بين حين وآخر يطلع علينا اهل البحث العلمي باكتشافات وابتكارات جديدة، فيسارع بعض المسلمين الى البحث عن سند قرآن يفسرون به هذا الجديد، ويوحون بأن ما اكتشفه اولئك موجود عندنا منذ اربعة عشر قرنا. فما هو واقع العلاقة بين آيات القرآن وبين مخترعات العلم، علما ان الدين والعلم توأمان لا ينفصلان. ويخطيء من يظن ان الدين او القرآن يقف حجر عثرة في سبيل التطور والتقدم. ولكي نعطي المسألة حقها من البحث لابد من توضيح نقطتين هامتين كمدخل للولوج الى لب هذه المسألة. النقطة: الاولى: ماهية الدين، بمعنى اي شيء هو الدين؟ الدين عامة هو مجموعة من التصورات الذهنية والمعتقدات الفكرية لشعب ما حول فكرة الإله والوجود والكون، وعلاقة هذه المفاهيم ببعضها البعض، وانعكاس هذه العلاقة على السلوك البشري. اماالدين بمعنى الاسلام فهو عقيدة المسلمين بالله تعالى وما تفرضه هذه العقيدة من مفاهيم تتناول كل وجوه الحياة الانسانية في الدنيا وفي الآخرة. اي ان الاسلام هو القانون الالهي الذي يرسم للانسان طريق الحياة الآمنة، طريق السعادة والتقدم ويكفل بالتالي له كل وسائل العلم والحرية والحركة والعمل، ويجعل منها كلا متكاملا، انطلاقا من ان الاسلام يجعل الانسان خليفة الله في الارض، والاستخلاف يرتب مسئولية تامة، والمسئولية التامة تقتضي وجود انظمة وقوانين، من خلالها يتحرك المسلم ويتفاعل وينتج. النقطة الثانية: ماهية العلم، اي ما هو العلم؟ وهنا نقول ان العلم هو مجموعة من التصورات الذهنية والمعتقدات الفكرية لشعب ما حول اسلوب معيشي ونظام حياتي معين، يضاف اليها تجربة عملية تضبط الخطأ وتقوم السلوك، وتضع القوانين النهائية في اطار النظريات القابلة للتطبيق. اذن، وانطلاقا من هاتين النقطتين، نستطيع القول بأن الدين والعلم توأمان لا ينفصلان، وما بين الدين والعلم من روابط وصلات يجعل منهما حقيقتين متحدتين، او وجهين لحقيقة واحدة متحدين في الحقيقة الكلية المطلقة. ولو نظرنا في آيات القرآن الكريم بدءا من اول آية نزلت وحتى اكتمال نزوله، نجد ان الآيات التي ذكرها فيها لفظ العلم وأدواته وصيغه وتعابيره المختلفة اكثر من ان تعد وتحصى. فقد بدأ القرآن بتوجيه الفكر والعقل عند الانسان نحو القراءة (اقرأ) ثم رسم له الخطوط العريضة التي ينطلق منها الانسان في مساره العلمي: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم). لو تأملنا هذه الآيات الكريمة لوجدنا ان القرآن يضع الانسان امام العلم مباشرة وجها لوجه، يضعه امام اكبر قضية بحث عنها الانسان ولا يزال، اعني قضية الخلق. فقضية الخلق بكل ما تعنيه من ابعاد: خالق موجود متفرد، ومخلوق موجود متعبد. وحتى لا يغتر الانسان بعلمه وقدرته، ويظن في نفسه القوة والجبروت، فينازع الخالق سبحانه في صفة الخلق، لذا قال تعالى: (علم الانسان ما لم يعلم) واتماما للتوجيه الالهي لهذا الانسان حين راح يبحث عن سر الخلق بسؤاله عن الروح، اجابه المولى سبحانه بقوله: (قل الروح من أمر دبي وما أوتيتم من العلم الا قليلا). آيات كثيرة توجه الانسان الى كيفية استخدام العلم ومناهجه وطرقه وأساليبه، بحيث نستنتج ان الدين هو روح العلم، والعلم هو وعاء الدين اللهم اذا احسن الانسان استخدام وتطبيق وفهم الدين وزواجه مع نظريات العلم. ورغم ذلك يبقى السؤال قائما اذن فما موقف القرآن من التطور العلمي؟ ففي حين نرى ان العلم يتشعب وتتعدد وجوهه وأشكاله، لا سيما العلم المخبري والتطبيقي والتجريبي في شتى مجالات الحياة الثقافية والاقتصادية والتكنولوجية: طب، هندسة، فضاء، اتصالات، أنظمة بيولوجية، هندسة وراثية... وغيرها نجد غالبية علمائنا الذين ينظرون في آيات القرآن الكريم بحثا عن مكان هذه العلوم فيها، يجهلون ابسط مفاهيم العلم، معتمدين على ظاهر النص فقط ـ ان وجد ـ دون ان يلموا بقواعد التخريج والاستنباط. ولكي نكون مصنفين في الحكم في هذه القضية يجب ان نتبينها من خلال امرين هامين: الأمر الأول: الدين باعتباره نظام حياة متكامل ونصوص الهية مقدسة، وهنا نلحظ ان آيات القرآن مطلقة عامة، فيها توجيه للنظر والفكر والعقل دون ما حدود او حواجز: (قل انظروا ماذا في السموات والأرض)، (وفي أنفسكم أفلا تبصرون)، (أفلا ينظرون الى الإبل كيف خلقت والى السماء كيف رفعت...)، (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات).. آيات كثيرة تحث وتدعو الى العلم بمعناه الواسع، تاركة للانسان حرية اختيار المنهج الذي يتناسب مع قدراته وامكاناته واحتياجاته. الأمر الثاني: هو الانسان نفسه، اذ لا قيمة لأي نص او نظرية مهما كانت، من دون ان يكون لها عامل يعمل بها، ومعتنق ينفذها ويطبقها فالانسان بحد ذاته خليفة الله في الارض مؤتمن على هذا النص ومكلف بتطبيقه، مراعيا في تعامله معه حدود الله ومحارمه، فيعرف بذلك الحلال والحرام، ويميز الخطأ من الصواب، ويرتب على ذلك مسئولية وجزاء. بهذا نستطيع ان نتلمس العلاقة القائمة بين الدين والعلم كوجهين لحقيقة واحدة لا تناقض بينهما. فالدين يوجه والعلم ينفذ. الدين يحمي والعلم يبني. ولا أتصور يوما ما وجود قانون علمي ثابت يتناقض مع نص ديني مستوحى من القرآن الكريم، لأن القرآن اولا وأخيرا هو كتاب الهداية الكبرى للبشرية. فالتناقض ان وجد يعني ان هناك خطأ في التجربة الانسانية لقوانين الدين وقوانين العلم، لا في القوانين نفسها. وهنا لابد من التفريق بين مصطلحين هامين: مفهوم النظرية العلمية ومفهوم الحقيقة العلمية التي تصبح قانونا ثابتا. فالنظرية العلمية قابلة للتغيير والتبديل، وكثيرة هي النظريات العلمية التي آمن بها بعض الناس ثم بطلت مع الزمن بفعل التغير والتطور من دون ان يكون لذلك علاقة بالدين أبدا. اما الحقيقة العلمية، اي القانون الثابت، فهي الوجه الآخر للحقيقة المطلقة التي تتحد مع الدين ولا تتناقض معه ابدا. وهنا قد يجد البعض مدخلا ملائما للخوض في حديث الاعجاز العلمي، سيما وأن الاهتمام به في العصر الراهن بلغ شأوا بعيدا. ولكي نأمن الزلل ونتجنب الخلل فلابد من التوضيح بأن قضية الاعجاز عامة والاعجاز العلمي بصفة خاصة من اهم قضايا الفكر المعاصر. والمسألة قد تبدو للبعض سهلة وبسيطة، وربما بدافع ايماني عارم. لكن معالجة الامور لا تنطلق من معيار العاطفة، ولابد من توجيه العقل والادراك لفهم ابعاد هذه القضية الفكرية الشائكة، خاصة وأنها تمس جوهر الاسلام وروحه اعني القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. لنتفق اولا على ان القرآن الكريم كتاب الله تعالى أنزله الى البشرية ليهتدوا بنوره ويعملوا بأحكامه وتعاليمه. فالقرآن من هذا المنطلق كتاب ارشاد وتعليم وتوجيه، يضبط علاقة الانسان بربه وينظم علاقته بالآخرين، ويضع له القوانين التي تحميه وتحقق له الأمن والسكينة والطمأنينة. لكن الانسان يتطور بتطور الحياة نفسها، وأساليب الحياة وأنظمة المعيشة تتغير، بينما نص القرآن ثابت في نفسه لا يتغير ولا يتبدل. اذا أين تكمن المشكلة؟ المسألة بكل بساطة ووضوح تكمن في اللغة التي نزل بها القرآن الكريم وصيغ فيها. واللغة كالانسان سواء بسواء، تولد وتنمو وتشيخ وتموت. فهناك الألفاظ وهناك المعاني والدلالات، وهناك الأساليب والصور وهناك المستجدات والمتغيرات، وكل ذلك يترابط مع بعضه البعض، اذ كيف يمكن للمرء ان يعبر عن حالة ما يعيشها، او كيف يمكن للعالم ان يترجم بلغة قضية يعيشها، فالألفاظ ـ كما قيل ـ قوالب المعاني. وبقدر ما تكون اللغة قابلة للتفاعل تكون قادرة على حمل المعاني المطلوب ابرازها بقالب علمي، او اختزان هذه المعاني في الذاكرة اللغوية، فيأتي الاسلوب المناسب لاخراجها من هذه الحافظة او الذاكرة ويصوغها ضمن نسق معين من التراكيب والمفاهيم والدلالات. اذا ادركنا وعلمنا ان القرآن الكريم كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا خلفه، واذا ادركنا وعلمنا ايضا ان الله تعالى قد تحدى الانس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن، واذا ادركنا ثالثا ان التحدي الالهي قائم ومستمر ما دامت الحياة الانسانية، علمنا بما لا يدع مجالا للشك او الابهام ان الاعجاز قائم ومستمر. والمسألة اذن هي مسألة فهم لهذه النصوص اللغوية، وضمن اية معايير وقوانين يمكن ان تفهم بها. ففي الماضي وجه العلماء والباحثون عنايتهم للغة القرآن من حيث هي لغة، بغض النظر عما تحمله من مظاهر العلم ونظرياته، لكننا اليوم نعيش حالة جديدة، نعيش عصرا آخر مختلفا كل الاختلاف، عصر المعلوماتية الحديثة، عصر التكنولوجيا والتقنيات المتطورة، عصر الفضاء والانترنت. فكل هذه المظاهر العلمية باتت تحكم وتتحكم في مصير الانسان وسلوكه وحياته، وقد يقف الانسان مندهشا او مبهورا امام جبروت العلم وتطوره المذهل، فينقاد بغريزته المادية الى الاذعان لكل ما يدعو اليه العلم الحديث دون ان يعي خطورة بعض المظاهر لأنه جاهل بها، فهو مأخوذ ببريقها اللماع، فيدخل قلبه الشك والزيغ، ويبدأ رحلة الالحاد وقد لا يعود. من هنا ندرك اقبال بعض العلماء والباحثين في حقل المعرفة الدينية والاسلامية خاصة، نحو دراسة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، بلغة العصر الذي نعيشه لغة العلم والتطور التقني والتكنولوجي، في محاولة منهم، ضمن ايمان عميق وغيرة على الدين، ووعي لمجمل المخاطر التي تعيق حركة الاسلام وتقدمه، لطرح مفاهيم عصرية وشروح تستجيب لتطور الانسان في منظومة العلم الحديث، على ان الاسلام بجناحيه القرآن والسنة، قد وجه الانسان وحوى كل هذه المظاهر العلمية وتحدث عنها. هذه الجهود المكثفة التي نراها من خلال المؤتمرات العلمية والندوات والمحاضرات والبحوث والكتب التي تتناول قضايا العلم من منظور قرآني، تلقي بظلالها على حركة الدعوة الاسلامية وجهود الدعاة. وهنا لابد من المساءلة عن دور هذه الحركة ومدى قدرتها على فهم الواقع. صحيح اننا بحاجة ماسة وقوية وفعالة لمراكز دعوة علمية تقوم على أسس متينة وصلبة من الفهم العميق للاسلام بروح عصرية وموضوعية، تقدم الاسلام للعالم بصورته الصحيحة والسليمة الخالية من التعصب والفتن، صورة تتلاءم مع سماحة الاسلام وعدالته وقوانينه ومبادئه وأهدافه النبيلة. هذه الصورة ـ للأسف ـ بدأت تهتز اليوم في شتى انحاء العالم بسبب الصراعات والأعمال اللامسئولة التي تقوم بها بعض الجهات المحسوبة على الاسلام والمسلمين، وهذا ما يشوه صورة الاسلام والمسلمين في عيون الكثيرين. ان الاسلام الصحيح، الاسلام الذي جاب اطراف الدنيا في اقل من نصف قرن في الماضي، بسماحته وعدالته وصفاء فكره ونبل روحه، هو ما نحتاجه اليوم ليعود ويدخل من جديد كل بيت وشارع ومتجر، بل ويعم سائر الامكنة. وقبل ان نقول للداعية اشرح ما في القرآن الكريم من اشارات علمية علينا ان نقدم للعالم الصورة المثلى للاسلام، والصورة التي يجد فيها كل انسان ملجأه وملاذه وأنسه وأمانه وطمأنينته في وقت تسود فيه قوى الشر والبغي والعدوان، فضلا عن اهدار الحقوق وسيطرة الظلم وشيوع الفقر والجهل في كثير من بقاع العالم. ان نحن استطعنا ان نرفع هذا الكابوس المظلم ونظهر للعالم كله جمال الاسلام ومحاسن مبادئه واشعاعاته، سيكتشف العالم معنا حقيقة هذا الدين العظيم، وسيعرف بعد ذلك المساحة الكبيرة التي خصها القرآن للعلم بشتى مجالاته وضروبه. د. علي فريد دحروج