دعا الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي المسلمين إلى الاعتماد على الاجتهاد الجماعي الذي يستطيع التصدي للقضايا المستحدثة ويحقق مصالح الأمة الإسلامية مشيرا إلى أن الإجتهاد الجماعي لا يعني الحجر على الاجتهاد الفردي لأنه الأساس الذي ينبني عليه. وقال اننا نعيش عصر التخصص الدقيق وهذا يتطلب أن يجتمع علماء الدين مع الخبراء في المجالات المختلفة لإصدار فتاوى صحيحة في المسائل المختلفة. وأكد أن المسلمين يرفضون العلمانية لأنها وافد غربي وحل أوروبي لمشكلة أوروبية موضحا أنها لا تعني فقط فصل الدين عن الواقع وإنما تعني أيضا فصل حاضر أمتنا ومستقبلها عن تراثها الحضاري. وأشار إلى رفضه لرد الفعل العنيف من جانب بعض المسلمين إزاء العلمانية لأنه دفع بعض الجماعات إلى الجمود على النصوص والتمسك بالقديم حتى لو لم يكن صحيحا. وقال ان الإسلام أباح الإختلاط وأن الإختلاط بين النساء والرجال كان موجودا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم. أما الخلوة فهي التي يرفضها الإسلام مؤكدا أنه إذا تلقى أبناؤنا وبناتنا تربية إسلامية صحيحة فلا خوف من الإختلاط. وأكد أن الإسلام لم ينتشر بحد السيف كما يزعم بعض المستشرقين مشيرا إلى أن المسلمين فتحوا البلاد وحرروا الشعوب من استعمار الفرس والروم وتركوا لها الحرية في اختيار الدين الذي تؤمن به. ولم يحدث أن أجبر المسلمون أحدا على اعتناق الإسلام. ـ الدعوة إلى الإجتهاد الجماعي أصبحت ضرورة في عصرنا الحاضر الذي يتسم بالتخصيص الدقيق في فروع العلم فهل ترون أن هذا الإجتهاد يستطيع تلبية احتياجات الأمة في مواكبة المستجدات؟ - لما كانت حياة الإنسان والتنظيمات الاجتماعية متغيرة ومتطورة دائما وأبدا فقد وقف فيها الوحي والسنة التشريعية عن الكليات والمثل والمناهج والفلسفات والمقاصد والغايات ولم يتطرق إلى النظم والتفاصيل والجزئيات، ومن هنا كانت ضرورة الإجتهاد ملحة ودائمة حتى تستوعب روح الشريعة الواقع المتجدد وحتى لا يخرج هذا الواقع عن النسق الإسلامي العام وحتى تستجيب التشريعات لما يستجد من المستحدثات، وقديما عندما كانت الحياة بسيطة وكانت الثقافة الموسوعية هي الطابع الذي يميز كبار المجتهدين فكان المجتهد يستطيع أن ينظر في الأمور المختلفة ويخرج منها برؤية سليمة، أما اليوم فقد ضمر الإبداع الفكري الإسلامي منذ العصر المملوكي العثماني وتطور واقعنا دون مراعاة لروح الشريعة بفعل الاستعمار وتأثير الحضارة الغربية وتعقدت شئون الحياة فلم يعد بإمكان المفكر الفرد أن يلم بهذه الحقائق وحده خاصة بعد أن أصبح التخصص هو طابع العصر سواء في العلوم أو في تطبيقها أو في مجال العمل الإنساني، وأمام كل ذلك كان لابد أن يتخذ الاجتهاد الإسلامي أسلوبا جديدا ليلبي احتياجات هذا الواقع الجديد لأن أهل الذكر وأولى الأمر وأصحاب الحل والعقد لم يعودوا هم الأفذاذ من علماء الشريعة وحدهم واصبح الاجتهاد يتطلب أن يشمل كل خبراء الدنيا بجانب علماء الدين وأن تتبلور المؤسسات الفكرية التي تجمع الخبرات الدينية والدنيوية معا حتى يعود للإجتهاد تألقه وحتى يستطيع تلبية احتياجات الناس ومراعاة الواقع المتجدد. صنع قرار ـ هل معنى ذلك أن مفهوم الاجتهاد في عصرنا اختلف عن مفهومه في الماضي؟ - نعم هذا صحيح فالإجتهاد الإسلامي في الوقت الحاضر هو عملية صنع القرار الإسلامي في قضايا الواقع المتطور فضلا عن أن الإجتهاد في الأساس هو عقد قران بين روح الشريعة ومقاصدها وبين الواقع المتطور والمصالح المتجددة بحيث يحقق مصالح الأمة وبما لا يخرج عن روح الشريعة ولم تعد مؤسسات الاجتهاد في حاجة فقط إلى الذين يعرفون القرآن وعلومه والسنة وعلومها والمحكم والمتشابه والمطلق والمقيد والمجمل والمفصل والناسخ والمنسوخ.. وما إلى ذلك بل هي أيضا في حاجة إلى أهل الخبرة بعلوم الواقع وتجاربه والتي تعقدت إلى الحد الذي يستحيل ان يقطع فيها العالم الموسوعي كما كان في الماضي. واعتقد أن الذين يحترمون عقولهم ويعرفون مقدار تعقد الواقع ومشكلاته يعرفون أن صنع القرار لابد له من جهود جماعية. ـ لكن ألا ترون أن قصر الإجتهاد على الجهود الجماعية بمثابة حجر على الإبداع الفردي؟ - الإجتهاد الجماعي ليس حجرا على الإبداع الفردي لأنه المنطلق الذي لابد وأن تتاح لأصحابه كل الفرص والإمكانات لكن ما أقصده هو استقطاب صناع الفكر وخبراء الواقع وأهل الذكر في مشكلاته بحيث يصبح الإجتهاد عبر المؤسسات القادرة على تنظيم هذه العملية. وافد غربي ـ البعض يطرح الأخذ بالعلمانية بمعنى فصل الدين عن الدنيا ويرون أن ذلك يمنحنا مساحة واسعة من حرية الحركة لمواجهة المشكلات الجديدة فما رأيكم في هذا الطرح؟ - نحن نرفض العلمانية لأنها وافد غربي، وحل أوروبي لمشكلة أوروبية، فالعلمانية لا تعني فقط الفصل بين الدين الإسلامي والواقع وإنما تعني أيضا فصل حاجز أمتنا ومستقبلها عن تراثها الحضاري وتحويل المسلمين إلى هامش الحضارة الغربية وهذا يفقدنا استقلالنا الحضاري، لكن رفض العلمانية لا يجب أن يتخذ صورة رد الفعل الغاضب الذي يدفعنا للتمسك بكل قديم لمجرد أنه قديم، نحن مطالبون بأن نميز بين النصوص ومقاصد هذه النصوص وكذلك يجب أن نميز بين نصوص الوحي القطعية الدلالة والثبوت وبين النصوص الأخرى خاصة أحاديث الأحاد أو الموضوعة أو الضعيفة أو تلك التي لا يتسق منطقها عندما تعرض على روح الشريعة ومنطق القرآن الكريم وأن نميز في السنة النبوية الشريفة بين ما هو تشريعي يتعلق بتبليغ الوحي وتفصيله وبين غير التشريعي المتعلق بأمور دينوية يتجاوزها التطور الذي هو قانون وسنة من سنن الله في الكون. كذلك لابد أن نميز بين الشريعة كنهج ومقاصد وبين تطبيقات السلف وإجتهادات الأقدمين. فالشريعة من الثوابت أما تطبيقات السلف واجتهادات الأقدميين فهي ليست دينا وليست ثوابت ملزمة لمن يعيش واقعا مغايرا للواقع الذي عاشوا فيه واجتهدوا له. ردة نصوصية ـ لكن ألا ترون أن مظاهر الغضب ورد الفعل الإسلامي إزاء العلمانية له ما يبرره؟ - ليس بتلك الصورة التي نراها وليس بهذا الإنزعاج من شيوع الإنفلات من روح الإسلام لقد أصبحنا نعاني من ردة فعل نصوصية تعتصم في جمود بكل ما هو قديم ونشهد جماعات تتكون وتحكم على كل المسلمين بالكفر والجاهلية وتستبيح حرمات الدم والمال إنطلاقا من نصوص هي أقرب ما تكون إلى القصص والإسرائيليات، ونشهد جماعات تعتزل مساجد المسلمين وتنهض لبناء مسجد خاص بها، ونرى جماعات أخرى يبلغ بها الغلو الذي يجعلها تتعبد ليس بالنصوص الدينية فقط وإنما بوقائع التاريخ، وهكذا أصبحنا نشهد العلمانية التي تتحلل من كل الموروث الإسلامي ويجمد أنصارها عند نصوص المفكرين الغربيين ومن ناحية أخرى نشهد رد الفعل الغاضب ضدها الذي يجمد أصحابه عند كل موروث والمطلوب هو التمييز بين الدين الذي وضعه الله وأوحى به وبين تطبيقات السلف لهذا الدين على واقع عصرهم الذي تغير وأنقض وعلى الاجمال يجب التمييز بين الثوابت والمتغيرات وبين المقاصد أو روح الشريعة وبين ظواهر النصوص. مجتمع مختلط ـ ألا ترون أن الإختلاط في الجامعات وفي مؤسسات العمل هو من أخطر المشاكل التي نواجهها والتي نتجت في الأصل عن الدعوات العلمانية الوافدة؟ - هناك فرق بين الخلوة والإختلاط فالإختلاط الذي نراه هو أمر طبيعي فالمجتمع المسلم مجتمع مختلط منذ مجئ الإسلام وحتى الآن وقد كانت النساء في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلين الصلوات الخمس في المسجد حتى صلاة العشاء وصلاة الفجر أما الخلوة فمعناها أن يختلي إنسان بإنسانة لا علاقة له بها في مكان مغلق لا يدخله آخر فالممنوع إسلاميا ليس الإختلاط وإنما الخلوة فالإختلاط مباح بشرط أن تكون له آداب وضوابط في التعامل وفي الأخلاق وبالنسبة للمشكلات التي يقع فيها الشباب اليوم فليس مرجعها إلى الإختلاط وإنما سببها مشكلة منظومة القيم الغربية الوافدة علينا وما يبثه الإعلام من ألوان الإنحلال والشذوذ في التعامل الخلقي،ولوكانت هناك تربية إسلامية لأبنائنا وبناتنا لما كان هناك خوف من الإختلاط كذلك لو كان الأب والأم قدوة لأبنائهما لما واجهنا مثل تلك المشكلات الغريبة التي نواجهها الآن. هداية الناس ـ يدعي بعض المستشرقين أن الإسلام إنتشر بحد السيف فبماذا تردون على هذا الإدعاء؟ - لقد اختبرت هذه المقولة وجمعت كتب الغزوات والتي وصل عددها إلى 70 غزوة - وهذا العدد قد يوحى بوجود عنف. لكنني أحصيت عدد الذين قتلوا في تلك الغزوات من المسلمين وغير المسلمين فبلغ نحو 386 قتيلا وهذا عدد ضئيل للغاية إذا قارناه بالحروب الدينية في أوروبا بين البروتستانت والكاثوليك والتي ذكر هنري كيسنجر أنها أبادت 40% من شعوب وسط أوروبا في أقل من قرن، في حين اكتسح الإسلام الشرق وظهر على جميع الأديان بحوالي 386 قتيلا فقط، فمعارك المسلمين لم تكن إلا ضد الفرس والروم وهي قوى محتلة مستعمرة ومهيمنة ولم يحدث قتال بين المسلمين وبين شعوب البلاد التي كانوا يحتلونها بل أن نصاري الشام حاربوا مع جيش أبي عبيدة بين الجراح وكذلك حارب العرب المجوس مع خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة، فالسيف في الإسلام كان ضد المستعمر وعندما انتشر الإسلام اقام دولة ولم يقيم دنيا. فالسيف لم يكن لنشر الإسلام وإنما كان لتحرير الإرادة لتختار الشعوب ما تريد وقد فتح المسلمون مصر ولم يدخل المصريون الإسلام إلا بعد مئتي سنة بقناعتهم ودون إجبار من أحد، وقد فتح المسلمون خلال ثمانين عاما أكثر مما فتحه الرومان خلال ثمانية قرون لأن الجيل الذي قام بالفتوحات صنعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على يديه فكان يقاتل من أجل هداية الناس وتحرير إرادتهم وليس من أجل سفك الدماء أو إجبارهم على إعتناق مالا يريدون. مصر القبطية ـ يؤكد البعض أن مصر أصلها قبطي فهل هذا صحيح؟ - لم يكن هناك حكما مسيحيا قبل الإسلام فقد كانت المسيحية ديانة هاربة مطاردة فالحكم كان رومانيا إستعماريا وجاء الإسلام كبديل للحكم الروماني وجاءت الدولة الإسلامية كبديل عن الدولة الرومانية ولم يكن هناك حكما مسيحيا، ولم تكن هناك حضارة - بإستثناء الحضارات المصرية القديمة - قهرها الإغريق والرومان وإنما كانت هناك ثقافة مسيحية لكن الواقع لم يكن في أيدي المسيحيين وإنما كانت في أيدي الرومان. ونحن ندرك أن دخول المسيحية إلى مصر سبق الإسلام كما أن عيسي عليه السلام سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم.لكن إذا قيل أن الإسلام وافد على مصر النصرانية وافدة أيضا ليس على مصر فحسب بل على الفاتيكان والعالم كله ولو كانت المسألة بالأقدمية لعبد الناس العجل لأنه عبادة أقدم من المسيحية والإسلام. ويجب أن نعلم أن النصرانية لن تزدهر في مصر إلا بعد دخول الإسلام فقد أباح المسلمون للنصارى حرية العبادة وهذا لم يكن متاحا لهم في عهد الرومان ولولا الإسلام لما بقيت النصرانية في مصر ولما كانت هناك كنيسة قبطية فيها. اعتراف بالآخر ـ هل هذا معناه أن الإسلام يقبل بتعايش الأديان الأخرى معه؟ - الإسلام لا يضيق بالآخر والمسلمون لا يضيقون بالآخرين فالمسلم لا يكتمل إيمانه إلا إذا آمن بكل الرسل والرسالات والإسلام يقول عن التوراة: فيها هدى ونور ولا يهاجم إلا ما حرف فيها، وقد حرر المسلمون الشعوب التي فتحوا بلادها وتركوها وما تدين ولم يجبروا أحد على اعتناق الإسلام. القاهر- ضياء الدين أحمد