فور وقوع أحداث الحادى عشر من سبتمبر بالولايات المتحدة سارع الغرب بتحريض من الصهيونية إلى الصاق تهمة الإرهاب للاسلام كدين وليس لمرتكبيه في محاولة رخيصة للتقليل من وجهه السمح وعدالته المطلقة، وانفتاحه على كل الأديان والثقافات بعيدا عن التعصب الأعمى، ويكفي الإسلام شرفا قول الله تعالى: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» وقد عرضت هموم عالمنا الإسلامي في ظل التطورات العاقبة الجديدة على الدكتور محمد زكى بدوى عميد الكلية الإسلامية بلندن وعضو لجنة الحوار بين الاديان والحوار في اغلبه يتناول سماحة الإسلام، وأنه بعيد عن التطرف والعنف وموقف الاسلام من الديانات الأخرى.. قال رغم ما يدعيه الغرب حاليا من أن حضارته تفوق الحضارة الإسلامية فإن الحقائق كلها تشير إلى دور الثقافة الاسلامية في ارساء دعائم الحضارة الغربية التي تتشدق بها في هذه الفترة، وتتهم الإسلام بالتخلف والجمود مع أن الغرب اخذ منا كل شئ وللأسف أغلب الدول الاسلامية الآن تنهل من ثقافة الغرب متناسين أن كلها مأخوذة عن الإسلام وحضارته، وقال إن الإسلام زاخر بالمبادئ والقيم السامية التي تؤهله للتعامل مع جميع الاديان والحضارات، وهناك مقومات اساسية للتعامل مع الواقع الجديد اهمها التعامل الاقتصادي الاسلامي وتطبيق التكنولوجيا والانفتاح على العالم والالتفات إلى ثقافة الاخرين والتعامل معهم بندية وقال إن الاعلام الغربى يركز في هذه المرحلة على تشويه صورة الاسلام السمحة مستغلين ما حدث في نيويورك وواشنطن. ـ الدكتور محمد زكى بدوى : هناك محاولات تستهدف عدم موضوعية الاسلام في التعامل مع الديانات الاخرى، ورفضه للحوار ما تعليقكم على ذلك؟ ـ هذا غير صحيح لأن الاسلام ينطلق في نظرته لغير المسلمين من مبدأ أساسي وهو وجود أمم اخرى وبالتالى لابد من تنظيم العلاقة مع تلك الامم والله يقول : يا أيها الناس إنا خلقتاكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير » وفي هذا تقرير بوجود التعدد بين الشعوب والقبائل وتقرير بقبول مبدأ المساواة بين البشر جميعا وتقرير بأن الافضلية عند الله بالتقوى. وفي إقرار الإسلام لمبدأ العدل والنظر إلى الأمم الأخرى أعطى لهذا المبدأ بعدا تاريخيا حين قرر أن جميع الأمم كان بها أنبياء، أليس هذا هو العدل؟ ففي سورة فاطر الآية 24 «إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير» ثم يتجلى العدل في قول العزيز الأحد في سورة الإسراء الآية 15 «من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا». وحتى يتضح الفرق بين الإسلام وغيره من العقائد نشير إلى أن نظرة الغرب تجاه وجود الأمم الأخرى تتشكل من نظرة دينية بعدم الاعتراف بالآخر تغلفها نظرة الرومان بتقسيم العالم إلى أهل بيزنطة وغيرهم، وتطبيق عدل ذي شقين أحدهما لأهالى بيزنطة والآخر للرعايا الآخرين هذه الازدواجية في الفكر لا يقرها الإسلام في حين يمارسها الغرب على أنها من المسلمات، ولم يفرق الإسلام بين المسلمين وغيرهم في اعمال العدل فنقرأ في التاريخ أن أمير المؤمنين علي بن أبى طالب كرم الله وجهه وجد درعه عند رجل نصرانى فاحتكما إلى شريح القاضي فحكم القاضى ضد أمير المؤمنين رغم أن الحق كان مع رأس الدولة نظرا لعدم وجود بينة معه، وما هي إلا خطوات خطاها النصراني بعد الحكم عاد بعدها ليقول «أمير المؤمنين يديننى إلى قاضيه فيقضي عليه أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله» الدرع درعك يا أمير المؤمنين» فأهدى عليا الدرع له، إن تطبيق العدل المطلق هو أساس الدولة التي يبنيها الإسلام مصداقا لقول الظاهر الباطن سبحانه وتعالى في سورة النساء في الآية 58 «إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» إن رسالة الإسلام هي العدل المطلق وبها يتيه على غيره من الأديان السماوية ناهيك عن الأديان غير السماوية، ومن خلال نصوص كتبهم المقدسة، والعدل يسوى بين جميع افراد الأمة مسلمين وغير مسلمين ، وللاسلام أن يتيه فخرا بنظرته العملية لمخالفيه في كل مناحى الحياة واهمها العدل، ويتجلى ذلك في قول الجبار المتكبر في حال المنافقين واليهود في سورة المائدة الآية رقم 42 «سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين»، ولنتدبر الأمر بإعمال العدل مع اليهود والمنافقين رغم نعتهم بما هو فيهم، والذي هو كفيل بأن يذهب برجاحة العقل، ولنقارن بين ذلك وبين آيات كتب الأديان الاخرى، وليس العدل مقصورا على تعاملات المسلمين مع غيرهم بل إننا داخل حظيرة الايمان نجد العدل في أوج عظمته كما يأمرنا القادر المقتدر في سورة الأنعام في الآية رقم 152 «وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون». ـ أراك في ظل المفاهيم الخاطئة لدى الغرب عن الاسلام والمسلمين تدعو إلى الحوار معهم ما أسباب تحمسك لهذا الحوار في وقت يصفوننا فيه بالعنف؟ ـ الهدف من الحوار مع الغربيين هو الوجود الاسلامي على الساحة الدولية، خاصة في المحافل والمؤتمرات العالمية التي تعقدها الامم المتحدة والمنظمات الدولية الاخرى لوضع الاسس والمعايير الحديثة للمنظور الجديد للعالم، إن الإسلام ليس دين جمود غير قابل للتطور كما يتصور الغرب بل انه مسموح فيه بالاجتهاد لمسايرة التطور في العصر الحديث دون المساس بالأسس الراسخة التي لا تقبل التعديل والتي تحدد أطر الفكر الاسلامي، كما أن الدين الاسلامي لا يتعارض مع المواثيق والقوانين الدولية، ولكنه يمكن أن يكملها ويثريها بما فيه من مفاهيم وروحانيات الغرب في مسيس الحاجة اليها والفكر الاسلامي يرتكز على ثوابت دينية لا يمكن لأي مسلم أن يحيد عنها، فالإسلام دين عالمي يصلح لكل مكان ولكل زمان والرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الانبياء لم يرسله الله إلى قوم بالتحديد فقد خصه الخطاب القرآنى بتعبير استثنائى ولم يلصق اسمه ابدا باسم قومه أو بلدته أو مدينته بل ذكر اسمه دائما مقترنا بكلمة الناس أى البشر جميعا، لذا فإن على المسلمين العمل على تطوير عرض هذه الاسس والمبادئ والقيم التي أقرها الاسلام منذ 14 قرنا والثابتة في الفكر الإسلامي والتي لا يعرفها الغربيون عنا، خاصة صانعى القرارات السياسية والاقتصادية على مستوى العالم. لقد آن الاوان لكى يتحرك المسلمون. خاصة علماء المسلمين لينقلوا هذه الحقائق الى العالم وليستغلوا وسائل الاتصال التكنولوجي المتوافرة حاليا عبر شبكة الانترنت العالمية ليثبتوا للعالم أن الاسلام دين عالمي يصلح لكل مكان وكل زمان وانه لا يتعارض مع التقدم والتطور، وليعرضوا الفكر الاسلامي في وسائل الاعلام العالمية بأسلوب عقلاني معتدل لاقناع العالم الغربى بأن رسالة الإسلام الحقيقية رسالة موجهة إلى العالم أجمع ونركز على ملاءمتها وتفاعلها مع السياق الجديد لتنظيم العالم في اطار العولمة. ونحن نعتقد أن التجديد في عرض الفكر الاسلامي في الغرب لن يتحقق الا بتصحيح صورة الاسلام المشوهة عندهم، فعلينا أن نبدأ بمساعدة الاوروبيين على التخلص من اثر الموروث التاريخي في وعيهم وعقلهم عن الاسلام وعن المسلمين. وعلينا ان نجعل الاوروبيين ينظرون الى الاسلام بموضوعية وعقلانية ويطردون من وجدانهم الانماط المتجمدة عن الاسلام وعن المسلمين، وهذه مهمة ليست سهلة لانها تتطلب كثيرا من الوقت والصبر ونحن نعتقد ان المسلمين المقيمين في الدول الغربية هم اقدر على ذلك من غيرهم حيث أنهم باخلاقياتهم ومعاملاتهم ومعاشرتهم للغربيين يمكنهم تقديم صورة بديلة مشرفة لما يجب ان يكون عليه الإنسان المسلم. وموضوع شهادة المرأة التي لم تحدد بنصف شهادة الرجل إلا في مجال تدوين الدين وكتابته، ولم يوليها المفسرون الاهمية الكافية. ولقد أولى بعض المفكرين في العصر الحديث اهتماما خاصا بتصحيح وضع المرأة في الإسلام وبتصحيح بعض المقولات وعلى الأخص مقولة أن المرأة كائن ناقص، فالامام محمد الغزالى في كتابه «تراثنا الفكرى في ميزان الشرع والعقل» كتب يقول : «أن الصورة التي حسبت اسلاما وما هي باسلام أن المرأة كائن ناقص متهم، يحبس في البيت محروما من العلم والارتقاء، ومن كل نشاط اجتماعي أو سياسي.. لا يسمع شهادتها في الدماء والأعراض! ولا تقبل لها ولاية في أمر من الأمور!.... لقد كافأ رسول الله صلى الله عليه وسلم نسوة خرجن وراء الجيش للقيام بخدمات طبية ومدنية.. وبايع النساء تحت الشجرة، ومن قبل في العقبة الكبرى، وسره أن بعضهن قاتل الكفار.. فلماذا يحرض بعض الشيوخ على تصوير الاسلام سجاناً للمرأة إن تطوير اسلوب عرض قضية المرأة في الإسلام من أهم القضايا التي يمكن من خلالها ابراز مدى تطور الفكر الاسلامي الحديث، وهذا ما أكده المفكر السورى الدكتور محمد شحرور في كتابه «الكتاب والقرآن» «حيث يقول : ان الاخطاء الاساسية التي ارتكبت في الحقبة التاريخية السابقة عند تقييم وضع المرأة والتي تعتبر اخطاء في صلب المنهج.... الظن بأن ما حصل في اثناء حياة النبى في حق المرأة هو كامل تحريرها أى أن تحرير المرأة بدأ منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وانتهي بوفاته، فإذا لم تعمل المرأة في حياة النبى صلى الله عليه وسلم قاضية أو لم تستلم منصبا سياسيا فهذا يعنى أنه ممنوع عليها ذلك... وفي هذه الحالة يجب علينا أن نصحح الخطأ المنهجى ونقول أنه بدأ تحرير المرأة في الاسلام في عهد النبى صلى الله عليه وسلم ولكنه لم ينته وهو كالرق تماما، ويخضع تحريرها للتطور التاريخى للإنسانية كلا وللعرب جزءا». ومن دعائم الفكر الاسلامي مقولة ان الاسلام يصلح لكل مكان ولكل زمان فهذه مقولة في غاية الاهمية في عصر العولمة الذي نعيش فيه، ولكن للاسف فإن الغربيين لا يعرفون هذه المقولة عن الاسلام وعلينا ان نعمل على توصيل رسالة الاسلام الحقيقية لهم ونقنعهم بتشريعاته السماوية الصالحة لكل العصور ولكل الشعوب، ونمحو من ذاكرتهم الصورة المشوهة التي علقت في أذهانهم عبر القرون عن الاسلام والمسلمين، ولكن يجب علينا ان نتمسك بأدب الحوار مع الغرب كأساس للتفاهم والتعارف انطلاقا من قوله تعالى «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.. وجادلهم بالتي هي أحسن» (النحل 124 ـ 125) و «ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن» (العنكبوت 46). ـ أعرف أنكم كثير الترحال بين البلاد الاسلامية وغيرها : ما هو تصوركم لأوضاع الاسلام والمسلمين عالميا واقليميا؟ وما هي التحديات الهائلة التي تواجه عالمنا الإسلامي، وهو في بداية ألفية ثالثة؟ ـ بصراحة... هناك قراءات في أوضاع العالم الاسلامي تحتاج إلى اعادة نظر ولا جدال فيها وغير قابلة للتأخير،؟! والتقييم يطالبنا بالتسلح بالعلم لمواجهة التغيرات العالمية الهائلة والبث المباشر ولابد لنا من أن نكون جاهزين وعلى مستوى المسئولية وان الموقف الدولى الراهن للمسلمين وان كان دون المستوى الحقيقى لحضارتهم وتاريخهم، فإن هذا يعود الى عوامل متعددة ليس منها باية حال من الاحوال الروح العدوانية او الرغبة في المواجهة او الحرص على الدخول في صراع مع أمم وشعوب لا تدين بالاسلام، وقال ان عالمية الاسلام جعلته يتعامل مع كل الأديان بانفتاح بعيدا عن العصبية ومن عظمة الاسلام أنه اجاز للمسلم ان يتزوج من أهل الكتاب والزواج والمصاهرة قمة العلاقات الاجتماعية، ان الاسلام يدعو الى المعاملة الطيبة لاهل الديانات الاخرى بل هؤلاء عندما عاشوا في كنف الاسلام أحسوا بالطمأنينة والامان فهو لا يعرف العدوانية او الرغبة في المواجهة او الحرص على الدخول في صراع مع أمم وشعوب لا تدين بالاسلام. القاهرة - عبد الوهاب حامد