الدراسات التي تناولت الاعجاز القرآني كثيرة ومنها هذه الدراسة التي وردت في كتاب الاعجاز القرآني في مجال الاقتصاد.. المنظومة المعرفية لآيات الربا في القرآن الكريم جاءت على شكل معجزة وقد استخدم المؤلف في دراسته التي وردت في الكتاب اسلوبا منهجيا اعتبر أن موضوع الربا هو محور الارتكاز، ودرست الآيات السابقة عليه والتالية له على أنها إطار لهذا الموضوع الارتكاز ومن هنا فالكتاب لا يستهدف تقديم دراسة فقهية عن الربا تعريفه، أنواعه وحكمه، والمعاملات الحديثة التي دار حولها خلاف فقهي من حيث كونها ربوية أم لا، ولكنه يهدف فقط اكتشاف المنظومة المعرفية للربا في القرآن الكريم. وقد ذكر الربا في القرآن في أربع سور الروم والنساء وآل عمران والبقرة، وقد جاء ذكر الربا في سورة النساء في آيتين 169،160 يقول الله سبحانه وتعالى: «فيظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا، وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل واعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما»، وتحكي الآيتان عن اليهود وهم قوم عرفوا على طول التاريخ بأنهم يتعاملون بالربا، بل يسعون لنشره وتدعيم التعامل به، وقد خصهم القرآن بأنهم يتعاملون بالربا وهذه معجزة لها اثباتها التاريخي في الماضي، ولها اثباتها كذلك في واقع الاقتصاديات المعاصرة، وقد جمعت الآية 161 بين الربا وأكل أموال الناس بالباطل كما أنه يستنتج من الآيتين أن الربا قرين الظلم والآثار السيئة التي ترتب عليهما واحدة والعقاب عليهما متماثل، كما جمعت الآيتان بين الصد عن سبيل الله والتعامل بالربا وهذا الجمع يفيد التجريم القوي والعنيف للتعامل بالربا، ذلك أن الصد عن سبيل الله تجريمه واضح ويكون جمع التعامل بالربا معه في سلة واحدة لبيان درجة التجريم في هذا التعامل الربوي، ويترتب على ذلك عقوبتان الأولى في الدنيا وتتمثل في تجريم طيبات كانت حلالا لهم، والعقوبة الثانية في الآخرة وهي العذاب الاليم. وقد تبين الدراسة التي قام بها المؤلف وعرفها في كتابه أن السياق الذي جاء فيه موضوع الربا في القرآن يبدأ باطار عقيدي، وهو ما يعني أن العقيدة تمثل الأمر الحاسم والمسيطر وهو مثل الاطار الذي ضم داخله الأطر الأخرى التي أحاطت بآيات الربا، كما ضم في داخله أيضا آيات السياق الداخلي، وكل آيات الربا التي وردت في القرآن الكريم جاءت محاطة بدائرة عقيدية والأمر على هذا النحو هو دليل على الفكرة القائلة بأن أمور الاسلام كلها تنطلق بداية من العقيدة، هذا الاكتشاف الرائع لحاكمية العنصر العقيدي وللترتيب الذي جاءت فيه السور التي تناولت الربا يثبت أن المنظومة المعرفية لآيات الربا في القرآن جاءت على نحو معجز في صياغتها وفي الموضوعات التي ربطت أو ربط بها الربا، وفي ترتيب هذه الموضوعات، أن الأمر كله جاء فوق طاقة العقل البشري، وإنما كل عمل العقل البشري في هذا المجال هو محاولة أن يتفهم هذه المنظومة على النحو الذي جاءت فيه، فمثلا عند مناقشة آية الربا في سورة الروم تبين أن الاطار الذي يحيط به يظهر فيه العنصر العقيدي بتركيز ووضوح شديدين، وفي سورة آل عمران العنصر العقيدي موجود في كل ثنايا الاطار الذي أحاط بآيات الربا، وفي سورة البقرة العنصر العقيدي متضمن في الآيات كلها، إلا أن الاطار الذي يحيط بآيات الربا له ثلاثة مستويات مكانية، الاطار الملاصق مباشرة وطبيعته الظاهرة اقتصادية تشريعية، الاطار الثاني يتداخل فيه العنصر العقيدي والاقتصادي، أما الاطار الثالث فيخلص بالكامل للعنصر العقيدي. ويوجد العنصر الاقتصادي في الأطر المحيطة بآيات الربا في السور السابقة، والصورة العامة لهذا العنصر في آيات الربا تجمع على أنه يظهر بشكل مفصل في سورة الروم في مستويين أو اطارين، الاطار الأول الملاصق مكانيا لآيات الربا، ثم في الاطار التالي له مباشرة، وفي سورة البقرة جاء العنصر الاقتصادي في اطارين بنفس الترتيب، ولذلك وبالنظر الى المنظومة المعرفية العامة لآيات الربا في القرآن من حيث الموضوع الذي جاء فيه العنصر الاقتصادي تشيع كل شروط التناسق والانسجام والتآلف والتناغم وكل ما يمكن قوله عن وحدة الصياغة بين آيات الربا في القرآن أن هذا يعطي نتيجة مؤكدة هي أن هذا التناسق والتوحد في الصياغة يجعل من آيات الربا وبالأطر التي أحاطت بها أنها قد جاءت منظومتها المعرفية بشكل معجز كما أجمعت الصورة العامة للعنصر الاقتصادي في آيات الربا على أن التشريعات الاقتصادية التي جاءت بآيات الربا أو بالأطر المحيطة بها تشتمل على ثلاثة تشريعات الأول خاص بالتكافل، والثاني بتوثيق الدين، والثالث خاص بالزكاة. أما التشريع الخاص بالتكافل الاجتماعي وجاء في السور الثلاث الروم وآل عمران والبقرة، والتكافل بين المسلمين بدأ منذ اللحظة الأولى للاسلام واستمر ما بقي اسلام ومسلمون، والتشريعات العاملة على التكافل بين المسلمين في آيات الربا وفي الاطار المحيط بها تتضمن تشريعين الزكاة والصدقة الاختيارية وقد وردت الزكاة بالمعنى الاصطلاحي في سورة البقرة وحدها وقد وردت مجرد اشارة عابرة، وهي تمثل التشريع الرئيسي والأساسي والفعال في مجال التكافل بين المسلمين، وهي ركن من أركان الاسلام وهي التشريع المالي الأول والرئيسي للعمل على التكافل، ومجيء اشارة عابرة عن الزكاة في السياق الداخلي لآيات الربا في سورة البقرة هو للتذكير بأنها من أدوات التكافل الاجتماعي لمجتمع يخاطب بتحريم الربا، وهو المجتمع الأحوج لذلك، أي أن الزكاة كان المقصود بها في هذا السياق هو هذا الأمر وفهم الأمر على هذا النحو يمكن من القول بأن المنظومة المعرفية لآيات الربا في القرآن الكريم قد صيغت بحيث راعت الموضوعات اللازمة ودرجة التفضيل فيها وذلك على أدق ما يكون الأمر، وهذا وجه من وجوه الاعجاز. القاهرة ـ مكتب «البيان»: