هناك دعوة خبيثة شريرة يروجها بعض الملحدين المستكبرين عن عبادة الله فتجد هؤلاء يستغلون ما جاء به الدين نفسه من رد العبادة السطحية المرائية التي لا تنفذ الى القلب ولا تزكي النفس ولا تنهى عن فحشاء او منكر، يستغلون هذا ليقولوا: ان الغرض من الاديان وعقائدها وعباداتها انما هو! إصلاح النفس وتربية الضمير واستقامة الخلق فإذا وصلنا الى هذه النتيجة بأي وسيلة اخرى كالتهذيب النفسي المجرد والتربية الخلقية المدنية فلسنا بحاجة الى العبادة والشعائر والصلوات والمناسك فإنما هذه وسائل لا غايات وقد انتهينا الى الغاية التي يريدها الله منا فما تشبثنا بالوسيلة وما حاجتنا اليها؟ هذه هي الدعوة الجاحدة الماكرة التي ذهب اليها بعض المتفلسفين قديما وبعض المنحرفين حديثا وهي دعوة باطلة يراد بها باطل. أما انها دعوة باطلة فلأن العبادة المطلوبة لذاتها وغاية في نفسها بل هي ـ كما اوضح القرآن ـ مراد الله من خلقه المكلفين إنسا وجنا بل هي الغاية وراء خلق السماوات والأرض: «الله الذي خلق سبع سماوات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا ان الله على كل شيء قدير وان الله قد احاط بكل شيء علما». «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون». والمقصود الأول من العبادة هو اداء حق الله عز وجل والمقصود بالعبادة أن يعرف الانسان نفسه فقيرا لا حول له ولا قوة إلا بربه ولا اعتماد إلا عليه ولا قيام له بذاته ويعرف ربه عليا كبيرا غنيا عن العالمين: «يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز». واظهار العبودية لرب العالمين وامتثال امره سبحانه فيما تعبد به خلقه هو علة العبادات كلها من صيام وصلاة وزكاة وحج وتلاوة وذكر ودعاء واستغفار واتباع للشريعة والتزام بأحكام الحلال والحرام أما صلاح النفس وزكاة الضمير واستقامة الاخلاق فهي ثمرة لازمة للعبادة الحقة وليست علة لها لهذا قال تعالى: «اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون». «كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون». فالتعبير بـ لعل هنا يفيد الترجي ـ دون التعبير بلام التعليل او كي ـ يفيد ان العبادة او الصيام تجعلهم على رجاء التقوى وتعدهم لها. وحتى لو ذكر التعليل صريحا ما أفاد ذلك ترك العبادة اذا لم تؤد الى التقوى وانما تفيد اعادة النظر في العبادة واحسانها حتى تؤتي أكلها من تقوى الله وخشيته ولو فرضنا ان قلنا لفلاح: ازرع لتحصد فزرع ولم يحصد الحصاد المرجو لتقصيره في بعض ما كان واجبا عليه ان يرعاه لم يكن معنى ذلك ان نقول له: اترك الزرع والغرس مع ان مهنته التي لا وظيفة له غيرها وكل ما يقال له: ابذل جهدا اكثر ووف عملك حقه من الاتقان لتحصل على ثمرة افضل. وهذا ما أجاد به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ذكروا له قوما يصلون ولكنهم يقومون بأمور لا تليق بمن يقيم الصلاة فقال لهم: إن صلاتهم ستنهاهم! ولو ان انسانا صلى الصلوات الخمس او صام رمضان مثلا ولم يقصد في ذلك الا تزكية نفسه وتربية خلقه دون الالتفات الى حق الله عليه والقيام بواجب العبودية له جل شأنه ما كانت هذه الصلاة وذاك الصيام إلا عادة من العادات لا يؤبه لها في ميزان الحق ولا تحظى بذرة من القبول عند الله. ذلك ان للعبادة كما قال الامام الشاطبي مقصداً أصليا ومقاصد تابعة فالمقصد الاصلي فيها هو التوجه الى الله الواحد المعبود وافراده بالقصد اليه في كل حال ويتبع ذلك قصد التعبد لنيل الدرجات في الآخرة او ليكون من اولياء الله تعالى وما اشبه ذلك ومن المقاصد التابعة للعبادة صلاح النفس واكتساب الفضيلة فالصلاة مثلا اصل مشروعيتها الخضوع لله سبحانه وتعالى بإخلاص التوجه اليه والانتصاب على قدم الذلة والصغار بين يديه وتذكير النفس بالذكر له يقول تعالى: «وأقم الصلاة لذكري» ويقول سبحانه: «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر». وكذلك سائر العبادات لها فوائد أخروية وهي العامة وفوائد دنيوية وهي كلها تابعة للفائدة الأصلية وهي الانقياد والخضوع.