قال الله جل ثناؤه: «إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون» ال عمران: 59. كثر الخلاف في المسيح عليه السلام، لأن ميلاده كان على صورة فريدة، لم يولد بها احد من قبله، ولا من بعده، وكان الناس في هذا الميلاد شيعا وفرقا كل شيعة تقول فيه قولا، وكل فرقة تذهب فيه مذهبا. اما اليهود فقد ارتضوا الجريمة مركبا، فقتلوا انفسهم، وقتلوا الحق معهم، وقالوا في المسيح: انه ولد، كما يولد الناس، من ذكر وأنثى، وإن كان على فراش الإثم والفاحشة، فهو ابن زنا، وأما اتباع المسيح، فقد قصرت مداركهم عن ادراك قدرة الله تعالى، فلم تحتمل عقولهم تلك الحقيقة، وهي ان الله قادر على كل شيء يخلق ما يشاء، مما يشاء، وكيف يشاء! فقالوا: ان المسيح هو الله تجسد بشرا في جسد عذراء، او انه ابن الله، لأنه لا أب له. تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وأما المسلمون فقد جاءهم القرآن بالخبر اليقين عن المسيح.. انه خلق من خلق الله، وانه انسان من الناس، ولد بنفخة من روح الله، كما ولد هذا الوجود كله بفيض من فيض الله! وأقرب مثل لهذا آدم ـ عليه السلام ـ انه خلق من غير اب او أم.. خلق من تراب هامد لا أثر للحياة فيه، وعيسى عليه السلام خلق مولودا من كائن حي، هي امه، فأيهما اشد غرابة في الخلق؟ الذي خلق من تراب هامد، ام الذي تخلق من جسد حي؟ وإذا كان النصارى يعتقدون في المسيح انه «ابن لا أب له، فآدم أحق بهذه الدعوى الباطلة، لأنه لا أب له ولا أم. والمثل هو الحال الغريبة، او الشأن العجيب، فقوله تعالى: «ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم» هو تشبيه حال غريبة بحال اغرب منها، او شأن عجيب بشأن اعجب منه. وعليه يكون معنى المثل: ان حال عيسى الغريبة، او شأنه العجيب في الخلق، كحال آدم، او شأنه فخلق آدم أغرب وأعجب، ومع ذلك فلم يقولوا فيه ما قالوه في المسيح. وأما كاف التشبيه في قوله: «كمثل» فقد دلت على ان خلق عيسى عند الله اهون وأيسر من خلق آدم». وفي قوله تعالى: «ثم قال له كن فيكون»، ما يسأل عنه، وهو: كيف يقول الله تعالى للشيء: كن، ثم لا يكون واقعا في الحال، كما يدل على ذلك قوله تعالى: «فيكون» الذي يدل على المستقبل المتراخي، ولو كان ما امر الله به واقعا في الحال، لكانت صياغة الآية هكذا: «ثم قال له كن فكان».. فكيف يكون هذا؟ وهل امام قدرة القادر العظيم حواجز وحوائل تحول بين القدرة، وبين امضاء ما قدرت على الفور، وفي الحال؟ والجواب عن ذلك: ان قول الله للشيء «كن» لا يقتضي وقوع هذا الشيء في الحال، اذ قد يكون الامر موقوتا بوقت معين، او متعلقا بأسباب لابد ان يقترن حدوثه بها. وهذه الاسباب لا متعلق لها بقدرة الله، وإنما متعلقها بالشيء ذاته الذي دعته القدرة الى الظهور والذي قضت حكمة الله ألا يظهر الا بعد ان يستكمل اسبابه المقترنة به. وهذا ما يشير اليه قوله تعالى: «انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون» يس: 82. محمد اسماعيل عتوك