على الرغم من صعوبة التعميم في شأن المحاريب، إلا أنه يمكن القول، بأوسع المعاني، إن العمارة الاسلامية عرفت بصفة أساسية نوعين من أنواع المحاريب، أولهما محاريب مسطحة ضمتها الأضرحة وبعض المجموعات المسجدية جنباً الى جنب مع محاريبها الأصلية المجوفة، وغالباً ما أخذت هذه المحاريب المسطحة شكل الحنية، دهاناً بالألوان، أو حفراً في الحجر، أو نقشاً على الخشب، أو تنزيلاً في الرخام. أما النوع الثاني الذي عرفته العمارة الاسلامية فهو محاريب مجوفة، تميزت بها أبنية المساجد، كأحد مكوناتها الرئيسية التي لا غنى عنها، وكانت ـ ولا تزال ـ تشبه الطاقة الصماء غوراً في حائط القبلة، ابتداءً من الأرض إلى ما يزيد على قامة الإنسان بقليل. يمكن القول إن أهم أنواع المحاريب المجوفة انحصرت في أربعة أنماط رئيسية يمكن تحديدها على النحو التالي: 1ـ يتسم النمط الأول بأنه ذو مسقط نصف دائري، مقطعه عبارة عن عقد مكسور، أو على شكل حدوة الحصان، أو غير ذلك من العقود، تغطيه نصف قبة أو قبو طولي محدود العمق، لا يأخذ الشكل التقريبي لربع الكرة، وإنما يأخذ شكلاً نصف اسطواني مقوس المقطع مسطح الصدر أو مقعره، ومسقطه مربع أو مستطيل له ضلع نصف دائري. 2ـ النمط الثاني ذو مسقط مستطيل يشكل عرضه العمق الجداري، ويأخذ شكل متوازي المستطيلات، يغور في الجدار كالمحراب المنتمي الى النمط الأول، وتعلوه نصف قبة. 3ـ النمط الثالث ذو مسقط مستطيل بدوره، لا تغطيه قبة، له مقطع عبارة عن مستطيل داخل مستطيل ثانٍ أكثر منه اتساعاً وارتفاعاً. 4ـ النمط الرابع متطور من النمط الثالث، حيث يتداخل فيه محرابان أو أكثر، تحيط فيه الأقواس المختلفة، بالأطر المستطيلة، ثم تعلو وتتسع وتتعمق لتشبه مداخل الأبنية، وتقترب مساحاتها، في بعض الأمثلة النادرة، من مساحة الغرفة الصغيرة، على نحو ما سبق أن رأينا في حالة محراب جامع قرطبة الذي يبلغ عمقه حوالي ثلاثة أمتار. كما سبق لنا أن رأينا أيضاً، فإن الهدف من اتخاذ المحراب في المسجد، هو أن يدل على اتجاه القبلة، وأن يحول دون شغل الإمام لصف في بيت الصلاة يمكن أن يضم المئات من المصلين، كما أنه يكفل تضخيم صوت الإمام عند تكبيره وتلاوته وركوعه وسجوده أثناء الصلاة. وقد تعددت المحاريب في المسجد الواحد، لغرض وظيفي في المقام الأول هو تخصيص محراب لأتباع كل مذهب من المذاهب الأربعة، وأيضاً لأغراض تزيينية، وكان المحراب الرئيسي يحتل ـ ولا يزال ـ وسط جدار القبلة. وجاء موقعه ـ لا سيما في مساجد المغرب العربي ـ مع المئذنة والمجاز القاطع. وفي حالة تعدد المحاريب في المسجد الواحد فإنها كانت توزع على جانبي المحراب الرئيسي أو تعمل في السطوح الموازية لجدار القبلة في الأعمدة المربعة، وغالباً ما كانت هذه المحاريب الإضافية ذات أشكال مسطحة، وأقل نقشاً وزخرفاً من المحراب الأصلي. القطيعة البصرية مع الماضي إذا كنا في ما سبق قد حاولنا، بشكل أو بآخر وبهذا القدر أو ذاك من التوفيق، أن نلقي الضوء على المحاريب التاريخية التي تعكس وهج الماضي و«ذهب الملوك وأرجوانهم» وأنرنا في غمار ذلك جوهر فكرة الرمزية التي يرى فيها دكتور ثروت عكاشة ما يذكر بـ «عتبة الأدبية» التي أقامها المصريون القدامى في مقابرهم كي تنفذ منها الروح الى العالم الأبدي، حيث يرى أن الحال كانت كذلك مع القبلة، فالمتعبد إذا لم يستطع أن ينتهي الى الكعبة بجسده، فلا أقل من أن ينتهي إليها بروحه من خلال المحراب الرمزي ـ أقول إننا إذا كنا قد حاولنا القيام بذلك، فإننا نرى في هذا شيئاً ضرورياً وحتمياً ولكنه غير كاف لرسم معالم الصورة التي نجتهد هنا لاستكمالها، ولو في أكثر تجلياتها عمومية. كيف؟ وبأي معنى تكتمل صورة المحراب التي نحاول رسم معالمها؟ لا يقتصر جهد المعماري المسلم على ما قام به من إبداع في الماضي، فهو قد حاول أن يستجيب للحشد الهائل من المتغيرات الذي اجتاح المجتمعات الإسلامية، وأن يقدم من الاقتراحات والاجتهادات والتجديدات والتطويرات ما يتفق مع متطلبات هذه المجتمعات ورعاة مشروعات البناء والتغيرات في وظائف المسجد واحتياجات الجماعات التي تلبي هذه المساجد مطالبها واحتياجاتها وما يعكس ما يسميه محمد أركون بتغيرات تجليات المقدس. ما قلناه، حالاً، هو على وجه الدقة الذي يفتح المجال أمامنا لإلقاء نظرة على المحاريب التي رأت النور في المساجد التي ظهرت في غمار هذا كله في العالم الإسلامي وخارجه. المشكلة الحقيقية هنا هي أنه لا حصر للاجتهادات التي قدمتها العمارة الاسلامية في هذا الصدد، خاصة وأننا نتحدث عن تيارات ومدارس واتجاهات عديدة، حتى لا يكاد يطالها حصر. دعنا نكتفي، إذن، بإلقاء نظرة ـ ولو سريعة ـ على ثلاثة نوعيات من المحاريب، وفي داخل كل نوعية سنتابع ملامح ثلاثة محاريب لا غيرها، وذلك على سبيل المثال، وبحسب المجال المتاح هنا، الأمر الذي يعني أننا أمام ما اجماليه تسعة محاريب، وهو ما يعني ان بعض هذه المحاريب لن يحظى منا إلا بأسطر قلائل، لأن ما نهدف إليه هو رسم ملامح صورة أقرب الى بانوراما شاملة تعكس أصداء عبقرية المعماري المسلم واجتهاداته في عصر حافل بالتغيرات. وهذه النوعيات الثلاث هي ما يلي: أولاً: محاريب المساجد التي تعكس قطيعة بصرية مع الماضي. لا يعكس إيراد هذه المحاريب أولاً أهمية ولا أولوية ولا اعتبارات فنية محددة، وانما هو يعكس في المقام الأول فضول كاتب هذه السطور واهتمامه وحيرته أيضاً، وحرصه على استطلاع رأي الجماعات التي تقوم بين ظهرانيها هذه المساجد. وقد تجلى هذا كله في الحرص على أن تكون المقاربة ـ بقدر الامكان ـ مع هذه المساجد مقاربة ميدانية قائمة على المشاهدة والمعاينة وسؤال المعنيين والمشرفين والقائمين عليها واستطلاع آراء عينات عشوائية من أبناء المناطق التي تقوم بها. كما سبق لنا أن أوضحنا، فإن المقصود بالقطيعة البصرية مع الماضي، أن مشروعات هذه المساجد تقطع الشوط كاملاً في التجديد والابتكار وصولاً إلى حد القطيعة مع التقاليد والأعراف المعمارية التي تضرب جذورها في الماضي، وهو أمر يقتضي قدراً ليس باليسير من الجرأة من جانب المعماري ومن العبقرية الإبداعية التي تكفل إيجاد حلول للمشكلات التي لا حصر لها التي تنشأ ـ على الفور تقريباً ـ مع قرار القطيعة البصرية نفسه وانعكاسه في التصميم والتنفيذ، كما أنه بالمثل يقتضي اتخاذ قرارات ليست بالهينة من جانب رعاة هذه المساجد، ويفرض قدراً كبيراً من التفهم والتبصر والتعاطف والتوحد من جانب أبناء الجماعات التي تقوم هذه المساجد بين ظهرانيها مع تصميماتها ومن ثم كياناتها، التي تغير بجرأة ملامح خط الأفق في المنطقة بكاملها. في إطار هذه النوعية من المساجد سندرس محاريب ثلاثة منها، أعترف بأنني أحس حيالها بقدر ليس باليسير من الفضول، ولربما لهذا أعود إليها مراراً وتكراراً، ولكنني أحسب أن الكثيرين غيري ما كانوا ليتخذوا مواقف تختلف كثيراً عن تلك التي تبنيتها حيالها. وهذه المساجد هي مسجد بن مدية في منطقة السبخة بديرة في دبي، والثاني هو مسجد شفيق عماش في بيروت بلبنان، والثالث هو مسجد شريف الدين في فيسوكو بالبوسنة. 1ـ مسجد شفيق عماش في بيروت: الواقع أن هذا المسجد الذي انتهى بناؤه في عام 1984 يخاطب مجموعة مدهشة من قضايا الشكل في عمارة المساجد في المناطق الحضرية. وبالطبع، ناله غير قليل من بصمات الحرب الأهلية اللبنانية، الأمر الذي فرض أن يعطى أولوية في أعمال الترميم، بعد أن وضعت هذه الحرب أوزارها. وقد تم تكليف المعماري اللبناني نبيل طبارة بوضع تصميم هذا المسجد، جنباً إلى جنب مع مركز صغير مخصص لخدمة المجتمع المحلي في منطقة رأس بيروت التي يقوم بها المسجد. ويلفت نظرنا حقاً ان المعماري حرص، قبل أن يضع خطاً واحداً في تصميمه، على أن يقوم بدراسة شاملة للمساجد القائمة في بيروت، في محاولة منه لاكتشاف الخصائص المحددة التي تميز تصميم المساجد في المدينة، وخلص الى أن هذه الخصائص تحددها بصفة أساسية مواد البناء الأكثر شيوعاً في استخدامها في العاصمة اللبنانية، مثل الحجر الرملي المحلي والآخر المتخذ من الطين المحروق، ولكي يعكس هذا الجانب البصري في تصميمه الذي صيغ من خلال المقولات المعمارية الحديثة استخدم الجدران المكسوة بالحجر الجيري للإيحاء بالحجر الرملي، بينما احتفظ بالآجر التقليدي الذي يستخدم في السقف. من شأن إلقاء نظرة واحدة على هذا المسجد أن توضح أن التصميم والتقنية المستخدمة في هذا المسجد يقومان على تنويعات شتى على شكلين هندسيين محددين، هما المربع والمكعب، وربما يرتبط ذلك في أحد أبعاده بالحقيقة القائلة إن موقع المسجد محدود أصلاً حيث لا تتجاوز مساحته مئتي متر مربع، ويفاقم من صعوبة هذه المشكلة أن الموقع يطل في جانبين منه على شوارع مزدحمة، وتأخذ بخناقه أبنية لا ينقصها الارتفاع. هكذا عمد المعماري الى استخدام فضاء الطابق الأرضي، بكامله تقريباً، لتشييد الإطار الخارجي للبناء، واضطر لتركيز التسهيلات الملحقة بالمسجد، مثل مركز الخدمة الاجتماعية، تحت الأرض. بيت الصلاة في هذا المسجد مربع في مخططه، في انعكاس مباشر لضوابط الموقع، وبالمخالفة للمخطط الأثير لدى معماري المساجد وهو المخطط المستطيل، وبنيته تأخذ شكل هرم أقطع، يقوم على أزواج من الأعمدة تنتصب عند كل ركن من الأركان، وهكذا فإن الأعمدة تفسح مجالاً ليس بالسهل داخل بيت الصلاة كما أنها تترك الجدران حرة، وتمتد النوافذ عند كل ركن من أركان المسجد بارتفاعه الكامل لتتيح رؤية حركة الشارع والمارة من الداخل. من الجلي أن انفتاح بيت الصلاة على الشارع بهذا الشكل هو أحد الأبعاد العديدة التي يشكل بها هذا المسجد قطيعة بصرية مع تقاليد الماضي المعمارية، التي تشدد على التعامل مع بيت الصلاة باعتباره الفضاء الأ كثر تمتعاً بالحماية والحفاظ عليه بعيداً عن مؤثرات الخارج الدنيوي الحافل بالضجيج وعناصر التشويش، وهذه الخطوة في هذا المسجد تبدو أشد جرأة عندما نتذكر طبيعة السياق الحضري الذي يقوم فيه المسجد والحافل بالحركة. من هنا فليس عجيباً أن نعلم أن القائمين على المسجد عمدوا، في وقت لاحق، إلى حجب المجاز البصري المطل على الشارع حول المحراب مباشرة، وذلك للتخلص من التشويش المنبعث من حركة المارة في الشارع الواقع أمام جدار القبلة. هذا المنعطف، بالضبط، ينقلنا مباشرة إلى مقصدنا هنا. فعلى أي نحو جعل المعماري طبارة محراب هذا المسجد؟ المحراب في هذا المسجد ليس استثناء من قاعدة الرؤية الحداثية والقطيعة مع الماضي، وإذا أردنا دليلاً فورياً على ذلك، فما علينا إلا أن نلقي نظرة سريعة على المسجد من الخارج بمواجهة جدار القبلة، حيث سيصافح عيوننا مشهد المحراب من الخارج الذي نفذ بعناية شديدة باستخدام الحجر الرملي، ويضفي عليه طابعاً صرحياً، الاستخدام البارع لعناصر من المقرنصات المطورة ومؤثرات الوجهية الصرحية. لكن ماذا عن المحراب من الداخل؟ كيف يبدو؟ كيف وظف المعماري الحلول الجمالية لإيجاد معالجة مختلفة لوضع معقد نابع في العديد من جوانبه من طبيعة الموقع ذاته؟ من الواضح أنه لم يكن بوسع المعماري ان يعمد الى تصور شديد الجرأة للمحراب، فهو قد فعل ذلك بالضبط في منارة المسجد، ثم انه لم يجعل للمسجد قبة أصلاً، هكذا وقع على المحراب العبء الكامل للاشارة الى طبيعة المكان وتقديم جمالياته ولم يشاركه هذا العبء إلا التوظيف الجمالي للحجر. هكذا فإننا أمام محراب يعكس جماليات الإضاءة من الداخل والخارج، وهناك التوظيف البديع للمقرنصات، وهو تو ظيف لن نجد أصداءه في المسجد بكامله إلا في المحراب من الخارج وعند مدخل المسجد، ونلاحظ أيضاً كبح جماح الاندفاع التقليدي الى الإغراق في زخرفة المحراب، فنحن لا نجد إلا زخارف هندسية تجريدية في إطار المحراب وداخل حنيته وفي الإطار المباشر للحنية. أما عنصر الخط فسوف نجده في أعلى حائط القبلة تقريباً حيث تنهل عليه الإضاءة بشكل بديع، ولكن هنا أيضاً يجري كبح جماح أي ميل للمبالغة، حيث يستخدم الخط مع مؤثرات زخرفية بسيطة في شكل ثلاث حشوات، تتردد منها ومعها أصداء حشوات أقل كثافة في خطوطها وزخارفها على الجدران الأخرى عند الارتفاع نفسه. العودة إلى بن مدية 2ـ مسجد بن مدية في دبي: كما سبق لنا القول، فإننا هنا أمام مسجد يقطع المشوار كاملاً في تحقيق القطيعة البصرية مع تقاليد الماضي المعمارية، ويقدم حشداً مدهشاً من الحلول للمشكلات التي تطرحها إقامة مسجد ينتمي الى العمارة الحداثية في قلب منطقة تجارية، هي أساساً منطقة أسواق تقليدية. وإذا كان مسجد شفيق عماش قد حظي باهتمام حقيقي بتجربته الحداثية في الأوساط المعمارية العربية، فإن من المخزن أن تصميم مسجد بن مدية مضى صرخة في واد، بلا اهتمام حقيقي بالجهود التي قدمها فيه المعماري اليوناني المبدع الكسندروس توومبازيس، ودون محاولات للبناء عليها وتطويرها واستخلاص الدروس المستفادة منها. نظرة واحدة على المسجد من بعيد من شأنها أن تؤكد أهميته المعمارية في إجمالي تجربته، ولكن أهم جوانب هذا المبنى تكمن في ثلاثة ملامح على وجه التحديد، هي السقف متصاعد المستوى والنوافذ التي تأخذ شكل مناور تسمح بتدفق الضوء الطبيعي الى الداخل من دون أي انكسارات تذكر في جدرانه التي تشمخ في مواجهة حركة مرور شديدة الكثافة وطقس يجمع في نصف شهور السنة تقريباً بين الحرارة الشديدة والرطوبة المرتفعة، حيث لا يفصل بين المسجد وخور دبي إلا ميدان بني ياس وشارعان موازيان للخور وجدار المحراب، الذي تعلوه فتحة أفقية تسمح بدخول النور الطبيعي الى بيت الصلاة. هكذا فإن النور ينهل على جدار المحراب، الذي يستقطب اهتمام الناظر إليه، على الفور، بما فيه من مؤثرات زخرفية توريقية منفذة بالزجاج الأزرق والبيج، فضلاً عن آيات من الذكر الحكيم اختارها فقهاء من دبي، وقام مصممو داخل المسجد بالاشتغال على وضعها في الاطار الجمالي المناسب للإطار العام لبيت الصلاة. وتتبع الإضاءة الاصطناعية نمط الإضاءة الطبيعية التي أُجيد جلبها عبر التصرفات المعمارية في السقف، ويبدو التأثير الناجح للجمع بينهما في الضوء الذي يسبح فيه المحراب، في نهاية المطاف. وإذا قارنا بين محرابي هذا المسجد ومسجد شفيق عماش، لأدركنا على الفور أن ما يجمع بينهما هو القوة، والبساطة، والأسلوب الناجح الذي تمت به عملية التوجيه مع الاحتفاظ بعلاقة واضحة مع الشارع في موقعين حضريين لا ينقصهما التعقيد. غير أن المحراب في مسجد بن مدية يتميز بالتلاعب المذهل في الاضاءة حتى لا يداخل المرء شك في تحول هذا التداخل الى عنصر أصيل من عناصر التكامل الجمالي استهدفه المعماري استهدافاً، ومضى إليه تقصداً وعمداً، فحقق نتائج لا مجال للتقليل من أهميتها. مع ذلك، فلا شك في أن المعماريين في الحالتين كليهما حققا تعبيراً أفضل من منظور القياس الحجمي، وقدما مساهمات جديرة بالاهتمام في التوصل الى حلول مقدمة في سياق مسجدي للمشكلات التي يثيرها موقعان حضريان يتسمان بالصعوبة والتعقيد. وخلافاً لما يتصوره المرء من أنه في ضوء القطيعة البصرية لهذا المسجد مع تقاليد الماضي المعماري في منطقة الخليج سيشكل وجوده حالة من الغربة مع أبناء الجماعة المستفيدة من المسجد، فإن الكثيرين من هؤلاء يدركون بجلاء الجماليات المميزة لهذا المسجد، ويعتزون به ويتعاطفون مع الاقتراحات والحلول المعمارية الجريئة التي يقدمها. وسوف نرى ـ عندما نناقش معاً جماليات مئذنة هذا المسجد ـ أن تحقيق هذا الفهم وذلك التعاطف والاعتزاز لم يكن بالأمر اليسير ولا بالهدف الذي يسهل تحقيقه، وإنما كل ذلك جاء عبر الكثير من الجهد والإبداع. تحت آفاق البوسنة 3ـ مسجد شريف الدين الأبيض في فيسوكو بالبوسنة: سبق لنا أن أوضحنا، في غير هذا المقام، كيف أن القطيعة مع تقاليد الماضي المعماري في السياق المسجدي، تتحقق في بعض الأحيان من خلال مبادرة من المعماري نفسه، إما بموافقة من الجماعة التي يقوم المسجد بين ظهرانيها وخاصة من جانب رعاة مشروع المسجد والقائمين عليه، وإما بعدم اعتراض صريح على الأقل من جانبهم على هذه المبادرة. وغالباً ما يكون دافعهم الى ذلك هو إبراز هويتهم الأصيلة كمسلمين يعيشون في مدن وتجمعات حضرية تعنيها وتؤرقها مسألة الهوية والحرص على التعبير المعماري والجمالي عنها. غني عن البيان ان مثل هذا القطيعة قد قطعت شوطاً كبيراً على يد المعماري زلاتكو أو جليجن مع تقدمه بتصميم مسجد شريف الدين في فيسوكو بالبوسنة عندما كانت جزءاً من يوغسلافيا الاتحادية في عام 1967 بعد أن تم هدم مسجد المدينة الجامع الذي كان الأكبر من بين سبعة مساجد أحياء تنتشر في فيسوكو في ذلك الوقت. هنا أيضاً فرض الموقع ضوابطه، فهو موقع مسجد قديم تم هدمه لإفساح المجال لمسجد جديد، في قلب المركز التجاري للمدينة المعروف بالاسم الدال «الكارسيجا» أي «تقاطع الطرق». الأمر لا يقف عند هذا الحد، فهناك اعتباران آخران شكلا مخطط الموقع: 1ـ وجود مقبرة عتيقة في الموقع. 2ـ وجود منطقة السوق أمام المسجد. الواقع أن وجود مقابر تضم قبور الأولياء والشخصيات البارزة هو أمر مألوف في العديد من المساجد العثمانية، ومن ثم في مساجد البوسنة، ووجدت حدائق تذكارية خلف المسجد أو إلى جانبه، الأمر الذي أدى الى وجود واحات خضراء في قلب النسيج المعماري الحضري. في مسجد شريف الدين، حاول المعماري المبدع زلاتكو أو جليجن أن يتحضر أصداء هذه العلاقة المعمارية بين المسجد والحديقة التذكارية، وذلك بوضع أحدهما بإزاء الآخر، ولكن من دون تداخل بصري أو تواصل مباشر بينهما، ومن هنا فقد جاءت جدران المسجد المواجهة للمقبرة مصمتة بالكامل. أما فيما يتعلق بالعلاقة بين المسجد ومنطقة السوق القريبة، فقد عمد المعماري الى ابتكار حل فريد، كفل استغلال طوبوغرافية الموقع التي تتميز بالانحدار والارتفاع الخفيفين بإزاء مستوى الشارع، فجعل بيت الصلاة في تجويف يقع تحت مستوى الطريق إيغالاً في الموقع، مما كفل أجواء أكثر خصوصية وفضاء متمتعاً بالحماية من البرودة الشديدة لأجواء البوسنة في الشتاء. وهكذا جاء بيت الصلاة والفناء على مستوى واحد يفصلهما لوح زجاجي مؤطر سميك يكفل استيعاب الضوء واستبعاد البرد الشتائي المروع في منطقة البلقان بأسرها ويسمح بالتواصل البصري غير المنقطع بين المساحتين. ولكن ماذا عن المحراب؟ كيف جمع المعماري بين البساطة والتجريد والعناصر الجمالية الآسرة؟ لماذا يتوقف الكثيرون عند هذا المحراب على الرغم من أنه ربما كان أبسط محاريب أوروبا كلها وأقلها إيحاء بالجهد والنفقات والاشتغال الفني والمعماري؟ لا شك في أن البساطة المطلقة هي المبدأ الذي كفل الجاذبية الكبيرة، التي يتمتع بها هذا المحراب، من دون أن يوحي بأي شكل بفقر مكوناته أو بتواضع تأثيره الجمالي النهائي. هذا المحراب الذي يأخذ شكل حنية ذات مسقط مستطيل في الجدار الشرقي للمسجد يجمع بين بساطته الشديدة وبين مستطيلات متراجعة من خشب الصنوبر تأخذ شكل صدى مؤسلب للمقرنصات. وعلى يمين المحراب مرصعتان تحمل إحداهما بالنقش البارز لفظ الجلالة والأخرى كلمة «محمد» تعيدان أصداء مرصعات مماثلة تعود الى القرن السابع عشر في مسجد أيا صوفيا في اسطنبول والجامع القديم في أدرنة. هناك لمحة جمالية أ خيرة لا تغيب عن ناظري متأمل لهذا المحراب، وهي تتمثل في لقاء الضوء الطبيعي المنهل من السقف الى يسار المحراب مع الأضواء الاصطناعية التي تبرز على مسافات متقاربة لتعانق هذا الضوء في مشهد آسر يظل محلقاً في النفس والذاكرة طويلاً. لكن إذا كانت هذه هي بعض ملامح محاريب المساجد التي تعكس قطيعة بصرية مع تقاليد الماضي وأعرافه المعمارية، فإن السؤال الذي يبرز عند هذا المنعطف هو: ماذا عن محاريب مساجد الدولة التي لا يتاح فيها المجال للمعماري للإقدام على مثل هذا القدر من الجرأة في التصميم والتنفيذ ولكنه في الوقت نفسه مطالب بإبداع يتسم في صرحيته مع هوية هذه المساجد نفسها؟