اذا انتقلنا الى الحديث عن المكون الثالث من المكونات العشرة في المسجد التي اخترنا ان نناقشها من منظور جماليات المكان، وهو المحراب، لوجدنا ان المجال ينفتح امامنا رحباً لمناقشة العديد من القضايا والاشكاليات ذات الاهمية الكبيرة في مجال دراستنا. غير ان المدخل الصحيح للتعامل مع هذا كله لابد له ان يمر بالادراك الواضح للحقيقة القائلة ان الفنان المسلم قد تجاوز قديماً المفاهيم السائدة لدى انطلاقه في ابداعه، حيث حرص على تأكيد الاهتمام العميق بالمغزى الكلي للوجود، بدلاً من الاكتفاء بالاهتمام الشكلي بعناصر هذا الوجود، وهو قد تبنى هذا المنظور للرفع من قيمة العملية الابداعية ذاتها، وكان في ذلك متلائماً مع الضمير الجمالي العام للمجتمع. بهذا المعنى يمكننا القول ان الفن الاسلامي الذي اختار الدخول في عالم المعنى الاعمق، عالم التجريد بأوسع معانيه بايمان واقتناع وحرصاً على مواصلة مد جذور عريقة متوارثة، إنما اختار ذلك تأكيداً لأهمية الجمال الذي يعتبر مكوناً مهماً من مكونات حياة الانسان المسلم، لان الجمال بشكله المطلق من صفاته تعالى، ولان الجمال الارضي متحقق في ما خلقه الله. الآن، وقد قلنا هذا يتعين ان نضيف، على الفور، انه كما حقق الفن الاسلامي المبدأ المتمثل في ان يكون فناً روحياً، يهدف الى الارتقاء بالنفس الانسانية والتحليق بها عالياً، والى دفع الانسان الى التفكير بعظمة الخالق وقدرته، والى جعل هذا الانسان متشوقاً دائماً وتواقاً ابدا لرؤية الجمال المطلق، حيث الفردوس الذي وعد به الله المؤمنين الصادقين من عباده، فإنه في الوقت نفسه حقق المبدأ المتمثل في أن يكون فناً مادياً، قادراً على تأدية وظيفته في الحياة اليومية للمجتمع، حيث كان شديد الصلة بحياة المسلم وبأدواته واستخداماته اليومية. لم تكن العمارة الاسلامية استثناء من هذه القاعدة، ولا خروجاً عنها، حيث اعتمدت في أسسها الابداعية هذه المباديء نفسها، التي يتصدرها التجريد، بكل ما يشمله من رموز روحانية تمتد بلا انتهاء، وبالجمال بكل ما يتضمنه من معاني الايمان والجلال والخشوع، وبالمنفعة بجانبيها المادي والمعنوي، من اجل اكساب الفن وظيفة انسانية واجتماعية. واذا كان الشاعر المسلم، على سبيل المثال، قد سخر فن الشعر من اجل السمو بالواقع المعاش الى عالم علوي متخيل، يحلق الى سماء القيم الاسلامية، وذلك من خلال تصورات هي أقرب للتجليات الروحية، على نحو ما نجده بصفة خاصة في أشعار اهل الحق من كبار الصوفية، فقد حاول المعماري المسلم، في الاطار الجمالي والروحاني نفسه، ولكن عبر مقولات مختلفة، مساعدة المسلمين على تجاوز حدود الشكلي، الصوري اذا اردت، الملموس، المدرك حسياً، للوصول الى اللاشكلي، المعقول، المجرد اذا شئت، وذلك من خلال اعطاء الاشكال المعمارية مدلولات رمزية مرتبطة، بالطبع، بثقافته الاسلامية. هنا تهمنا نقطتان تشكلان المنفذ الذي سنبادر منه الى تأمل عالم المحراب، والى التدقيق في جمالياته: أ- السطح: على الرغم من ان العمارة الاسلامية تميز، بالطبع وكما سبق ان رأينا، بين السطح الداخلي والخارجي، ففي حالة السطوح الداخلية سنجد ان المخطط الزخرفي يتم تقريره منذ البداية في صميم التصميم المعماري ذاته لانه في حقيقة الأمر امتداد له من خلال مقولات مختلفة، بينما يتقرر المخطط الزخرفي على السطح الخارجي نتيجة لعلاقة هذا السطح بالنور الساقط عليه والمتفاعل معه. ويمكن القول عموما ان جميع السطوح في العمارة الاسلامية كانت خاضعة لسلطة التصوير الزخرفي الذي كان عامل توحيد بصري مهم في احد جوانبه الوظيفية في العمارة الاسلامية. ب - المفهوم النحتي في العمارة الاسلامية: بديهي ان هذا المفهوم يختلف بشكل كلي عن مفهوم النحت العام، ففي حين ان الحضارات الاخرى ترى في النحت ايجاداً لكتلة في فراغ هوائي ما، نجد أن الفنان المسلم ينظر الى المسألة بشكل معكوس، حيث النحت بالنسبة له هو ايجاد فراغ هوائي للكتلة بآلة من هذه الكتلة نفسها، أي بداخلها وعبرها، لان المثال الذي ينسج الفنان المسلم على مثاله هو الانسان نفسه، الذي هو كيان «جسد» ينداح الى العدم، حين يفقد ذلك العنصر الهوائي اللطيف الذي يسكنه «النفس او الروح». وهكذا فإن الفنان المعماري يرى ان مهمته هي ايجاد فراغ هوائي للكتلة ضمنها، تماما كما يحتوي جسد الانسان روحه، ومن هنا نجد الجدران الخارجية قليلة الفتحات، وذلك لعزل قدسية الداخل عن المؤثرات الخارجية، حيث في الداخل تستطيع النفس ان تكون مدركة. ما المحراب؟ اذا استقر ما تقدم، فإن السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه هو: ما المحراب؟ ما الذي نقصده به على وجه الدقة؟ مثل هذه النوعية من الأسئلة قد يبدو طرحها مستغربا لدى البعض، فنحن جميعاً نعرف ما هو المحراب، سواء على صعيد المعنى اللغوي، او على مستوى ما يستقر في الذاكرة البصرية. لكن هل الأمور كذلك حقاً؟ هل نعرف ما المقصود بالمحراب على وجه الدقة؟ هل نملك مفاتيح اسراره؟ هل ندرك كيف تعامل المعماريون المسلمون معه على امتداد اكثر من الف عام؟ لن ارد على هذه الاسئلة. وانما سأكتفي بأن اورد نقلا عن الشيخ طه الولي في كتابه «المساجد في الاسلام» قائمة تضم 17 معنى من المعاني التي ارتبطت بكلمة «المحراب» على مختلف المستويات اللغوية والدينية والاصطلاحية. ولا بأس من ايرادها هنا كاملة لدلالاتها المهمة، فالمحراب يعني: 1- صدر البيت او افضل مكان فيه. 2- الغرفة المرتفعة التي يرقى اليها بسلم. 3- المكان المخصص للملك في القصر او الذي ينفرد الملك فيه من دون بقية رعيته. 4- القصر، او قصر الملك بالذات. 5- عنق الدابة. 6- غيل الاسد اي عرينه. 7- مجلس القوم عند اجتماعهم للتداول في أمورهم. 8- التباعد والتباغض. 9- الشجاع، صاحب الحرب. 10- الحنية في الكنيسة حيث توضع التماثيل المقدسة. 11- كنيس اليهود. 12- المكان الذي يصلى فيه. 13- المكان الذي يصلي الامام فيه، ولا يأمن ان يلحن او يخطيء، فهو خائف كأنه في غيل الاسد. 14- القبلة في مسجد المسلمين او الامام الذي يصلي في المحراب. 15- المكان المخصص للامام في مسجد المسلمين. 16- سيد المجالس في الأبنية وكذلك في المساجد. 17- الامام «العقل» عند فرقة القرامطة من غلاة الشيعة وكذلك عند البهائيين هو بمعنى الامام أيا كان هذا التباين في تفسير كلمة «محراب» او تأويلها فإن المعنى الذي استقر في اذهان المسلمين لها هو الحنية المجوفة في حائط المسجد لجهة القبلة المخصصة لامام الجماعة في أثناء الصلاة. غني عن البيان ان هذا المدلول المسجدي يعتبر من المصطلحات الدينية التي استحدثها الاسلام، حيث صارت الكلمة تعنى بالنسبة للمسجد مقام الامام وموضع انفراده فيه. وهو تجسيد لفكرة دينية عملية اقتضتها ظروف المسلمين، فقد كان مسجد من المساجد الأولى التي اتخذت فيها المحاريب المجوفة كمسجد القيروان الجامع يتسع الصف الواحد فيه لمئات المصلين، وقد ازداد عدد المصلين وراء الامام تباعاً حتى اصبح بعضهم يصلي خارج المسجد يضيق مساحته، ومن هنا جاء ابتكار المحراب المجوف حتى لا يحتل الامام وحده صفا كاملاً بينما المسلمون خلفه يؤدون الصلاة خارج المسجد وعلى قارعة الطريق. وعلى الرغم من ان اندرو بيترسون لا يتردد في «قاموس العمارة الاسلامية» في القول انه في الكهف الموجود تحت الصخرة في قبة الصخرة هناك لوحة منقوشة محفور فيها محراب ربما، في حالة معاصرته زمنياً لباقي المبنى، يعود الى عام 692 ميلادية، مما يجعله اقدم محراب في العالم الاسلامي ـ نقول انه على الرغم من ذلك فإنه ما من احد يمكنه القطع فيما يتعلق بمتى ظهرت المحاريب في المساجد الاولى او تأكيد ما هو اقدم محراب في العالم الاسلامي. يخلص الشيخ طه الولي في كتابه «المساجد في الاسلام» من مناقشة طويلة حول اوائل المحاريب التي عرفها المسلمون الى أن هذه المحاريب هي التالية: 1- محراب عمر بن الخطاب في المسجد الاقصى، وان كانت هناك شكوك حول وجوده. 2- محراب المسجد الجامع بالكوفة، وقيل انه يرجع الى أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه. 3- محراب علي بن أبي طالب في المسجد الجامع بالكوفة، وقد ذكره ابن جبير في رحلته. 4- محراب المسجد الاموي في دمشق، وقد قيل انه يرجع الى ايام معاوية بن أبي سفيان، وهو يعرف ايضا باسم محراب الصحابة، لما قيل من ان الصحابة صلوا فيه عندما دخلوا دمشق يوم فتحها خالد بن الوليد وأبو عبيدة عامر بن الجراح. 5- محراب المسجد الجامع الذي بناه عقبة بن نافع في القيروان، وقد اختلفت الآراء بشأن هذا المحراب، على أن التقاليد الشفهية المتوارثة تقول بوجوده منذ ذلك العهد حتى اليوم، لان الحكام الذين تناولوا المسجد بالهدم او التجديد أو الترميم حرصوا عليه لمكانته عند الناس بسبب نسبته الى عقبة بن نافع، فاتح المغرب العربي. 6- محراب عمرو بن العاص بالجامع الذي يحمل اسمه في الفسطاط، حيث قيل ان عمرو بن العاص كان يصلي فيه كمكان يؤشر للقبلة بمسجد. وقال المقريزي في خططه ان قرة بن شريك، والي مصر المتوفى عام 96 هجرية، عندما هدم هذا المسجد وأعاد بناءه من جديد جعل فيه محراباً مجوفاً في سمت محراب المسجد القديم الذي بناه عمرو، وذكر المقريزي ايضا انه كانت هناك محاريب اخرى في المساجد التي اتخذها الصحابة الذين شاركوا في فتح مصر، ومنها محاريب مساجد الجيزة وبلبيس والاسكندرية وقوص وأسوان. هذه المحاريب الضائعة في غمار الحديث عن المحاريب، من المهم ان نشير الى جانبين، اولهما المحاريب النقالة، وثانيهما تعدد المحاريب في المسجد الواحد، وهما أمران قد لا يلم الكثيرون الماماً حقيقياً بهما. فيما يتعلق بالجانب الاول، فقد سبق لنا ان رأينا ان بلاد الاندلس والمغرب العربي، بصفة خاصة، عرفت المنابر المتنقلة، التي تجر على عجل لتستخدم خلال اقامة صلاة الجمعة والعيدين، ولدى انتهاء الخطبة وقبل اقامة الصلاة، تعاد الى غرفة خاصة بها، وذلك حرصاً على الا تقطع صفوف المصلين، ومن ثم لا يدهشنا ان تعرف ان العبيديين، الفاطميين ان شئت، قد عمدوا الى نقل هذا الترتيب معهم الى المساجد التي اقاموها في مصر لدى دخولهم لها وبنائهم القاهرة لتكون مقرا لخلافتهم وجندهم. ويبدو ان الامر نفسه قد انصرف الى المحاريب، فقد كان بعضها يتخذ من الخشب وتصمم بحيث يمكن نقلها من مكان الى آخر في المسجد حسب مقتضيات الحاجة. ولا يتردد دكتور محمد البهى في كتابه «الازهر: تاريخه وتطوره» لدى الحديث عن أسلوب الفاطميين في عمارة مساجدهم بالقاهرة من القول ان هذه المساجد: «امتازت دون غيرها باستعمال المحاريب الخشبية المتنقلة» والمثال البارز في هذا الشأن هو المحراب الخشبي المتنقل الذي صنعه الآمر بأحكام الله الفاطمي للجامع الازهر، وهو موجود الان بمتحف الفن الاسلامي بالقاهرة، ويرجع تاريخه الى عام 519 هجرية اي عام 1125 ميلادية، وهو محراب مزخرف بالنقش وبطرفيه عمودان رشيقان وعظمه من خشب تركي وتجويفته من فلق، وتواشيحه من خشب جميز والحشوات من خشب نبق. وفي متحف الفن الاسلامي بالقاهرة ايضا محاريب نقالة اخرى متخذة من الخشب، بالاضافة الى محراب الازهر هذا، ابرزها محراب السيدة نفيسة ومحراب السيدة رقية، والاخير يعد من الجانب الفني اهم هذه المحاريب، نظراً لروعة زخارفه واتقان صنعته. إذا انتقلنا الى الجانب الثاني، وهو تعدد المحاريب في المسجد الواحد، لبادرنا الى القول انه في صدر الاسلام، وقبل ان تنتشر المذاهب الاسلامية المتعددة لم يكن المسجد يحتوي الا على محراب واحد لجميع المصلين. غير ان الامر قد اختلف مع انتشار المذاهب الاربعة في شتى ارجاء العالم الاسلامي، وهي الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي، فعندما اصبح لكل من هذه المذاهب اتباع اخذت المحاريب تتعدد في المسجد الواحد، بحسب تعدد المذاهب في البلد الذي يقوم المسجد على ارضه، ويبدو ذلك ملحوظاً بصفة خاصة في العهود الايوبي والمملوكي بقسميه البرجي والبحري والعثماني. هكذا تتعدد المحاريب في مساجد لها شأنها الرفيع، ومنها المسجد النبوي ذاته بالمدينة المنورة والمسجد الاموي والازهر ومسجد السلطان حسن وجامع المؤيد، بل اننا في مسجد الاربعين بجبل قاسيون نجد ان في الحائط الجنوبي لهذا المسجد محرابا كبيرا والى جانبه هناك اربعون محراباً. ونلاحظ ايضا ان الحاجة العملية دعت، في أيام الجمع والعيدين، حين تكتظ المساجد بالناس، الى ان يقف في الصحن وفي موضع يقابل المحراب مؤذن يردد تكبيرات الخطيب وابتهالاته، وهي عادة لاتزال متبعة حتى اليوم في المغرب العربي حيث ظهر اصطلاح «العنزة» والمراد به المحراب الرمزي الذي يقام في الصحن عند نهاية بلاطة المحراب. وعندما مضت بي الأيام قبل عقود الى بنجلاديش، لاحظت ما يشبه الاصرار على ان تكون في المساجد الكبرى عدة محاريب، من دون ان يرتبط ذلك بالضرورة بوجود اتباع للمذاهب الاربعة جميعها في المدن التي تقام بها هذه المساجد، وقد أدهشني ذلك اعظم الدهشة في حينه، وعزوته الى كونه تقليدا درج عليه المعماريون من أهل تلك البلاد لما هو معروف ومشهور في المساجد الكبرى في قلب دار الاسلام. لكن البحث والتحري قادني الى اللقاء ببعض اهل العلم والصلاح في العاصمة دكا، والذين بادروا الى تأكيد ان هذه الظاهرة مردها الى الحرص على عدم المبالغة في اضفاء طابع الأهمية او القداسة على محراب بعينه، وإبراز ان القصد كل القصد من هذه المحاريب هو قصد وظيفي، هو الاشارة الى اتجاه مكة المكرمة، التي يولي المسلمون جميعاً وجوههم اليها في صلاتهم، تأكيدا لوحدتهم في اي موضع كانوا فيه من الأرض. والواقع انه اذا انطلق المرء في تعداد اشهر المحاريب وأبرزها في ارجاء العالم الاسلامي وخارجه، لامتدت القائمة، وطالت، غير انه لابد له من التوقف طويلاً والتأمل حيال مفارقة محددة، فاذا كانت هناك محاريب بعينها تعد بمثابة جواهر التاج في التاريخ الاسلامي ايام شموخه ومجده وعلو شأنه، فإننا اليوم، او بالأمس القريب، حيال محاريب تعكس، كأشد ما يكون الوضوح، التردي الكبير الذي عرفه التاريخ الحديث للأمة الاسلامية. لكن ما هي هذه المحاريب التي تخلع القلب لرفعة شأنها وفي نفسه للمصير المأساوي الذي حاق بها؟ الواقع انني لن اورد قائمة بهذه المحاريب، وانما سأدرج مجموعة منها على سبيل المثال للعبرة والتأمل فيما صارت اليه حال المسلمين في بقاع شتى من أرجاء الدنيا: أولاً: محراب مسجد قرطبة الكبير ـ المراد بهذا المحراب هو المحراب الثالث في مسجد قرطبة الجامع، الذي جاء في إطار الاضافة الثالثة للمسجد التي أمر بها الحكم المستنصر في جنوب المسجد، لاستكمال اضافات عبدالرحمن الاوسط في اتجاه نهر الوادي الكبير حتى بلغ المسجد ضفة النهر. انه محراب لا ككل المحاريب، وانما هو نسيج وحده، ويحدثنا عنه المقرى فيقول، في اطار حديثه عن جامع قرطبة: «والجامع الذي ليس في معمور الارض مثله فيه من النقوش والرقوم مالا يقدر أحد على وصفه، وبقبلته صناعات تدهش العقول، وعلى فرجة المحراب سبع أقواس قائمة على عمد، طول كل قوس فوق القامة، قد تحير الروم والمسلمون من حسن وضعها، وفي عضادتي المحراب اربعة اعمدة، اثنان لازورديان، وليس لها قيمة لنفاستها، وبه منبر ليس على معمور الارض انفس منه ولا مثله في حسن صنعته». لقد مهّد المعماري للمحراب بثلاثة عقود متتالية تبعث الهيبة في نفس المقبل عليه، ولم يعمد في بنائه الى نحته حنية مجوفة في الحائط شأن كل المحاريب، وإنما اختار له شكل مقصورة يؤدي اليها باب زخرفي معقود على هيئة حدوة الفرس، ويستند العقد الى قاعدتين من الرخام، وأحاطه من اعلى بالزخارف والكتابات العربية، وحلاه بالفسيفساء التي أهواها امبراطور بيزنطة لتزيينه، وان كان المسلمون هم الذين قاموا بتركيبها. ويغلب اللون الازرق العربي على تكوين المحراب كله، ويليه الذهبي ثم الأحمر، وقد كسيت الأجزاء السفلى من المحراب بالرخام الأبيض، وتعلوها عقود زخرفية صماء، ثم افريز تزينه الكتابة، يليه افريز زخرفي صغير، ويتخذ المحراب شكل محارة منحوتة في قطعة حجر واحدة. اذا كان هذا الوصف السريع لا يفي هذا المحراب الجليل بعض حقه، فدعنا نتذكر ان المقري في كتابه «نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب» ينقل عن ابن بشكوال ان ذرع المحراب في الطول من القبلة الى الجوف ـ أي من الجنوب الى الشمال ـ ثماني اذرع ونصف الذراع، وعرضه من الشرق الى الغرب سبع اذرع ونصف الذراع، وارتفاع قبوه في السماء ثلاث عشرة ذراعا ونصف الذراع. ان مبلغ النفقة فيه خمسة وثلاثون الف دينار وسبعمئة دينار وخمسة دنانير وثلاثة دراهم وثلث درهم، وقيل غير ذلك. لا حصر للكلمات الدامعة التي ساقها الكتاب المسلمون عن هذا المحراب، فدعنا نكتف بنموذجين محددين يلقيان المزيد من الضوء على وصف هذا المحراب. ها هو الدكتور سامي الكيالي في كتابه «في الربوع الاندلسية» يتحدث عن هذا المحراب في مرثية دامعة تحلق الى افاق الشعر فيقول: «اي محراب هذا! انه قطعة فنية نادرة. تقف ازاءه متأملاً، فلا تشبع من النظر اليه. اي يد صناع واي ذهن عبقري زخرف هذا المحراب! لقد ازدان بقطع الفسيفساء المتعددة الالوان، والتي تبهر النظر... الى مرمر ابيض املس لايزال محافظاً على بريقه الى اقواس وعقود زُبرت عليها مختلف النباتات. ولعل اكثر ما يروق الناظر الى جمال هذا المحراب الفسيفساء الخضراء ذات البريق المشع وقد ازدانت بآيات من القرآن الكريم محفورة من ذهب على صحائف متباينة الألوان من زرقاء وحمراء والأعمدة الصغيرة التي أقيمت تحت القبة ما ارشقها! انها أعمدة ذوات تيجان مذهبة. على ان اكثر ما يدهش الانسان ان يرى هذه الألوان وكأن العمارين والفنانين قد فرغوا من صنعها هذا العام، لا قبل الف عام». بدوره يمزج دكتور حسين مؤنس الوجع بالدمع والحبر في كتابه «رحلة الاندلس» وهو يقول عن المحراب: «انه لا يشبه المألوف من المحاريب، فهو ليس تجويفا في الجدار مزينا بالزخارف والألوان، كما هو الحال في غيره من المساجد، بل هو أشبه بصومعة تدخلها من مثل باب المسجد. هذا الباب الزخرفي على هيئة حدوة حصان مرفوعة فوق قواعد من الرخام. أحجار القوس كلها ملونة تزينها الزخارف، يحيط بها من خارج القوس اطار زخرفي. الجدار حول العقد وفوقه منقوش تزينه كتابات. يلي ذلك من أعلى، وحتى السقف، صف من الأقواس الزخرفية الصماء، يخيل اليك انها تصوير باليد لأعمدة المسجد وأقواسه في زيادة الحكم، وداخل هذه الأعمدة والأقواس زخارف زهرية تضفي على هذه الواجهة خفة ونضارة، واطارات قوس الباب مزخرفة بكتابات يزعم ادلاء المسجد لمن يسيرون معهم من السائحين انها اسماء المهندسين الذين بنوا الجامع». وفي معرض وصف المحراب، وبعد ايضاح الكتابات المنقوشة عليه، يقول دكتور حسين مؤنس: «... ونفضي الى داخل المحراب، انه مقصورة صغيرة ذات اضلاع، جدرانها مبطنة من اسفل بالرخام الأبيض، ثم يلي ذلك عقود زخرفية صماء، ثم افريز محلى بالكتابة، يليه افريز زخرفي صغير. وفوق هذا أقام المعماري المبدع سقف المحراب. جعله من قطعة واحدة من الحجر، هيأها على صورة المحارة مقسمة الى فصوص زخرفية». المحاريب والصمت ثانيا محراب مسجد نور الدين في حلب. كان شيخ العروبة العلامة احمد زكي باشا هو الذي كشف النقاب عن ان محراب مسجد نور الدين في حلب قد سرقته سلطات الاحتلال الفرنسية في عام 1928. وقد أطبق الصمت بعد ذلك على مصير هذا المحراب، الذي وصف بأنه تحفة بديعة الصنع لا نظير لها ولا مثيل. ثالثا: محراب جامع الخاصكي في بغداد. يعد من المحاريب التي تسللت اليها السلطات البريطانية خلال هيمنتها على مصير العراق في العقد الثالث من القرن العشرين، ولم تنقذه من مصير كالسرقة والنقل الى أحد المتاحف البريطانية الا يقظة الرأي العام العراقي، والحملة القلمية التي شنها الامير شكيب ارسلان في مواجهة الاطماع الانجليزية. ويعد هذا المحراب من المحاريب الاثرية التي يسود الاجماع على انها من عيون الفن الاسلامي، فهو مؤلف من كتلة ضخمة من الرخام اتقن ابداعها، ومن المعتقد انه كان محراب الجامع الكبير الذي بناه ابو جعفر المنصور ثاني الخلفاء العباسيين، بعد ان نقله من الشام. وكان بعض المستشرقين قد حاول شراء هذا المحراب في عهد الاتراك، وفي عام 1925 انتزع المحراب من موضعه في الجامع، وتعددت التقارير التي تتحدث عن التوجه الى ايداعه في احد المتاحف في لندن، بينما تعللت وزارة الاوقاف العراقية بأنها انما انتزعته حفاظاً عليه من اللصوص! المدهش حقاً ان بعض المستشرقين هم الذين بادروا بعد ذلك بحوالي العام فكتبوا الى الامير شكيب ارسلان محذرين من احتمال قيام السلطات البريطانية بسرقة المحراب، فبادر الامير الى كتابة مقالة نشرتها صحيفة «الشورى» بمصر، ولعل هذه المقالة هي وحدها التي حالت دون سرقة البريطانيين للمحراب، وهي ممارسة درجوا على القيام بها بالنسبة للكنوز والتحف والآثار ليس على امتداد امبراطوريتهم فحسب، وانما في العالم بأسره. والله وحده ادرى كم من كنوز العراق وآثاره تعرضت للسرقة والنهب والتهريب للخارج في ظل الاوضاع التي اعقبت حرب الخليج الثانية. ويقول المستشرق الالماني ارنست كوهنل في كتابه «الفن الاسلامي» في معرض وصفه لهذا المحراب: «... وفي جامع الخاصكي ببغداد محراب يظن ان الخليفة العباسي المنصور نقله من سوريا الى الجامع البسيط الذي بناه في اول عهده. وقد صنع من كتلة رخام واحدة، على هيئة محارة جميلة فوق عمودين بحلزونات دائرة على البدن، يتوسطها شريط زخرفي، اشبه بما في واجهة قصر المشتى المعاصر له». رابعاً: محراب مسجد بابري. اذا كان هناك صرح معماري في الدنيا بأسرها يمكن ان يصور بصدق وأمانة ما وصلت اليه حال المسلمين اليوم، فان هذا الصرح لن يكون الا المسجد البابري بالهند. وقصته ـ بالطبع ـ اشهر من ان نعيد روايتها هنا، فقد قامت جماعات الهندوس المتعصبة قبل سنوات باقتحام المسجد بقوة السلاح والشروع في هدمه وتحطيمه ووضع حجر الاساس وجلب مواد البناء، استعداداً لتشييد معبد الاله «رام» وذلك لان المسجد في زعمهم قد شيد على أنقاض معبد كان يقوم في ذلك الموقع نفسه، على الرغم من ان الادلة الآثارية تؤكد ان المسجد انما شيد على ارض خلاء. المدهش حقا في هذه المأساة برمتها امران: ان الحشود الهندوسية الغوغائية التي اقتحمت المسجد بقوة السلاح وفتكت بالمسلمين الذين حاولوا الدفاع عنه، وسط تواطؤ معلن من اجهزة الامن الهندية وتحت انظار الدنيا بأسرها، حرصت على تدمير محراب المسجد قبل كل شيء ربما لما يحمل به من رموز من ناحية، وربما لان النقش الموجود في قلب المحراب والذي يحدد تاريخ انشاء المسجد على وجه الدقة، وهو ما يكذب مزاعمهم وتخرصاتهم عن وجود سابق للمعبد المزعوم. انه على الرغم من الصراع على هذا المسجد لم ينته بعد الا ان ستارا من الصمت قد أسدل على هذه المأساة من الجانبين معاً، فالجانب الهندي يحرص ـ بالطبع ـ على التزام الصمت حول قضية اعتداء وحشي على المسلمين يكشف ضراوة التيار الهندوسي الذي نجح في الوصول برموزه وقياداته الى سدة السلطة الاتحادية في نيودلهي. أما الجانب الاسلامي فثمة فريق فيه يدعو الى ابتلاع المسألة برمتها والتزام الصمت بشأنها، بدعوى ان اثارتها لن تؤدي الا الى مزيد من المشكلات للمسلمين في الهند. فتأمل!