روى الامام مسلم بسنده عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب فقال: «يأيها الناس انما أهلك الذين قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه، واذ سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». قبل أن نتناول هذا الحديث بالبيان والتحليل نشير هنا ـ في ايجاز ـ الى أن الاسلام قد حرص على استتباب الأمن، ونشر أسباب الوقاية من الاجرام والطغيان، قبل اصدار قوانينه الخاصة بالعقاب، وذلك بالأمر «بالعمل» ليشتغل كل انسان بعمله، فلا يبقى هناك مجال للتفكير في العدوان الذي ينتج عن البطالة ـ كما كفل الاسلام حقوق الناس جميعا على مختلف طبقاتهم، فقرر العدل والتواصى بالحق وقرر مساعدة المحتاجين الذين لايجدون عملا ولايستطيعون العمل فأشرقت من تعاليم الاسلام أسمى مباديء الانسانية الرحيمة في التضامن الاجتماعي، إخمادا لثورة الغضب والانتقام التي يكون مبعثها الشعور بالظلم. بعد ذلك لم يبق للانسان من عذر في العدوان، فاذا تمت كفالة حقوقه على هذا النحو السابق ثم اعتدى ومد يده، كان لابد من فحص حالته حتى لاتكون هناك شبهة فاذا ما ثبتت ادانته بعد ذلك فهذا دلالة على أنه قد التاثت فطرته، وعميت او تعامت بصيرته فلابد اذن من الحاق العقوبة به، واقامة الحد عليه، وقد استفاضت الأحاديث النبوية الشريفة في طلب الحدود بصورة تجعل المسلمين يبادرون الى اقامة شريعة الله، وتنفيذ حدوده التي شرعها. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم من امام عادل أفضل من عبادة ستين سنة، وحد يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين عاما» رواه الطبراني. وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أقيموا حدود الله في القريب والبعيد ولا تأخذكم في الله لومة لائم» رواه بن ماجه. كما أوضحت السنة الشريفة أثر ذلك بالنسبة للفرد والمجتمع وأنه ان لم نأخذ على يد الجاني يعم الهلاك، وان أخذنا على يديه نجا المجتمع. عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وان أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا» رواه البخاري والترمذي وغيره. والحديث الذي معنا، يرسي الرسول صلى الله عليه وسلم قاعدة أساسية في المساواة بين الناس، على ضوئها تحل مشكلة المحسوبية والتمييز العنصري، بتطبيق عملي حازم، لاتعرف الدنيا له مثيل، وبهذا نرى كيف كان للاسلام فضل السبق في إرساء قواعد الحق، وتطبيق المبادئ السامية التي لايفرق فيها بين إنسان وآخر. لاتمييز ولا محاباة، ولافضل إلا بالعمل الصالح قال الله تعالى: «يأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم». وقال تعالى: «يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم او الوالدين والأقربين إن يكن غنيا او فقيرا فالله أولى بهما فلاتتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعلمون خبيرا» وكان ورود هذا الحديث الشريف، يوم فتح مكة، عندما ارتكبت هذه المرأة المخزومية وهى فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد جريمة السرقة فرفع أمرها الى الرسول عليه الصلاة والسلام لاقامة الحد عليها لحماية الدين والنفس والمال والعرض، وهي الوسيلة الرادعة التي في ظلها يأمن الناس، ويرجع المجرمون عن اجرامهم، حين يعلمون أنهم لو ارتكبوا فاحشة، او اعتدوا على حق ما أقيمت عليهم الحدود، فينزجر كل باغ ويرجع عن بغيه خوفا من الحد، هذا بالاضافة الى أن الحد لايقام إلا بعد بيان أن ذلك الباغس قد نفذت كل الوسائل معه وأصبح يشكل خطرا داهما على المجتمع فلابد من استئصال شره وخطره. ويستنبط من هذا الحديث بعض الأحكام المهمة نوجزها فيما يأتى: أولا: المساواة بين جميع المسلمين، وأنه لافضل لأحد إلا بالعمل الصالح «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». ثانيا: محاربة الاسلام للتمييز العنصري والمحسوبية، ودعوته الى المساواة بين الشريف وغيره. ثالثا: أهمية الحدود ومنع الشفاعة فيها حتى ولو كان شريفا ومن أعلى الأسر، ففى الحديث «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه». رابعا: قال الامام النووى: «وقد أجمع العلماء على تحريم الشفاعة في الحد بعد بلوغه الى الامام.. وعلى أنه يحرم الشفاعة فيه، فأما قبل بلوغه الى الامام فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء اذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر او أذى .. واما المعاصي التي لاحد فيها وواجبها التعزير فتجوز الشفاعة والتشفيع فيها سواء بلغت الامام أم لا، فإنها أهون، ثم الشفاعة فيها مستحبة اذا لم يكن المشفوع فيه صاحب أذى وغيره. خامسا: في الحديث منقبة ظاهرة لأسامة رضي الله تعالى عنه. سادسا: في الحديث دليل لجواز الحلف من غير استحلاف أخذا من قوله صلى الله عليه وسلم: «وأيم الله لو أن فاطمة» وهذا مستحب اذا كان فيه تفخيم لأمر مطلوب. ـ رئيس جامعة الأزهر