وأول المؤثرات الطبيعية في عمران خوارزم، وخاصة خيوة، هو ولا شك «نهر أمو» الذي كانت مياهه لا تجلب الخير والثروة فقط ولكن الخراب والدمار أيضاً فلقد جلبت فيضانات النهر الكثير من الفوائد للري وتخصيب التربة ومن ناحية أخرى كانت الفيضانات العارمة سبباً في تدمير وتخريب المستوطنات والقرى والمدن، وإذا كانت مياه نهر امو قد جلبت معها ذلك التدمير الخطير فإن عدم وجودها وتحول مجرى النهر قد أديا إلى جفاف مجرى النهر وتحول السكان إلى سكنى مناطق أخرى غير المدن القديمة. أما الأخطار التاريخية التي ذهبت بعمارات خوارزم العتيقة فتتمثل في الحروب المتعاقبة التي عصفت بخوارزم وجارتها خراسان، فالغزو المغولي الذي قاده جنكيز خان كانت نتيجته الحتمية الدمار الشامل للمناطق الحضارية، ولقد اعتبر المغول منطقة وسط آسيا هي أول لقمة سائغة فبدأوا أولاً بخوارزم التي كانت تقع في الصحراء المسماه حاليا جمهورية كازاخستان. لقد بدأ المغول غزو البلاد بكل قوتهم وكان هدف جنكيز خان الرئيسي هو تدمير جميع المدن والمباني اما بهدمها أو إحراقها، وعلى النقيض من ذلك نجد أن من جاؤوا بعد جنكيز خان حاولوا إعادة بناء ما تهدم من مدن في المناطق المنكوبة بالغزو المغولي وبهذا أمكن الحفاظ على القليل من الآثار التي يرجع تاريخها إلى عصر ما قبل المغول. في العهدين القيصري والسوفييتي وتعتبر مدارس خيوة مثالا للمدارس التي كانت شائعة في المدن الإسلامية في العصور الوسطى وتتميز هذه المدينة بوجود عدد كبير من المدارس وخاصة بالقياس لمساحتها حتى لتتضاءل أمامها المساحات المخصصة للأسواق ومرافق المدينة الأخرى. ورغم ان خيوة استسلمت لروسيا في بداية القرن التاسع عشر فإنها واصلت تقدمها السريع وظلت محافظة على أثارها التاريخية خلال العهد القيصري. وبعد ثورة أكتوبر 1917 وضم تركستان إلى اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية استمرت عمليات البناء بصورة مذهلة في ظل مرحلة البناء المدني ومع تنامي الاتجاه العام المناهض للدين وعلى الأخص ضد الإسلام وفقاً للتوجيهات السياسية الداخلية والنظام الدعائي الذي ساد البلاد خلال تلك الحقبة استبعدت العناصر الإسلامية التقليدية من كل جوانب الحياة العامة واعتبرت من المسائل الخاصة جداً، ولهذا اغلقت المساجد وحرمت من كل المظاهر الدالة على الإسلام، كما توقفت المدارس عن أداء دورها وتغيرت الكتابة من العربية إلى الكتابة بالحروف اللاتينية ثم بعد ذلك إلى الحروف السلافية. ومن أسف أن المنشآت الأثرية لخيوة وبالأخص مدارسها قد تأثرت بالسياسة السوفييتية حيث بدأت في الاختفاء الواحدة تلو الأخرى، وفيما عدا الاحتفاظ بمدرستين لأغراض سياحية فقد اختفت مدارس عدة ولم يكن حال المدرستين بأفضل إذ أعيد بناء مدرسة محمد أمين إيناك داخل صالة أفراح كاريانا سراج الدين وكيلن خان ثم أصبحت سوقاً لبيع منتجات الحرف البدوية والهدايا التذكارية، وأصبحت مدرسة «أتان هانت بيك» ورشة للصناع الحرفيين ومنتجاتهم التقليدية المرتبطة باسم خيوة والتي ظلت محتفظة بعظمتها على مدى العصور حتى تحولت في النهاية إلى ملاه تشبه ملاهي ديزني لاند بكل ما فيها من جاذبية للسياح مع أنه كان بالإمكان تحويل هاتين المدرستين إلى متاحف مفتوحة تنمي من السياحة الثقافية. لقد كان لخيوة تأثيرها السياسي والاقتصادي والذي أدى إلى الإسراع في عمليات الإنشاء للمباني ذات الأهمية الكبيرة وبخاصة المؤسسات التعليمية والمدارس التي أختير لبنائها أمهر البنائين الذين شاركوا في بناء قصر القلعة، وفي الشارع الرئيسي للمدينة أخذت المدارس تضغط بالتدريج على المجمعات السكنية والأسواق المفتوحة. مدرسة محمد أمين خان وهي إحدى كبرى المدارس التي بنيت في العالم الإسلامي خلال القرن التاسع عشر وتقع في مقابل قصر خيوة القديم «كونيا أرك» وهي على هيئة مساحة مستطيلة طولها 72 متراً وعرضها 60 مترا (432 مترا مربعا) وفي وسطها صحن مكشوف مربع طول ضلعه 38 متراً، أما الخلاوي المخصصة لإقامة الطلاب فكانت أكثر راحة ورفاهية من مثيلاتها في مدارس خيوة الأخرى. وتتوزع الخلاوي على طابقين كما يوجد في هذه المدرسة مسجدان، أحدهما صيفي مفتوح والآخر شتوي مغلق، نظراً للمناخ القاري الشديد التطرف السائد في أواسط آسيا. والمسجدان الصيفي والشتوي، غير مرتبطين بعضهما ببعض، كما توجد قاعة رئيسية للتدريس وتبدو صغيرة بالمساحة المقارنة مع عدد الخلاوي المخصصة للطلاب. وفي الفناء الذي يتقدم مدرسة محمد أمين خان توجد أضخم مئذنة في آسيا الوسطى حلال القرن التاسع عشر، أو بالأدق أطول وأضخم مئذنة كان من المخطط انشاؤها إذ لم يكتمل تشييدها لأسباب مجهولة، وفي المقابل فإن مئذنة مدرسة إسلام خوجة العالية تتميز بزخرفتها الدقيقة، وهي مدرسة تعود إلى ما بين عامي 1908، 1910م. وقد وصل ارتفاع الجزء المشيد منها إلى 26 متراً ولما كان قطر قاعدتها يبلغ 14 مترا، وبالقياس للنسب المتعارف عليها في ذلك الوقت فإنه لو تم استكمال البناء لوصلت المئذنة إلى ارتفاع 106 أمتار، ويبدو أن رغبة محمد أمين خان كانت أن يتمكن من مشاهدة بخارى من قمتها ويطلق على هذه المئذنة «كولتاجوك». ومما يثير الأسى أن مدرسة محمد أمين خان قد تحولت في العهد السوفييتي إلى فندق كما تم تركيب خطوط التليفونات فيها وزودت بالمياه الجارية ومواسير الصرف الصحي وزودت أيضاً بأجهزة تكييف مركزية وعلى الرغم من أن مصممي الفندق كانوا قد وعدوا بالحفاظ على المعالم الأثرية للمدرسة كما هي دون تغيير فإن مستلزمات الترميم الحديثة للمكيفات مثلاً تتضمن ضرورة عمل فتحات أدت إلى تشويه الشكل وتغييره، هذا بالإضافة إلى ما يستلزمه عمل الشبكات الأخرى وتطويع المدرسة لتكون فندقاً وهو ما مثل تهديداً مباشرا للناحية الجمالية والفنية للمبنى. وباستخدام المبنى كفندق كان من الضروري إحداث هذه الاضرار بسبب عدم وجود دراسة مسبقة لما يمكن أن يصيب المبنى من أضرار قبل البدء في إحداث التغيير الذي أضر بالمبنى اضراراً شديداً. والأسوأ من ذلك هو ما حدث للمدرسة الأخرى المجاورة «مدرسة ماتينان ديوان بيك» إذ تحولت إلى فندق ومطعم، كما تمت تغطية الصحن بسقف جديد واستعمل كمطعم كبير، وبالقرب من هذه المدرسة توجد مدرسة أخرى اختفت كليا في وقت غير معلوم. د. أحمد السيد محمد