قام الباحثون في مجال السرطان باجراء العديد من الدراسات العلمية والتي تصل في مجموعها إلى مئتين وستة دراسات وبائية استقصائية على البشر واثنتين وعشرين دراسة علمية على الحيوانات، وأظهرت معظم هذه الدراسات وجود العلاقة العكسية المباشرة ما بين استهلاك الخضروات والفواكه والاصابة بأمراض السرطان في مواقع الجسم المختلفة حتى غدت هذه العلاقة حقيقة علمية مقررة، خاصة في أنواع السرطان التي تصيب كلاً من المعدة والمريء والرئة وتجويف الفم والبلعوم وبطانة الرحم والبنكرياس والقولون. وفيما يلي استعراض لأهم السرطان التي يرتبط منعها بزيادة الاستهلاك من الخضروات والفواكه. سرطان المعدة: اظهرت جميع الدراسات المقارنة ان استهلاك الخضروات الطازجة والورقية بشكل متكرر يرتبط ارتباطاً مباشراً بمنع الاصابة بسرطان المعدة «وهو النوع الأكثر انتشاراً في العالم» وبدرجة أقل، فقد وجد ان تناول الحمضيات ثم الزنبقيات «الثوم والبصل والكراث» يساعد على التقليل من الاصابة بالسرطان. سرطان القولون: أظهرت معظم الدراسات ان الخضروات بشكل عام «الطازجة وغير الطازجة والورقية» تساعد على التقليل من اصابة الانسان بسرطان القولون، ذلك انها تزيد من سرعة مرور عضلات الأغذية المهضومة من خلال جيوب الأمعاء «وهو ما يعرف بداء الأمعاء الردبي» ويقلل كذلك من فرصة الاصابة بسرطان القولون. سرطان المريء: بينت جميع الدراسات العلمية التي استخدمت الخضروات بشكل عام والورقية منها والبندورة بشكل خاص، بالاضافة إلى الحمضيات، ان الاستهلاك المنتظم لهذه الأطعمة يساعد على منع حصول السرطان في تلك المنطقة من الجسم، وأظهرت ان خضروات الفصيلة الزنبقية ليس لها أي دور في منع هذا النوع من السرطان. سرطان الرئة: يعد سرطان الرئة أحد أكثر أنواع السرطان التي تسبب حالات الوفاة في الولايات المتحدة في كل من الرجال والنساء، وقد بينت الدراسات التي أجريت هناك ان تناول الخضروات الورقية والبندورة بشكل خاص يحد بشكل واضح من فرص التعرض لهذا النوع من السرطان، كما بينت ان الجزر يساعد، ولكن بدرجة أقل على الحد من الاصابة به. ولعل أهم الأسباب التي توضح هذه العلاقة ان المدخنين في الغالب «وهم يشكلون غالبية المصابين بسرطان الرئة» هم اقل استهلاكاً لهذه الأصناف من الأغذية من سواهم، وذلك بسبب ضعف شهيتهم وقلة اقبالهم على تناول الطعام، وقد يعزى السبب كذلك إلى دور التدخين في تثبيط أو ابطاء مفعول العوامل المانعة للسرطان والتي تتوافر في مثل هذه الأغذية. سرطان المريء وتجويف الفم والبلعوم: تعد الخضروات الورقية والحمضيات من أهم الأغذية النباتية التي تقي من الاصابة بهذه الأنواع من السرطان، كما بينت الدراسات ان الجزر يلعب دوراً لا يقل أهمية عن الأغذية سالفة الذكر، بل ان دوره يفوق دور أي نوع آخر من الخضروات والفواكه في الوقاية من هذا السرطان. سرطان القولون: تعد نباتات الفصيلة الصليبية مثل الزهرة والملفوف واللفت والفجل والخردل من أهم الخضروات التي تقي من الاصابة بهذا النوع من السرطان، كما تساهم الفواكه الحمضية والجزر في التقليل من فرص الاصابة به، وهي تأتي في المرتبة الثانية بعد نباتات الفصيلة الصليبية في الحد والوقاية منه. سرطان الثدي: يعد سرطان الثدي أكثر أنواع السرطان شيوعاً عند النساء في الولايات المتحدة وثاني أكبر مسبب لحالات الوفاة بين أنواع السرطان المختلفة، وتشير الدراسات إلى ان هناك علاقة عكسية واضحة ما بين استهلاك الخضروات الورقية والجزر والفواكه والاصابة بهذا النوع من السرطان. سرطان البنكرياس: أوضحت غالبية الدراسات التي أجريت على المرضى المصابين بسرطان البنكرياس ان الخضروات والفواكه تسهم وبدرجة كبيرة في الحد من الاصابة بهذا النوع من السرطان. سرطان غدة البروستات: يعد هذا النوع من السرطان استثناء من بين أنواع السرطان التي لا علاقة لها بتناول الخضروات والفواكه، حيث أظهرت جميع الدراسات العلمية المتعلقة بهذا الشأن ان استهلاك الخضروات والفواكه لم يكن له أي دور في الحد من تطور هذا المرض. وباستعراض هذه النتائج يتبين لنا ان الخضروات الطازجة والورقية منها بشخص خاص تعد من أكثر أنواع الأغذية النباتية ذات التأثير الواقي من الاصابة بأنواع السرطان المختلفة، فقد أظهرت 85% من الدراسات التي أجريت في هذا المجال ان لها تأثيراً مباشراً في الوقاية من الاصابة بالسرطان في مواقع الجسم المختلفة، وتأتي نباتات الفصيلة الزنبقية في المرتبة الثانية والجزر في المرتبة الثالثة فنباتات الفصيلة الصليبية رابعاً وأخيراً الفواكه وخاصة الحمضيات في المرتبة الخامسة. ولكن إلى أي مدى يمكن للخضروات والفواكه ان تحد من الاصابة بأمراض السرطان؟ وهل يعني التناول اليومي والمنتظم للخضروات والفواكه الطازجة منع تطور وحدوث أمراض السرطان بشكل مطلق؟ والجواب هو ان الخضروات والفواكه لا تمنع تماماً من ظهور هذه الأمراض، لكنها في الحقيقة تقلل من فرصة الاصابة بالمرض بمقدار النصف أو أكثر قليلاً، وهذا الدور يبقى دوراً هاماً وحيوياً حتى ولو توقفت عند هذا الحد، وقد تبادر إلى الذهن سؤال آخر، وهو: كيف تقوم الخضروات والفواكه بمنع الاصابة بالسرطان؟ وما هي المكونات التي تساعد على القيام بهذا الدور؟ والجواب ان التأثير الوقائي للخضروات والفواكه يعزى أساسا إلى احتوائها على مجموعة من المركبات الكيميائية التي تتوافر فيها بكميات تكفي للحد من تطور ونمو الخلايا السرطانية، حيث تمتاز كل مجموعة من أصناف الخضروات والفواكه باحتوائها على مركبات معينة تعطيها القدرة على منع السرطان، ومن الأمثلة على ذلك: نباتات الفصيلة الصليبية: وتمتاز باحتوائها على كميات كبيرة من مركبات تدعى الدايثيول ثيونات والايثوثيوسيانات، وهي مركبات عضوية كبريتية تعمل على زيادة فعالية الانزيمات المحطمة للمواد المسرطنة والمركبات الغريبة الوافدة إلى الجسم، كما تشتمل على مركبات اندول 3 كاربونيل، والتي تؤثر على استقلاب وأيض الاستروجين لدى الانسان، بحيث ينتج عن ذلك انتاج مركبات تحمي من الاصابة بأنواع السرطان المرتبطة بالاستروجين مثل سرطان الثدي وبطانة الرحم لدى النساء. نباتات الفصيلة الزنبقية: تمتاز باحتوائها على مركبات كبريتية مثل الداياليل سلفايد والاليل ميثيل ترايسلفايد، وهي مركبات تعمل على زيادة فعالية وتنشيط الانزيمات المحطمة للسموم والمسرطنة، ولها تأثير مضاد لأنواع البكتيريا التي تساعد على انتاج المواد المسرطنة، وذلك من خلال منع التحويل البكتيري للنيترات الى نيتريت في المعدة ومن ثم التقليل من كمية النيتريت اللازمة للتفاعل مع المركبات الأمينية الثانوية الضرورية لانتاج مركبات النيتروزو أمينات إذ يعتقد ان لها تأثيرا مسرطناً بالأخص على المعدة. الحمضيات: تتميز الحمضيات باحتوائها على كميات كبيرة من حامض الاسكوربيك «فيتامين ج» والذي يحمي جدر الخلايا والمادة الوراثية فيها من عمليات التأكسد الضارة نظراً لطبيعة الحامض التي تؤهله للعمل كمانع للتأكسد، كما يعتقد ان لفتامين «ج» دوراً في منع الاصابة بالسرطان من خلال قدرته على ربط وتقليل النيتريت ومن ثم التقليل من فرصة تكوين النيتروز أمينات المسرطنة كذلك فإن الحمضيات تحتوي على مركبات الكومارين والليمونين، والتي تعمل على تنشيط انزيمات الجلوتاثيون ترانسفيريز المحطمة للمركبات المسرطنة. الخضروات الورقية: تحتوي على مركبات الليوتين، وهي مركبات كاروتينية تعمل كمانعة للتأكسد ولها القدرة على ربط الجذور الحرة التي تتسبب في النموات السرطانية، وتعد الخضروات الورقية مصادر غنية بحامض الفوليك، وهو فيتامين ضروري لتصنيع الأحماض النووية والمادة الوراثية في الخلية، حيث يؤدي نقص هذا الحامض إلى تحطيم الكروموسومات في المواقع التي يعتقد انها محل للنموات السرطانية. الخضروات والفواكه الصفراء: مثل الجزر والبطاطا الحلوة والقرع واليقطين والمانجو والبابايا والشمام، وهي تحتوي على كميات وافرة من مادة البيتا كاروتين التي تعمل كمضادات للتأكسد وعلى حماية الخلايا من التأثير الضار الذي تحدثه الجذور الحرة، كما ان قابلية البيتا كاروتين للتحول إلى فيتامين «أ» أكسبها قدرة اضافية على الحد من النمو السرطاني، لما يقوم به فيتامين «أ» من دور في عمليات الانقسام والتمايز للخلايا الطلائية «الابثيلية» وذلك ان الخلايا السرطانية تتميز باضطراب في هذه الانقسامات واختلالها. وبالاضافة إلى ذلك فإن الخضروات الصفراء تحتوي على كميات من ألفا كاروتين والتي تقوم بدور مماثل للبيتا كاروتين ولكن بكفاءة أقل. ولا يقتصر تأثير الخضروات والفواكه المضاد للسرطان على احتوائها للمركبات سالفة الذكر، بل ان هنالك مجموعة من المركبات والعناصر الكيميائية التي تقوم بهذا التأثير المضاد، وهي تتوزع على أنواع شتى من الخضروات والفواكه دون ان تنحصر في نوع واحد منها، ومثال ذلك: السيلينيوم: وهو عنصر معدني أساسي للجسم يحتاجه بكميات قليلة جداً (100 ميكروجرام/يوم)، ويتواجد في الخضروات والفواكه بكميات قليلة (أقل من 0.1 ميكروجرام/ جرام) ويتباين محتوى الأغذية النباتية عموماً من هذا العنصر تبعاً لمحتوى التربة منه، وتبرز أهمية السيلينيوم في الوقاية من أمراض السرطان خلال الدور الذي يقوم به كمرافق للانزيم «جلوتاثيون بيروكسيداز» والذي يعد أحد وسائل الدفاع على الجسم، إذ يحمي جدار الخلايا الحية من تأثير الجذور الحرة المؤكسدة وهي من أهم مسببات النمو السرطاني، ويعزى التأثير المضاد لللسرطان إلى قدرة هذا العنصر على التأثير في أيض المواد المسرطنة ومن ثم منع تفاقم خطرها، ولعل طبيعة العلاقة التعاونية بين عنصر السيلينيوم وفيتامين «ه» «التوكوفيرول» تسهم في ايضاح وتفسير التأثير الحيوي للسيلينيوم، إذ يعمل فيتامين «ه» على حماية الأحماض الدهنية عديدة اللااشباع الموجودة في جدر الخلايا الحية من عمليات الأكسدة، كما يعتقد ان للتوكوفيرولات دوراً في التقليل من تكون مركبات النيتروزوامينات التي تسبب سرطان المعدة. الفلافونويدات: وهي مركبات عديدة الفينولات وتعمل على منع تأكسد الخلايا الحية، وهي تتوافر بكميات جيدة في الخضروات والفواكه، وبخاصة أوراق الشاي وتعمل هذه المركبات على طرد المواد المسرطنة من داخل الخلايا وتحطيمها ومن ثم حماية هذه الخلايا من خطر السرطان. الألياف الغذائية: تعد الخضروات والفواكه والبقوليات من أهم مصادر الألياف الغذائية والتي يعتقد ان لها دوراً مهماً في الوقاية من سرطان القولون، إذ تعمل الالياف الغذائية على زيادة حجم البراز وتسريع مرور الفضلات الغذائية من الأمعاء وتقليل فترة مكوثها فيها ومن ثم التقليل من فرصة التفاعل ما بين المواد المسرطنة والخلايا الطلائية المبطنة لجدر الأمعاء. ويعتقد كذلك ان هذه الألياف ترتبط بالمواد المسرطنة وأحماض الصفراء وتسهل طرحها خارج الجسم فضلاً عن ذلك فإن لبعض الألياف الغذائية قابلية التخمر في القولون بفعل بعض أنواع البكتيريا منتجة بذلك أحماضاً دهنية قصيرة السلسلة مثل حامض البيوتريك، والذي يعتقد ان له تأثيراً مضاداً للسرطان من خلال زيادة حموضة القولون ومن ثم تقليل فرص تكون بعض المواد المسرطنة. ان أهمية الخضروات والفواكه لا تنبع من مجرد كونها عوامل مساعدة على الوقاية من الاصابة بأمراض السرطان، بل ان هناك مجموعة من الفوائد الصحية المثبتة علميا والتي يجنيها الانسان من تناول هذه الأغذية، فالألياف الغذائية الموجودة في الخضروات والفواكه تساعد على تنظيم سكر الدم لدى المرضى المصابين بالسكري، كما تساعد على خفض كوليسترول الدم المرتفع وتمنع حدوث داء الامعاء الردبي، كما ان المواد المانعة للتأكسد التي تحويها الخضروات والفواكه مثل فيتامين ج وفيتامين هـ والكاروتينات وغيرها، تساعد على تنظيم ومنع ارتفاع ضغط الدم وتنظيم عمل عضلة القلب ومن ثم الحد من خطر الاصابة بأمراض القلب والشرايين. وأخيرًا فإن المحتوى المنخفض من الدهون والطاقة في الخضروات والفواكه يساعد على التقليل من خطر السمنة كما يساعد المصابين بها على التخفيف من حدتها. وعلى الرغم من كل الفوائد الصحية التي يجنيها الانسان من تناول الخضروات والفواكه إلا ان الافراط في تناولها يعد مصدراً للكثير من المشاكل مثل نقص البروتين والطاقة ونقص العناصر المعدنية كالحديد، إذ انه لابد من الحكمة والحذر من تناولها لتجنب بعض المضار والمشاكل الصحية التي قد تترتب على تناولها، ذلك ان تناول الخضروات والفواكه يعد من أهم وسائل التسمم بالمبيدات الزراعية، والتي يعتقد ان ثلثيها يحتوي على مواد سامة ومسرطنة، الأمر الذي يوجب على المستهلك الحرص وغسلها جيداً قبل الأكل، ومن بين المشكلات التي قد تترتب على الاستعمال غير الصحي للخضروات والفواكه التسمم بالأفلاتكوسينات، إذ تنتج هذه السموم الفتاكة بواسطة الأحياء الدقيقة الموجودة على بعض المحاصيل، والتي تقوم بانتاج هذه السموم في حال غياب ظروف التخزين الصحية والسليمة. وتعتبر الخضروات المخللة أحد مصادر الخطر اذ ثبت علمياً ان الزيادة في استهلاكها يرتبط بزيادة فرص الاصابة بالسرطان، بخلاف ما عليه الحال بالنسبة للخضروات والفواكه الطازجة، وختاما فإننا نضع بين يديك بعض النصائح والارشادات التي تعين على زيادة تناول هذه الأغذية الصحية لتساعد في الوقاية من أمراض السرطان: 1ـ تنويع الخضروات والفواكه التي تتناولها في غذائك اليومي. 2ـ اعمل على مضاعفة الحصص المتناولة من الخضروات والفواكه. 3ـ تناول الخضروات والفواكه كوجبات خفيفة بين الوجبات الرئيسية. 4ـ اشرب عصير الفواكه أو الخضروات الطازجة بدلاً من المشروبات الأخرى. 5ـ استعمل سلطة الفواكه كحلوى بدلاً من الحلويات. 6ـ اكثر من تناول وجبة الطعام النباتية دون الافراط بها على حساب الأغذية الحيوانية. 7ـ تناول المعجنات والمخبوزات التي تحوي الفواكه مثل فطائر التفاح أو المشمش أو الموز. معز الاسلام عزت فارس ـ دبي