أنجز الداعية الإسلامي الكبير الشيخ محمد الغزالي قبيل رحيله، تفسيرا جديدا هو التفسير الموضوعي للقرآن، و يختلف هذا التفسير عن التفسير الموضعي، فالأخير يتناول الآية أو الطوائف من الآيات فيشرح الألفاظ والتركيب والأحكام.أما التفسير الموضوعي فيتناول السورة كلها ويحاول رسم صورة شمسية لها تتناول أولها وآخرها، وتتعرف على الروابط الخفية التي تشدها كلها، وتجعل أولها تمهيداً لآخرها، وآخرها تصديقاً لأولها، وقد اهتم هذا التفسير اهتماماً كبيراً بوحدة الموضوع في السورة وأن كثرت قضاياها. ولكن هذا التفسير لا يغني أبدا عن التفسير الموضعي وإنما مكمل له. و يطرح الشيخ الغزالي في هذا التفسير رؤية غير مسبوقة فيقول في تقديمه للطبعة الأولى منه: «قد ارتاد طريقا لم اسبق أليه، افتتح به بابا من أبواب الخير، والقرآن لا تنقضي عجائبه، ولن نبلغ مهما بلغنا مداه» وأن كان قد أشار إلى أنه قد تأسى بالشيخ محمد عبد الله دراز في تفسيره لسورة البقرة في كتابه (النبأ العظيم) وقد اعتبره الغزالى أول تفسير موضوعي لسورة كاملة. ورغم أن الغزالي قد قدم في كتابيه: «المحاور الخمسة للقرآن الكريم» و«نظرات في القرآن» نماذج من هذا النوع من التفسير، إلا أنه قد تناول جميع سور القرآن الكريم وفق هذا التفسير الجديد في الكتاب قبل الأخير في حياته والذي تكون من ثلاثة أجزاء، صدرت تحت بعنوان «نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم» وقد صدر الجزء الأول منه الذي تضمن الأجزاء العشرة الأولى من القرآن الكريم عام 1991، و استمر الشيخ يكتبه حتى عام 1995 حيث صدر الجزء الثالث الذي تضمن تفسيره الموضوعي للأجزاء العشرة الأخيرة من القرآن الكريم. ثم أعيد إصدار الأجزاء الثلاثة بعد ذلك في مجلد واحد. وكشأن كل الرواد، فإنه في هذا النوع من التفسير يستكشف معالم الطريق ويضع الخطوط الرئيسية. فيقول: «إنني مستكشف قاصر وأن الوادي الذي أستقي منه يسيل على قدري أنا، وهو محدود ولكنه يحث الخطى إلى ما هو أبعد، ويحدو أولى الألباب إلى الشأن الأعلى في خدمة القرآن، وإماطة اللثام عن روائعه وبدائعه» . ونعرض فيما يلي نموذجاً لهذا التفسير، وهو تفسيره الموضوعي لسورة الفاتحة. فيقول:سورة الحمد من قصار السور ولكنها أم الكتاب، وأعظم سوره. تضمنت خلاصة وجيزة لعقائد الإسلام. وعهداً وثيقاً بين الناس وربهم يحقق رسالتهم فى الوجود ورجاء فى الله أن يهدى الطريق، ويمنح التوفيق، وينعم بالرضا.. ولننظر فى الآية الأولى «الحمد لله رب العالمين». الحمد لفظ تلتقي فيه معان ثلاثة، فهو ثناء يكشف عن أمجاد الذات العليا من جلال وجمال وكمال، وهو مديح على ما ننال من عطاء ونعماء، وجاد بها ولى النعم، وهو شكر يقابل الخير النازل والفضل المسدي. وعندما نصبح فنقول مثلاً «الحمد لله الذى أحيانا من مماتنا واليه النشور» فنحن نثني ونمدح ونشكر. «ورب العالمين» سيد العوالم كلها من العرش إلى الفرش، من السماء إلى الأرض، من الحيوان إلى النبات، من الملائكة إلى البشر. والعالم ماعدا الله من خلق، وماعدا الله مربوب له فقير إليه.. نعم كل ماعدا الله عبد له، صنيعة نعمته، «فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله الكبرياء فى السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم». «الرحمن الرحيم» نحن فى رحمته نعيش، والرحمة والعلم يسعان كل شئ، ولولا أن الله غفور رحيم لفتكت بنا معاصينا وقضى علينا جحودنا وطغياننا. «مالك يوم الدين» المقصود بالدين الجزاء، وهو بداية العالم الآخر، والعالم الآخر هو المقابل لعالمنا المعاصر. والحضارة المادية المسيطرة على الحياة الآن قلما تذكره بل لعلها ترى من الهزل ذكره. وهى تتعمد نسيانه فى ميادين التربية والتشريع والسياسة الدولية والمحلية مع أنه الحقيقة العظمى، الأجدر بالرعاية والحساب.. «إياك نعبد وإياك نستعين» نعبدك وحدك يا الله، ونستعين بك لا بغيرك، فكل غير محتاج إليك، كما جاء فى السنة «اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله». «اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم».. الخط المستقيم أقصر طريق بين نقطتين، ولذلك لا يتعدد، ومن استقام اهتدى إلى الله «إن ربى على صراط مستقيم». ودين الله واحد، بلغه الأنبياء على اختلاف الأعصار والأمصار، أساسه إله واحد، له الولاء، وله الثناء يفتقر إليه أهل الأرض وأهل السماء. ولعل هذه النقطة مثار الخلاف بين أتباع الأديان المعاصرة، فالمسلمون يوقنون بأن ماعدا الله عبد له خاضع لحكمه عان لأمره فى الدنيا والآخرة.ويستحيل أن يتجاوز هذه الحقيقة بشر أو ملك.. فمن لزمها نجا ومن زاغ عنها هلك.. وكل من أحسن طاعة الله ورسله بلغ هذه الغاية «ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفقياً» النساء: 69- أما من أشرك بالله شيئا، أو رفض الانقياد لأمره فهو بين الضلال والغضب لا أمل له ولاخير فيه.. «غير المغضوب عليهم ولا الضالين» على الإنسان أن يكون صائب الفكر صادق النظر، فإذا اهتدى إلى الحق فعليه أن يعمل به ويتواضع لربه، ويرفق بعباده. وهذه السورة فرض الله قراءتها فى جميع الصلوات، لتكون مناجاة متجددة مقبولة بين الناس ورب الناس، فهي حقائق علمية، وهى فى الوقت نفسه، ضراعة عبد ينشد رضا مولاه.. وقد جاء فى السنة «قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال: «الحمد لله رب العالمين» قال الله: حمدني عبدي! إذا قال «الرحمن الرحيم» قال الله أثنى عليّ عبدي! فإذا قال: «مالك يوم الدين» قال الله: مجدني عبدي، أو فوض إلى عبدي! فإذا قال: «إياك نعبد وإياك نستعين» قال الله: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: «اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين» قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل!!.. ونحن نكرر الدعاء لأنفسنا، كما نكرر غسل أعضائنا لأن أسباب هذا التكرار قائمة، فالجسم الإنساني لا يكفى في تطهيره أن يغسل مرة أو مرتين، لابد من تكرار الغسل مدى الحياة!! والطبع البشري لا تصقله دعوة أو دعوتان لابد من تكرار الوقوف بين يدي الله لأن رعونات النفس ووساوس الشيطان تنتهي، فلابد من تكرار الدعاء، واستدامة التضرع «إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا». النساء: 103- وهكذا في سطور قلائل تم تصوير العلاقة الوحيدة الممكنة بين الناس ورب الناس:الاعتراف به، والثناء عليه، والاستعداد للقائه والتعهد بعبوديته ثم الرجاء إليه أن يجعلنا كما يحب. ونتوقف عند تفسيره الموضوعي لسورة أخرى هي سورة (الأنبياء) فيوضح الغزالي أن هذه السورة من أواخر ما نزل في العهد المكي، وسميت كذلك لأنها تضمنت أسماء ستة عشر نبيا مع إشارة وجيزة إلى تاريخهم، وإن كان الكلام قد طال عن إبراهيم وحده.، وفي السورة ما يشير إلى أن المرسلين من الرجال، فهم أقدر على حمل الأعباء الجسام ومقارعة صناديد الكفر: «وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فأسالوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» (الأنبياء - 7). ومن العلماء من يسلك مريم وأم موسى في عداد الأنبياء، وإن لم يكن حملة رسالات ومطلع السورة يدل على أن مشركي مكة كانوا موغلين في الضلال، وعباد الدنيا، كانت معرفتهم بالله غامضة، ومعرفتهم بشركائه الموهومين قوية، وكانوا ينكرون البعث والجزاء، ولا يحيون إلا ليومهم الحاضر. وصورت السورة ذلك في قوله تعالى: «اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون، ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، لاهية قلوبهم» ( الأنبياء: 13) وقد رد القرآن على منكري البعث هنا بأدلة شتى، منها قوله: «وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين» ( الأنبياء - 16)، لابد من حساب دقيق على ما نقدم ونؤخر. وقد استدل القرآن على البعث بالدليل البديهي على جوازه وهو أن خالق العالم أولاً يستطيع إفناءه وإعادته ثانياً: «أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي» (الأنبياء - 30) . وأغلب العلماء يقررون ما يسمى بنظرية السديم، وهي تقوم على أن الكواكب كانت جرماً واحداً ثم تبعثرت - بصنع الله - على هذا النحو المشاهد، وأخذ كل كوكب مداره. ولكن إنكار البعث شائع في الأولين والآخرين. والناس في عصرنا الحاضر سكارى بخمرة الحياة الدنيا فما يفيقون منها، ولا يسيغون كلاماً عن اليوم الآخر، بل لعلهم يسخرون منه «ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولاهم ينصرون، بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولاهم ينظرون» ( الأنبياء: 38 ـ 40). ثم بين سبحانه أن الحساب في الآخرة دقيق، لا تجاوز فيه ولا تفريط، قال تعالى: «ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين» (الأنبياء: 47). والمشركون يضمون إلى استبعاد البعث تكذيبهم للنبي -عليه الصلاة والسلام - واتهامه بالسحر والافتراء قال تعالى: «وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم» ( الأنبياء - 3 ) ، وهذه الكلمة تخفي وراءها ضيق الناس بكل من آثره الله بموهبة جليلة أو اختصاص كريم. إن المرسلين يجب أن يكونوا بشراً مجانسين لنا حتى يمكن الاقتداء بهم والأخذ عنهم، بشراً يحسُون أشواقنا وآلامنا، ويتعرضون بأبدانهم وغرائزهم إلى الابتلاء والمجاهدة، كيف يتعلم البشر التسامي والتطهر من ملك نزل من السماء لن تكون له زوجة أو ولد، ولن يتعرض لما يضحك ويبكي. وقد طلب المشركون - ليؤمنوا - معجزة مادية قالوا: «فليأتنا بآية كما أرسل الأولون. ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون» إنهم لن يؤمنون ولو جاءتهم كل آية كما قال في سورة أخرى: «ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا إنما سُكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون» ( الحجر - 14: 15 ) ، وسينتهي العناد بهؤلاء إلى الهلاك. د. محمد يونس