هو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وأمه سلامة البربرية أم ولد. بويع بالخلافة بعهد من أخيه وكان أكثر بني العباس هيبة وشجاعة وحزماً ورأيا وجبروتاً جماعاً للمال تاركاً اللهو واللعب كامل العقل جيد، المشاركة في العلم والأدب فقيه النفس قتل خلقاً كثيراً حتى استقام ملكه وهو الذي ضرب أبا حنيفة رحمة الله على القضاء ثم سجنه فمات بعد أيام وقيل: إنه قتله بالسم لكونه أفتى بالخروج عليه وكان فصيحاً بليغاً مفوهاً خليقاً للإمارة وكان غاية في الحرص والبخل فلقب «أبا الدوانيق» لمحاسبته العمال والصناع على الدوانيق والحبات.أخرج الخطيب وابن عساكر وغيرهما من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: منا السفاح ومنا المنصور ومنا المهدي قال الذهبي: إسناده صالح. وأخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عن محمد بن جابر عن الأعمش عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «منا القائم ومنا المنصور ومنا السفاح ومنا المهدي فأما القائم فتأتيه الخلافة ولم يهرق فيها محجمة من دم وأما المنصور فلا ترد له راية وأما السفاح فهو يسفح المال والدم وأما المهدي فيملؤها عدلاً كما ملئت ظلماً». وعن المنصور قال: رأيت كأني في الحرم وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة وبابها مفتوح فنادى مناد: أين عبد الله ؟ فقام أخي أبو العباس حتى صار على الدرجة فأدخل فما لبث أن أخرج ومعه قناة عليها لواء أسود قدر أربعة أذرع ثم نودي: أين عبد الله ؟فقمت على الدرجة فأصعدت وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وبلال فعقد لي وأوصاني بأمته وعمني بعمامتة فكان كورها ثلاثة وعشرين وقال: خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة. تولى المنصور الخلافة في أول سنة سبع وثلاثين ومئة فأول ما فعل أن قتل أبا مسلم الخراساني صاحب دعوتهم وممهد مملكتهم. وفي سنة ثمان وثلاثين ومئة كان دخول عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي إلى الأندلس واستولى عليها وامتدت أيامه وبقيت الأندلس في يد أولاده إلى بعد الأربعمائة وكان عبد الرحمن هذا من أهل العلم والعدل وأمه بربرية ، قال أبو المظفر الأبيوردي: فكانوا يقولون: ملك الدنيا ابنا بربريتين: المنصور وعبد الرحمن بن معاوية. وفي سنة أربعين شرع في بناء مدينة بغداد وفي سنة إحدى وأربعين كان ظهور الراوندية القائلين بالتناسخ فقتلهم المنصور وفيها فتحت طبرستان. وفي سنة ثلاث وأربعين شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنف ابن جريج بمكة ومالك الموطأ بالمدينة والأوزاعي بالشام وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة ومعمر باليمن وسفيان الثوري بالكوفة وصنف ابن إسحاق المغازي وصنف أبوحنيفة رحمه الله الفقه والرأي ثم بعد يسير صنف هشيم والليث وابن لهيعة ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب وكثر تدوين العلم وتبويبه ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة.وفي سنة خمس وأربعين كان خروج الأخوين محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فظفر بهما المنصور فقتلهما وجماعة كثيرة من آل البيت فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكان المنصور أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين وكانوا قبل شيئاً واحداً وآذى المنصور خلقاً من العلماء ممن خرج معهما أو أمر بالخروج قتلاً وضرباً وغير ذلك منهم: أبو حنيفة وعبد الحميد بن جعفر وابن عجلان وممن أفتى بجواز الخروج مع محمد علي المنصور مالك بن أنس رحمه الله وقيل له: إن في أعناقنا بيعة للمنصور فقال إنما بايعتهم مكرهين وليس على مكره يمين. وفي سنة ست وأربعين كانت غزوة قبرس ، وفي سنة سبع وأربعين خلع المنصور عمه عيسى بن موسى من ولاية العهد وكان السفاح عهد إليه من بعد المنصور وكان عيسى هو الذي حارب له الأخوين فظفر بهما فكافأه بأن خلعه مكرهاً وعهد إلى ولده المهدي. وفي سنة ثمان وأربعين توطدت الممالك كلها للمنصور وعظمت هيبته في النفوس ودانت له الأمصار ولم يبق خارجاً عنه سوى جزيرة الأندلس فقط فإنها غلب عليها عبد الرحمن بن معاوية الأموي المرواني لكنه لم يتلقب بأمير المؤمنين بل بالأمير فقط وكذلك بنوه ، وفي سنة تسع وأربعين فرغ من بناء بغداد. وفي سنة خمسين خرجت الجيوش الخراسانية عن الطاعة مع الأمير أستاذ سيس واستولى على أكثر مدن خرسان وعظم الخطب واستفحل الشر واشتد على المنصور الأمر وبلغ ضريبة الجيش الخراساني ثلاثمائة ألف مقاتل مابين فارس وراجل فعمل معهم أجشم المروزي مصافاً ، فقتل أجشم واستبيح عسكره فتجهز لحربهم خازم بن خزيمة في جيش عرمرم يسد الفضاء فالتقى الجمعان وصبر الفريقان وكانت وقعة مشهورة يقال: قتل فيها سبعون ألفاً وانهزم أستاذ سيس فالتجأ إلى جبل وأمر الأمير خازم في العام الآتي بالأسرى فضربت أعناقهم وكانوا أربعة عشر ألفاً ثم حاصروا أستاذ سيس مدة ثم سلم نفسه فقيدوه وأطلقوا أجناده وكان عددهم ثلاثين ألفاً. ومن أخبار المنصور: أنه كان يرحل في طلب العلم قبل الخلافة فبينا هو يدخل منزلاً من المنازل قبض عليه صاحب الرصد فقال: زن درهمين قبل أن تدخل قال: خل عني فإني رجل من بني هاشم قال: زن درهمين فقال: خل عني فإني من بني عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: زن درهمين قال: خل عني فإني رجل قاريء لكتاب الله قال: زن درهمين قال: خل عني فإني رجل عالم بالفقه والفرائض قال: زن درهمين فلما أعياه أمره وزن الدرهمين فرجع ولزم جمع المال والتدنق فيه حتى لقب بأبي الدوانيق. وأخرج عن الربيع بن يونس الحاجب قال: سمعت المنصور يقول: الخلفاء أربعة أبو بكر ، وعمر، وعثمان ، وعلي والملوك أربعة: معاوية، وعبد الملك، وهشام وأنا. وأخرج عن مالك بن أنس قال: دخلت على أبي جعفر المنصور فقال: من أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت: أبو بكر وعمر قال: أصبت وذلك رأى أمير المؤمنين. وأخرج عن إسماعيل الفهري قال: سمعت المنصور في يوم عرفة على منبر عرفة يقول في خطبته: أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه ورشده وخازنه على فيئه أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه وقد جعلني الله عليه قفلاً إذا شاء أن يفتحني لإعطائكم وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني فارغبوا إلى الله أيها الناس وسلوه في هذا البيت الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ماأعلمكم في كتابه إذ يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) «المائدة:3» أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم ويفتحني لأعطائكم وقسم أرزاقكم بالعدل فإنه سميع مجيب.