إذا كانت النجاة التي تتوفر بها للانسان أسباب السعادة وتوفر له الأمن في دنياه وأخراه غاية الصفوة المختارة من البشر، فقد كان منهم هذا الصحابي الجليل عقبة بن عامر رضي الله عنه حيث جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن النجاة وبم تتحقق وقد تفرس فيه صلى الله عليه وسلم انه يريد النجاة من فتن الدنيا وشرورها وآثامها ثم النجاة ثانيا من أهوال يوم القيامة وكرباتها وقد أوضح له الرسول وسائل النجاة في ثلاث: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابك على خطيئتك»، واللسان من أجل نعم الله سبحانه ومن لطائف صنعه فإنه مع صغر حجمه عظيم في طاعته وإثمه إذ لا يتبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان وهما غاية الطاعة والعصيان، وقد قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: قلت يا رسول الله: أنؤاخذ بما نقول: «ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلى حصائد ألسنتهم». وعن سعيد بن جبير مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: «إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تذكر اللسان أي تقول: اتق الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا وان اعوججت اعوججنا» والإسلام دعوة إلى خلق مسلم طاهر القلب عف اللسان رقيق الوجدان يستطيع ان يحفظ أهم الأعضاء في جسمه من الزلل وهو لسانه الذي به كماله وجماله، فالمرء بأصغريه قلبه ولسانه ولقد روي ان سيد لقمان الحكيم دفع إليه شاة وقال له اذبحها، وائتني بأطيب مضغتين فيها، فأتاه بالقلب واللسان، ثم دفع إليه شاة أخرى وقال له: اذبحها وائتني بأخبث مضغتين منها، فأتاه بالقلب واللسان، فلما سأله عن ذلك قال: ما شيء أطيب من القلب واللسان إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمه العباس: «يعجبني جمالك» قال: وما جمال الرجل يا رسول الله؟ قال: «لسانه» فاللسان في الانسان هو الميزان الدقيق الذي توزن به أقدار الرجال، وبه يكون الحكم السديد إما لهم وإما عليهم، لهذا كان من الأسلم والأكرم للمرء أن يطول صمته ويقل نطقه. وقال بعض المتقدمين: الزم الصمت فإنه يكسبك صفو المحبة ويؤمنك سوء المغبة ويلبسك ثوب الوقار ويكفيك مؤونة الاعتذار، وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت». والحق انه كلما قل كلام الانسان قلت زلاته وتلاشت عثراته وكلما كثر كلامه كثرت أوزاره وتنوعت آثامه، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به». إن مسئولية الانسان نحو لسانه يجب ألا يستهان بها فعلى كل عاقل ان يقدر عظم هذه المسئولية وان يسبق عقله نطقه، يقول تعالى: «ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد». وان أحسن أحوال المرء ان يحاسب نفسه على ما ينطق به، فرب كلمة يرفع الله بها للانسان قدره ويطيب بها ذكره ويخلد بها في الحياة أثره وتكون خير زاد حين يلقى بها ربه. ان رأس مال العبد أوقاته وأغلى ما يملك عمره، فإذا ضيعه فيما لا يعنيه أو اقترف فيه من الاثم ما يرديه فوقع به في أعراض الناس بالغيبة والنميمة أو قالة السوء فهو الأحمق السفيه، أما إذا استثمره في الخير وابتغى به من العمل الصالح المثوبة والأجر فقد فاز بالحسنيين بالحياة الطيبة في الدنيا والجزاء الحسن يوم العرض على الله ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه» ويقول الإمام الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين: «وَحَدُ الكلام فيما لا يعنيك ان تتكلم بكلام لو سكت عنه لم تأثم ولم تستضر به في حال أو مال فما بالك في الكلام في معصية تغضب الله». أحمد عبدالتواب أحمد