د. شعبان خليفة رئيس قسم المكتبات والوثائق بجامعة القاهرة واحد من أهم خبراء المكتبات في العالم وصاحب انتاج غزير في هذا المجال أحدث اضافة قدمها للمكتبة العربية هي كتابة «العلاج بالقراءة». ومن خلال تصفحنا للكتاب لاحظنا ان المؤلف طرح عدة أسئلة وأجاب عليها.. وهو يبدأ بطرح سؤال.. هل يمكن اعتبار العلاج بالقراءة من وسائل الطب النفسي؟ أم أنه وسيلة علاجية مستقلة بنفسها؟ ويجيب قائلا: انني أعتقد ان من يمرض بكلمة يشفى بكلمة تماما كمن يمرض بميكروب فانه يشفى بمضاد حيوي، وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم الأمراض التي تصيب الانسان الى أربع فئات يقابلها أربعة أنواع من العلاج: فهناك المرض البدني البحت الذي يعالج بالعقاقير أو الجراحة فقط، وهناك المرض الروحي البحت الذي يعالج كلية بالقراءة، وهناك المرض النفسي الذي يعالج بالقراءة والعقاقير معا. والعلاج الفعال بالقراءة هو مزيج من العلاج الطبي والعلاج بالكتب معا عندما يكون اللجوء الى المستشفى هو نقطة البداية.. حيث يقدم الطبيب لأمين المكتبة تشخصيا للحالة وخلفية عن الأسباب التي أدت اليها، مما يساعده على تقديم وصفة قراءة تقوم على المعرفة الكاملة عن الكتب، والتي يفتقر اليها الأطباء. ويحتاج العلاج بالقراءة الى تحليل دقيق لحالة المريض ثم تحليل لاحتياجاته من جانب الهيئة الطبية، ووصفة قراءة، ومجموعة كافية ومتنوعة من الكتب وغيرها من المواد المكتبية، ووضع تقارير دقيقة من جانب أمين المكتبة يرفعها الى الطبيب عن الحالة، ومن ثم يستطيع الطبيب استخدام القراءة في برنامج العلاج فضلا عن الثقة التي يجب ان توجد بين أمين المكتبة والمريض لكي يقبل على الاستجابة وقراءة الكتب المرشحة له. وفي مجال الصحة العقلية اعترف علماء النفس والمعالجون النفسيون بالحاجة الى التواصل الصحي، وربما كانت أحسن طريقة لتحقيق هذا التواصل، ليس فقط بالنسبة لهؤلاء الذين فقدوا الاتصال كلية، ولكن أيضا بالنسبة للذين يعانون من اضطراب في الاتصال. ـ يقول الباحث ردا على سؤال يطرحه وهو اذا كان الكتاب هو مادة العلاج بالقراءة فهل يقوم بنفس دور العقار البدني؟ ان نص الكتاب لا يدخل داخل المريض فيتحلل الى شيء آخر كما يحدث في حالة العقاقير، انما الأثر العلاجي يعتمد على الاستجابة للمادة المقروءة من خلال الحوار بينها وبين المريض الذي يقرأها ان التغير الذي يحدث، يحدث داخل نفس المريض أي المستجيب بما يقرأ نحن لا نريد للمرضى ان يروا أنفسهم من خلال مشاكلهم ولكن من خلال استجابتهم لقصيدة أو قصة أو مقالة. والرسالة المتضمنة في هذا العمل هي ان المريض لديه قدرات وكفايات، وان له قيمة، ويستطيع الاستجابة لشيء ماخارجه، وان بمقدوره ان يفهم ويفسر بدقة المادة المقروءة. وفي نفس الوقت فان الكتب المؤثرة غنية بكل أنواع ومستويات المعاني، والمريض حر في ان يسلط الضوء على المشكلة، ان يدعم نقطة القوة فيه. لكن هل تصلح جميع مجالات القراءة كمادة علاجية؟ ـ يجيب د. شعبان خليفة قائلا: أي انتاج فكري مهما كان موضوعه يمكن استخدامه بطريقة أو بأخرى في العلاج بالقراءة، حتى الانتاج الفكري في مجالات مثل الكيمياء والطبيعة والفلك.. الا أنه من الناحية العلمية برز فئات معينة من الانتاج الفكري التي تستخدم بفاعلية وبنجاح في العلاج بالقراءة مثل القرآن الكريم والأحاديث النبوية.. فالمؤمنون يدركون ان الله سبحانه وتعالى يعرف النفس البشرية ويحيط بها احاطة الخالق بمخلوقه.. وهو سبحانه عندما يصفها ويحللها ويضع العلاج لتقويمها فان ذلك العلاج هو العلاج الواقعي والشافي.. وشرط التداوي به هو الايمان أولا وأخيرا بما ورد فيه والاعتقاد في قدرة آياته على الشفاء حين تستخدم في موضعها الصحيح. والآيات التي تستخدم في العلاج يمكن تقسيمها الى: آيات تحث على القوة والعزم في مواجهة الشدائد والمحن.. وآيات تحث على الصبر والمثابرة عند الابتلاء والايمان بالقضاء والقدر، وآيات تظهر الأمراض الاجتماعية بصورتها القبيحة، وتصور آثارها المدمرة على الفرد والمجتمع مثل الجبن والنفاق والبخل والاسراف، وآيات تكشف الأمراض النفسية والعصبية وتعالجها مثل: الخوف الشديد والغضب الشديد والحزن الشديد والغفلة والاغراق في الشهوات والاكتئاب المزمن والوساوس والقلق والنسيان ـ... الخ. وهناك آيات تهون من شأن المادة وتعلي من شأن الروح وأخرى تحض على مقاومة الظلم والفساد وآيات تحث على احترام الوالدين وصلة الرحم وتوقير كبار السن ومساعدتهم وآيات التعوذ من الشياطين والشرور ومن الحسد ومن أصحاب الغل الحقد. وقد أجريت تجارب للعلاج بالقرآن في مؤسسة العلوم الطبية الاسلامية بأمريكا وأجريت التجربة على خمسة متطوعين أصماء عمرهم 22 سنة ومن خلال 200 جلسة.. ثم في 85 جلسة منها تلاوة قراءات قرآنية مجودة وفي 30 جلسة لم يتل عليهم قراءات قرآنية بل كانوا في استرخاء وصمت. وقد وجد أنه في 97% من تلك الجلسات كانت لتلاوة القرآن الكريم على المتطوعين آثار مهدئة للجهاز العصبي لديهم، وقد كشفت الأجهزة المستخدمة في التجربة عن وجود تغيرات فسيولوجية تدل على تخفيف التوتر لديهم. وفي كتاب «زاد المعاد» لابن القيم يذكر المؤلف ان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعالج المرضى بثلاثة أدوية: النوع الأول هو الأدوية الطبيعية، والنوع الثاني هو الأدوية الألهية، والنوع الثالث هو المركب من الاثنين. وعليه فان الحديث النبوي يعتبر من أنجح أنواع الانتاج الفكري في علاج كثير من الأمراض.. وقد عالجت الأحاديث النبوية الكثير من الأمراض ومواقف يوميه عملية.. غطت جميع جوانب الحياة ولخص الرسول صلى الله عليه وسلم أسس الصحة النفسية بقوله «من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه.. فكأنما حيزت له الدنيا بأسرها». والمتأمل في الأحاديث النبوية التي يمكن استخدامها في العلاج يجدها كثيرة للغاية. ويمكن أيضا تقسيمها الى أحاديث تحض على التوازن النفسي ودفع اليأس، وعدم تمني الموت.. وأحاديث تدعو الى القوة والاعتداد بالنفس، وأحاديث الرضا بالقضاء والقدر، وأحاديث التعوذ، وأحاديث الدعاء وأحاديث السيطرة على النفس عند الغضب. القاهرة ـ السيد أبو داود