المملوكية واتقانه للعربية لم يثيرا شك احد حتى وصل الى بومبي عام 1807 . في الفصل الثاني تسرد كونستانس تفاصيل لقائه بماري ماكنتوش الابنة الكبرى للسير جيمس ماكنتوش قاضي مدينة بومبي وزواجه منها، ثم انتقاله معها عقب زواجها مباشرة الى بغداد حيث اقتضت الضرورة تعيين مقيم في بغداد وكان كلوديوس المرشح الوحيد. اما الفصل الثالث بعنوان بغداد 1808 وفيه تقدم الكاتبة وصفا لبغداد في ذلك الوقت ذاكرة ان النفوذ الانجليزي لم يكن قوياً فيها قياساً بالفرنسي وعلى رأسه نابليون الذي كانت بغداد بالنسبة له محطة في طريق طموحه للوصول الى الهند، لذلك كان هناك شعور معادٍ لانجلترا التي كانت فرنسا تروج عنها دعاية سيئة، مما جعل استقبال ريج في بغداد بسيطاً باعتباره مقيماً بريطانياً، ثم تفصل الآنسة الكسندر للعقبات التي قابلها ريج في بريطانيا سواء من العراقيين او البريطانيين المقيمين فيها وما عانت منه زوجته من وحشة وعدم تلاؤم لحياة بغداد مع شابة عشرينية مثلها، لكن ما لبث كل منهما في تنسيق حياته والمضي قدما في مشروعه خاصة ريج التي كانت لديه اهدافاً استخباراتية تكمن وراء ظاهر اعماله، كما انه تخلص من اعدائه في بغداد بحكمة وبشكل تدريجي. في الفصل الرابع «سفارات وسياسات» يتم استعراض ما اعقب توقيع كل من روسيا وفرنسا لمعاهدة السلام «تيلسيت» عام 1807 حيث اتحد الامبراطوران ووضعا اعينهما على بلاد فارس وافغانستان وبلاد ما بين النهرين والهند، مما افزع بريطانيا فأرسلت البعثات في الفارس التي اشاحت بوجهها عنها لعدم التزامها بتعهدها بمساعدة فارس وبالتالي تحالف مع فرنسا، وبذلك تطورت الامور وسلحت بريطانيا فارس لمنع وجود جيش فرنسي داخلها واخبرت ريج بأن يستعد لمساومة ملك الفرس بباشوية بغداد مقابل الحرب ضد اعداء انجلترا وتطورات الاحداث بعد ذلك مما جعل بغداد في موضع بارز وبالتالي ريج وقد استطاع ريج ان يكسب ثقة حكومة بغداد وتنامي حب الناس للمقيم ريج لانه اتخذ مساراً سلوكياً مستقيماً وثانياً بالاضافة لاجادته للعديد من اللغات منها العربية.. ثم ظهرت بعد ذلك مشكلة الوهابيين ومحاولتهم دخول ارض العراق حيث تذكر كونستانس تفاصيل الاحداث التي مر بها ريج وعائلته في ظل كل ذلك. في الفصل الخامس «جمع العاديات والرحلات القصيرة» 1810 ـ 1811 ميلادية تفصل الكاتبة لحياة ريج في بغداد ومرضه ورحلة والد زوجته عائدا من بومبي الى انجلترا ماراً ببغداد وهواية ريج بجمع التحف والعاديات بمجرد وصوله الى البلاد وكيفية حصوله على العديد من القطع الاثرية الاصلية الخاصة بحضارات بلاد ما بين النهرين القديمة والمخططوطات الدينية باللغة الكلدانية والارمنية والسريانية وبذلك ظل ثلاثة عشر عاما هي كل فترة بقائه في بغداد يشتري هذه الاشياء لكن القليل منها هو الذي بقى ليباع الى المتحف البريطاني في انجلترا. الفصل السادس يحتوي على تفاصيل رحلة ريج في بابل حيث قام باعداد بعثة الى اطلال بابل عام 1811 ميلادية بناء على رغبة قوية طالما روادته منذ حلوله على بغداد فكان من اوائل من ذهبوا اليها واهتموا بآثارها وتاريخها. اما الفصل السابع «العودة الى بغداد» 1812م فيحتوي على رحلة عودة عائلة ريج الى بغداد ثم ذهابهم الى البصرة في يخت المقيمية مع الزوجين كيتي اخت ماري ريج من السير وليام حيث تدبر والدها زواجها قبل عودته الى انجلترا، ثم عادوا الى بغداد للاستقرار مرة اخرى وممارسة عملهم الروتيني لكن صحة ريج كانت في تدهور مستمر.. لكن صحة ريج المتدهورة لم تمنعه من الاستمرار في رحلاته حيث قطع مع زوجته الطريق الى القسطنطينية ومنها الى فيينا ثم باريس والعودة الى القسطنطينية مرة اخرى وكيف استغل رحلاته في وصف تلك البلاد والحالة السياسية والاجتماعية التي كانت تمر بها البلاد في ذلك الوقت بالاضافة الى الدور السياسي الذي لعبه لصالح بلاده انجلترا اثناء ذلك وتسجيل تفاصيل آثار ومعالم الاماكن التي زارها. في الفصل الرابع عشر تفصل الآنسة كونستانس لرحلة عودة ريج واسرته الى بغداد مرة اخرى ومنها زار كردستان والموصل وكيف اثرت رحلته تلك على علاقته بباشا بغداد الذي استراب من رحلاته تلك ففي الفصل التاسع عشر تذكر كونستانس النزاع الذي نشب بين ريج وباشا بغداد بسبب القلاقل السياسية الواقعة بين كردستان وبغداد. في عام 1822 غادر ريج وزوجته ماري بغداد الى «برسوبوليس» وهي مدينة فارسية قديمة تقع في جنوب غرب البلاد وشمال العراق شيراز وكان كل منهما معتل الصحة بسبب حرارة الجو الشديدة وكانت هذه هي آخر رحلات ريج حيث توفى عام 1822 وعادت زوجته الى انجلترا حيث لم تتزوج بعد ريج الى ان توفيت عام 1876م. أمنية طلعت