روسيا.. اللغز الذي لا يعلن عن مفرداته.. تاريخ حافل بالاحداث.. ومعاصرة احداث غيرت مسار الحياة.. سواء بداية القرن العشرين أو نهايته.. من الصعب فهم مشاكل روسيا الحالية وصراعاتها دون كشف جذور هذه البراكين المعاصرة في الدولة الروسية وصيغ تجليها في قضايا المرجعية الثقافية، وظاهرة الانقلابات العقائدية.. او ما تسمى مشكلة الثقافة والايديولوجية، او البحث عن البديل. الكتاب من تأليف ميثم الجنابي الذي قسمه الى ابواب كل باب له عنوان عام ومسارات مختلفة فالباب الاول وعنوانه «البحث عن الهوية واشكاليات المرجعية الثقافية»، وكذلك فصول تحمل العناوين التالية: ـ انصار السلافية والبحث عن الهوية الروسية. ـ الابعاد الثقافية ـ السياسية للاوروآسيوية الروسية. ـ قيمة المرجعيات الثقافية واثرها في المصير التاريخي للأمم. ـ روسيا واشكالية المرجعية الثقافية والتحولات العقائدية. وقد تناول الباحث كل مساق في التحليل والتأويل والتشبيه خاصة وان هذه المساقات وان كانت علاقاتها المباشرة بروسيا إلا انها تمتلك علاقة واسعة مع الحدث اليومي في العالم، يقول ميثم الجنابي ان شعار الاممية والصداقة بين الشعوب خلق تركيبة سياسية ـ قومية وادارية هلامية بفعل مركز السلطة، واضمحلال التعددية «السياسية والثقافية والفكرية» وأدى في نهاية المطاف الى فقدان البريق الوجداني للاممية وعقلانيتها الانسانية، ولم يكن تفكيك الامبراطورية السوفييتية من قبل الليبرالية الروسية ومساعي بناء الفيدرالية الديمقراطية سوى الصيغة الكاريكاتورية للاصلاح لانها جسدت الصيغة الابشع للطفيلية الكومبرادوريه في التهام كل ما يمكن التهامه واطلاق حرية التملك الفاحش مما جعلها تتناسى في غضون خمس سنوات شعارات المساواة والعدالة والحق والانسانية والحرية وما شابه ذلك. ولم يكن ذلك بفعل نفسيتها الهدامة فقط، بل وبفعل عجزها التام في صياغة مرجعيات جديدة تستجيب لمتطلبات الفيدرالية الديمقراطية وهي الحصيلة التي حددها اولا وقبل كل شيء هامشيتها الاجتماعية والقومية والثقافية والسياسية. عنوان الباب الثاني «الاصلاحية والاصلاح المنتظر في روسيا ومنه اشتقت العناوين التالية: ـ مفارقات التكون الداخلي للتاريخ الروسي. ـ المرحلة الثورية ـ الهداية المنتظرة للثورة والاصلاح. ـ الاصلاح الديمقراطي ـ ثورة البيروقراطية الطفيلية. ـ اليسار الروسي وآفاق البديل الاصلاحي. وفي محاولة لتحليل دقيق لما تعانيه روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ومحاولة ايجاد بدائل اقتصادية نقرأ للباحث ميثم الجنابي قوله «ادت التغييرات الاجتماعية ـ الاقتصادية والسياسية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي في روسيا «البطالة، وانعدام الثقة بالمستقبل، عسف السلطة واستحقارها بالقيم والمفاهيم المتسامية وسيطرة العصابات ورجال المال الربوي واحتقار القيم الوطنية الخاصة ومحاربة الفكر التقدمي والانساني وتشجيع المفاهيم والقيم المتخلفة والانحلال الاخلاقي وتسطيح الوعي والفساد الاداري والرشوة وغيرها من الظواهر السلبية» الى تعمق الروح الراديكالي عند هذا التيار، ووجدت هذه الراديكالية انعكاسها الخاص في المواقف العملية لليسار المتطرف، سواء في تقييمه للنظام الحالي او مواقفه العملية منه ومن اجراءاته، فقد وجد اليسار المتطرف في النظام الحالي فاشية جديدة وديمقراطية برجوازية مزيفة، لهذا قاطع انتخاباتها داعياً الى انتخابات ديمقراطية حرة مباشرة واعتبر الدستور ايضا دستوراً باطلاً. اما الباب الثالث فعنوانه «الاسلام والظاهرة الاسلامية في روسيا» ونقرأ تحت هذا العنوان عناوين فرعية اخرى: ـ الابعاد السياسية والثقافية للظاهرة الاسلامية المعاصرة. ـ الظاهرة الاسلامية في روسيا. ـ روسيا والاسلام ـ الابعاد الجيوسياسية والثقافية. يحاول الباحث ان يعطي صورة شبه دقيقة لشكل الصراع المعاصر في العالم المحدد بين ظاهرتين، تنتشر وتتسع مداها وهي اصل الصراع الجوهري في العالم المعاصر، وهما الظاهرة الاسلامية والظاهرة الاوروبية وهذا الصراع كما يراه الباحث.. صراع حدده بالاساس تكامل البنى العقائدية واختلاف رؤيتها العملية للوجود الانساني وغاياته». وهو يقودنا بعد ذلك الى جزئية دقيقة تتعلق بهذا الصراع خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وعودة الجمهوريات الاسلامية في آسيا الوسطى الى العالم الاسلامي الذي بالضرورة سيعيد حساباته وخريطته، ويقول: ان المشكلة الاسلامية في روسيا ليست عبئا على الدولة الروسية بل عنصراً منظومياً في وجودها التاريخي والحاضر والمستقبل، اي ان للمشكلة الاسلامية في روسيا ابعادها الجيوسياسية والثقافية الكبرى بالنسبة لحاضر ومستقبل العلاقة بين روسيا والعالم الاسلامي، من هنا اختلاف وتباين الاجتهادات النظرية في روسيا حول هذه القضية، وفي الاطار العام يمكن الحديث عن اتجاهين كبيرين، الاول منهما يدعو الى تفهم هذه العلاقة وتوظيفها الايجابي صوب تعميق العلاقة بين روسيا والعالم الاسلامي، والثاني يدعو الى تقرير وتأسيس اهمية الانفصال الثقافي والسياسي بين روسيا والعالم الاسلامي. اما الباب الرابع والاخير فعنوانه «الابعاد الجيوسياسية للمشكلة القوقازية» وفي هذا الباب عناوين فرعية كالاتي: ـ المشكلة القوقازية في المثلث التاريخي. ـ المشكلة القوقازية في مثلث المواجهة. وقد تفرع من العنوان الاخير.. عناوين فرعية اخرى تمتلك اهمية كبيرة في الطرح والتحليل والمناقشة. ـ قره باغ.. البؤرة الدامية للصراع الارميني ـ الاذربيجاني. ـ ابخازيا.. البؤرة القلقة للصراع الابخازي ـ الجورجي. ـ المشكلة الشيشانية.. المعضلة المزمنة للمشكلة القوقازية ومن ثم ننتقل الى المشكلة القوقازية في مثلث المصالح الحيوية وعلاقة هذه المشكلة ب«الروسي، الغربي، الاسلامي» ان هذا الفصل من الكتاب يحمل اهمية استثنائية في هذا البحث لانه يؤشر الى اصل الصراع وعمقه وتشعبه وجدلية المعايشة معه ويقول ميثم الجنابي في محاولة لتقديم تحليل علمي لأصل المشكلة. ادى انحلال الاتحاد السوفييتي الى ظهور اكثر من قوة في منطقة متنافرة المصالح والتوجهات السياسية والقومية والثقافية، فالقوقاز هي منطقة التعددية الاثنية والقومية والدينية والثقافية، اي ان ترتيب اوضاعه الداخلية وخلق نظام انسجامه في المصالح والثقافة يفترض وجود دولة قادرة من حيث نظامها السياسي وايديولوجيتها العامة على استقطاب هذه التعددية وتوجيهها بالشكل الذي يخدم مصالح الجميع، غير ان انحلال الاتحاد السوفييتي ودون اية ضوابط واتفاقات، جعل من التنافس بين دولة ومقاطعة احد المخاطر العميقة التي اثارت المشكلة القوقازية في ابعادها القومية والاثنية والثقافية، وبعثت الاحقاد القديمة والمصالح المنسية وتنافر استراتيجيات البدائل في منطقة ذات قيمة عسكرية واقتصادية كبيرة، وحركت هذه المشاكل في بداية الامر فاعلية المثلث القديم الايراني ـ التركي ـ الروسي، الذي اخذ يدخل اكثر فأكثر في المثلث الاوسع للمصالح الحيوية الروسية ـ الاطلسية ـ الاسلامية». وبعد فإن هذا الكتاب يمتلك اهميته من خلال العلاقة بين التطورات التي تحدث في روسيا والعالم الاسلامي وفق الخريطة الجديدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وظهور الجمهوريات الاسلامية في آسيا الوسطى وهي قضية ليست سهلة ادت الى حروب اقليمية ولعلها تؤدي في المستقبل الى حروب اخرى نتيجة الصراع الذي لم يحسم بعد ظهور هذه الجمهوريات وبدون الوصول الى حلول منطقية وعادلة تضمن للشعوب حقوقها وللدول الجديدة استقلاليتها وسيادتها الوطنية. عبدالاله عبدالقادر