اتفق الفقهاء على ان الكفاءة شرط في الزواج، فإن فقدت الكفاءة فمن حق الفتاة ان ترفض ومن حق الأولياء ان يرفضوا حتى لو تم الزواج وكانت الكفاءة متفاوتة وطلب الأولياء فسخ الزواج فسخه القاضي، وان كان الفقهاء اختلفوا فيما إذا كان الولي أبا أو غيره، إلا انهم متفقون على اشتراط الكفاءة وأهميتها مستدلين بأدلة كثيرة منها قول عمر رضي الله عنه «لايزوج النساء إلا الأولياء ولا تُنكحوهن إلا الاكفاء» أخرجه سعيد بن منصور. وهذا الخطاب من أمير المؤمنين لمن بيده عقدة النكاح ان ينظر إلى الكفء، وكذلك اخرج ابن أبي شيبة عن عثمان أمير المؤمنين رضي الله عنه ان رجلاً خطب امرأة من بني ليث فأبى أبوها ان يزوجها، فكتب إليه عثمان إن كان كفؤاً فزوجها، وأخرج عبدالرزاق عن عمر انه كان يشدد في الاكفاء، وانه كان يقول: «لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا من الاكفاء». وهذا بيان لمجتمعاتنا اليوم الذين أهملوا هذه القضية الخطيرة التي لا يشعرون بأهميتها مع ان فقدانها سبب في خراب بيوت كثيرة وسبب من أسباب الطلاق أيضا. فما هي الكفاءة التي بينها الفقهاء واشترطها أمير المؤمنين عمر وعثمان رضي الله عنهما، ولنلاحظ ان العاصمة الاسلامية ازدحمت في عصرهما والحرية اخذت مداها الواسع الذي لا حدود له. ان الكفاءة التي اشترطها الفقهاء هي الكفاءة الكاملة في النسب والشرف والمكانة الاجتماعية والمهنية العملية، نعم كل هذا اشترطه الفقهاء وفصلوه فقالوا: قريش بعضهم لبعض أكفاء، فلو اعترض القرشيون على زواج ابنتهم من قبيلة لاتساويهم شرفاً فإنهم يجب أن يسمعوا لهم، وإلا فالقاضي هو الذي يمنع هذا الزواج لأن الهاشمية الشريفة مثلا تربت على آداب وخلق قد لا توجد عند تلك القبيلة فلا يعرف هذا الزوج كيف يعامل تلك المرأة، وقد تتكبر عليه والتكبر منافٍ للزواج، ولذلك كان من أسباب فشل الزواج بين زينب رضي الله عنها وزيد بن حارثة ذلك التفاوت في النسب مع انه حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقال ان زواج رسول الله الله عليه وسلم بها لم يكن لذلك بل لإبطال التبني، ولكن نقول ان سبب الطلاق بين زيد وزينب رضي الله عنهما انها كانت تترفع على زيد في بعض الأحيان مما كان يضايق زيداً ويشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك المرأة الغنية التي عاشت في بيت غنيً وترف ورفاهية لا تستطيع ان تعيش في بيت فقير معدم، لأنها لن تعيش وحدها في الحياة، فأمها وأخواتها سيترددون عليها وترى فيهن النعمة التي تركتها فلا شك انها ستمل بعد سنة أو سنتين، ثم تبدأ المشاكل وقد لا تنتهي إلا بالطلاق، أما إذا ارادت هي ووافق أهلها فذلك شأنهم، لكن من حق المرأة الغنية ان ترفض الزوج الفقير، ومن حق الأغنياء ان يرفضوا الخاطب الفقير لأنه إذا عجز عن تلبية طلباتها والاستجابة لرغباتها وقد تكون أشياء مُلحة فإنها ستعيّره بامتناعه أو عجزه، ولن يحتمل منها ذلك، ولو احتمله مرات فلن يحتمله العمر كله، ولو ان الظروف تغيرت ووجد طريقاً إلى الغنى وتغير حال أهلها فإن الكارثة محتم وقوعها، وهو انقلاب الوضع وسوف يعيرها هو ويفخر عليها بأن العاقبة له، وان أهلها لم يتغير بهم الحال إلا لخلل فيهم وتبدأ المشاكل وقد لا تنتهي إلا بالطلاق أو ان تعيش ذليلة وأيما ذل لأن الذل الحقيقي هو الذي يأتي بعد عز. ونفس الشيء إذا كانت بنت موظف كبير ذي مكانة عالية فإنها ستترفع عليه، وقد تقدم في أول حديثنا عن البيت السعيد ان ذلك قد ينقلب على أحد الزوجين فيضر ولا ينفع، وكذلك مثلاً لو كان بنت صائغ أو عطار وكان ابن زبال فإنها تكون قد تربت على عادات وآداب وأخلاق لم تألفها، وطعام لا تحبه، وتقشف لم تتعود عليه، فإن صرحت له بذلك قتلت كبرياءه، وإن رآها تتمعض دون ان تتكلم تجرح كرامته وتؤثر في نفسه. ونحن هنا لا نمنع الكفاح في الحياة، ولا نقف حائلاً في وجه الفقير ان يحلم وان يحب الزواج من بنات الأغنياء، فإذا أحبته فلتذهب معه وليكافحا، ولكن هذا نسبة قليلة، فلقد رأينا هذا منذ عهد قريب عندما ذهبت البنت إلى الجامعة وجلست بجانب الشاب ونشأ بينهما حب واتفاق وقاومه أهلها، وهرب معها أو هي التي أجبرت أهلها على الموافقة، لقد رأينا مئات من هذه الحالات انتهت بالفشل الذريع وانقلب الحب إلى ملل، وانقلب الملل إلى عداوة وركضت العداوة إلى قاعات المحاكم، وفي حالات الهرب انتهت إلى قبر أو سجن. نعم إذا وثق الغني بشاب فقير أحب ابنته أو كان الفقر لم يؤثر على شخصيته، وكان لشخصيته مقومات النجاح، فإن الاسلام والقضاء لا يعترضان على مثل هذا الزواج، ولا يجيب القاضي الأولياء إلى فسخ النكاح، لأنه غالباً سيكون بيتاً سعيداً.