الإنسان جزء من الطبيعة الكيميائية، الفيزيائية، البيولوجية، ومفارق لها بتكوينه العقلي، والنفسي، والاجتماعي لذلك صارت تُحركه بالإضافة للعوامل الطبيعية المذكورة عوامل عقدية، وثقافية، وفكرية. إن للإنتماء الديني والثقافي سيما اللغوي أثرٌ شبه دائم على الإنسان وكل المحاولات بدوافع الأيديولوجية للقفز فوق تلك الإنتماءات أو تهميشها باءت بالفشل بل أتت بنتائج عكسية. هكذا صار الإنسان مشدوداً للأصل. ولكن إنتماءات الإنسان الدينية والثقافية ليست جزراً معزولة بل تتأثر بغيرها وتؤثر في غيرها في حركة تفاعل حضاري وثقافي شبه دائم. فإن طرأت عليها العزلة تيبست.إ ن تاريخ البشرية كله دليل على الدور الهام الذي يؤديه إنتماء الإنسان الديني والثقافي في حياته ودليل على إنفتاح الإنتماءات الدينية والثقافية لتأثيرات متبادلة تحقق حركة مستمرة في لقاح الحضارات والثقافات. الإسلام عقائد دينية والتزامات عبادية وخلقية ونظام حياة، وهو كذلك تجربة تاريخية باهرة وحضارة عالمية حية، لذلك شكل الإسلام وما زال المكون الأهم لهوية المسلم بل تعدى أثره معتنقيه إلى سواهم على نحو ماقال الاستاذ قسطنطين زريق: «الإسلام هو الدين القومي لكل العرب»، وما قال رجل الدولة مكرم عبيد: «أنا مسلم وطناً وقبطي ديناً». منذ القرن التاسع عشر تعرض العالم الإسلامي لاستعمار أوروبي صحبه فكر علماني يبشر بإبادة القديم وبناء مستقبل علماني على أنقاضه. ولكن عوامل عديدة أهمها إخفاق الأيديولوجيات الوضعية في القرن العشرين، والدور الذي أداه الدين في يقظة الضمير الإنساني بعثت تيارات أصولية قوية في كل الأديان تصاعد أثرها منذ الخمس الأخير من القرن العشرين. هنالك عوامل كثيرة تعرضنا لها في مكان آخر دعمت التيارات الأصولية الإسلامية واستنهضتها في كافة المجالات الفكرية، والسياسية، والاجتماعية، والحركية. الوسط الفكري، والشارع السياسي، في العالم الإسلامي اليوم مشتبكان في حرب أهلية باردة، وأحياناً ساخنة بين التيار الأصولي الديني، والتيار العلماني. إنه إشتباك في بعض صوره قابل للحوار العقلاني بل للتوافق. ولكنه في صور أخرى مقدمة لصدام حتمي لا تحسمه إلا القوة، كما حدث في تركيا الكمالية وآسيا الوسطى في عهد الشيوعية لصالح التيار العلماني. الفكر الغربي بعد نزاع طويل بين الدين والسياسة توصل لمعادلة تعايش تمثلها الحياة السياسية والدينية اليوم في الغرب. وفي مجالنا الإسلامي طرح شعار الدين لله والوطن للجميع. هذا الشعار معناه إبعاد الدين من السياسة ومن الدولة ومعناه ان للدين دوراً عموديا في العلاقة بين الإنسان وروبه وليس له دور أفقي بين الإنسان وأخيه الإنسان. إن التصور الأقرب للحقيقة هو أن يقال الدين للحياة والوطن للجميع. ماذا يبقى للمسلم من خصوصية في ظل مجتمع فيه الوطن للجميع؟ النظام الدستوري الحديث هو الأقرب لتحقيق العدالة، فالسلطات الرسمية موزعة بين التنفيذية والتشريعية والقضائية، والمؤسسات الرسمية لا تحتكر النفوذ بل تنشأ فيها منظمات المجتمع المدني وهي ذات نفوذ كبير في صنع القرار وتكوين الرأي العام. النص على أن الحقوق الدستورية تنشأ من حق المواطنة الذي يتساوى فيه الجميع دون اعتبار لإنتمائهم الديني لايمنع أن يكون: الذين يتولون السلطة التنفيذية منتمين لمبادئ سياسية إسلامية طالما وصلوا للسلطة عن طريق انتخاب حر وطالما احترموا حقوق المواطنين الآخرين السياسية. التشريع أن يستمد من الشريعة الإسلامية ومصادر دينية وإنسانية أخرى طالما راعى التوازنات المطلوبة للمحافظة على حقوق كل المجموعات الدينية. سوف يقوم الدين بدور سياسي هام عبر الفكر، والثقافة، والإعلام، والأخلاق، والقيم الروحية، والأحوال الشخصية، والتشريع، وقناعات القادة. وسوف يكون واقع الحال وسطاً بين أحادية دينية شاملة وأحادية علمانية شاملة. لقد نشأ تناقض حاد في الماضي بين الذين قالوا بأن الإسلام دين ودولة ونظام اقتصادي وعلاقات دولية مستنبطة من مرحلة تاريخية معينة وقفلوا باب الاجتهاد على ذلك، وهذا معناه تعليب المجتمع الإسلامي المعاصر في نمط تاريخي معين. مقابل هذا نشأت الأصولية العلمانية التي تطلعت لتعليب المجتمع في نمط وافد معين. هذه المواجهة اليوم يمثلها من الجانب الديني أطروحتا ولاية الفقيه والحاكمية وكلاهما تضعان في السلطة جماعات ستفرض بالقهر السياسي نمطاً ماضوياً مثلما أن الأحادية العلمانية ستفعل العكس تماماً وتضع في السلطة جماعات ستفرض بالقهر السياسي نمطاً وافداً. هذا الانقسام سوف يكرس الانفصام ويدعم استمرار الحرب الأهلية الفكرية والسياسية بين الحدين، وإذا نجح أحدهما فإنه من ناحية يفرز تجارب معزولة مثل سعيد بن تيمور قديماً والحاج عمر حديثاً، ومن الناحية الأخرى تجارب منبتة مثل الكمالية في تركيا. مادام الإسلام حياً فسيكون له دوره في الحياة عبر العقيدة، والعبادة، والشريعة، ومبادئه السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقيمه الخلقية. ومادام المجتمع حياً فسوف يحترم حقوق كافة مواطنيه الدينية والإنسانية والاجتماعية وسوف يطلع على منجزات وتجارب الإنسانية ويستصحبها بطريقته. وسوف يستطيع المجتمع الحي التوفيق بين هذه التطلعات والمطالب عبر اجتهاده وحكمته فالأمة منذ ختم الوحي هي مناط التكليف. مسألة المرأة من أهم القضايا المثارة في أمر الإسلام موقفه من حقوق المرأة، كانت المرأة قبل الإسلام مضطهدة وحررها الإسلام بصورة تعتبر طفرة في ذلك الزمان. وعبر الخمسمائة وألف عام الماضية خطت الإنسانية خطيً واسعة في سبيل تحرير المرأة حتى بلغت ما نصت عليه معاهدة سيداو CEDAW56 من حقوق المرأة المعاصرة. السؤال المشروع هو هل يمكن للمرأة أن تكون مسلمة ملتزمة بقطعيات دينها وعصرية بالمقاييس المعاصرة؟ لقد وقع اختلاف بين فقهاء السلف أنفسهم حول حقوق المرأة مابين مقيدين لحقوقها ومجيزين. خلاصة آراء المقيدين: جمهور الفقهاء يرون أن النساء ناقصات عقل ودين، ويرون أن إمامة المرأة لاتجوز في الصلاة وأجاز الشافعي إمامتها للنساء في الصلاة. وقالوا: إن ديتها هي نصف دية الرجل. وهم يرون أن ولاية المرأة في الشئون العامة لاتجوز وإليك أهم آرائهم: جاء في مجمع الأنهر في الفقه الحنفي: ويجوز قضاء المرأة لكونها من أهل الشهادة وإن وليت القضاء ففي غير حد أو قصاص. وجاء في تبصرة الأحكام في الفقه المالكي: شروط القضاء التي لايتم إلا بها عشرة والذكورة من شروطه. وجاء في الأحكام السلطانية للماوردي في الفقه الشافعي: فالشرط الأول لولاية القضاء أن يكون رجلاً. وقال ابن قدامة في الفقه الحنبلي: لنا في هذا الصدد حديث: ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. خلاصة آراء المجيزين أجاز الطبري وأبو ثور إمامة المرأة للرجال وللنساء في الصلاة مستدلين بما رواه أبو داؤد من حديث أم ورقة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزورها في بيتها وجعل لها مؤذناً يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها. 57 وساوى أبو حنيفة بين دية الرجل والمرأة بقوله تعالى: (النفس بالنفس) دون تخصيص. وقال الطبري: مادامت المرأة أهل للفتوى فهي أهل للقضاء، وقال يجوز أن تكون المرأة حاكماً على الإطلاق في كل شيء. 58 وقال ابن حزم في المحلى: وجائز أن تلي المرأة الحكم. وقال رداً على من احتج بالحديث: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة) إنما قيل هذا في الأمر العام أي الخلافة. وفي كتابي (المرأة وحقوقها في الإسلام) استعرضت كل النصوص ووصلت لاستنتاج خلاصته: إن الإسلام يكفل حقوق المرأة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والاستثناءات المشار إليها في الميراث والشهادة وغيرها معللة ودائرة مع عللها، وكل محاولة للاستناد إلى الدين لنقص مكانة المرأة أو نقص حقوقها يضر بالدين لأنه يحيد بن عن العدل. والعدل من أهم مقاصد الدين، ويضر بأمة المسلمين لأنه يعرض النساء وهن نصف الأمة (على الأقل) لفتنة الخروج عن الدين بحثاً عن الكرامة السليبة وعن الحقوق المسلوبة. 59 كذلك استعرضت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من منظور إسلامي ووجدت أن الحقوق المثبتة فيه عامة وللمرأة خاصة تتفق مع مبادئ وأحكام الشريعة. 60 الإسلام والفن تعرف موسوعة المعارف البريطانية الفن بأنه استخدام المهارة والخيال لخلق الأشياء، والبيئات، والتجارب الجمالية التي تتأتى المشاركة فيها للآخرين 61. توجد تصنيفات عديدة للفنون، فإذا اتخذنا التصنيف حسب وسائط الادراك، يمكننا الحديث عن فنون مرئية (من ذلك الرسم ـ التلوين ـ النحت ـ التصميم الفني ـ الخزفيات ـ والعمارة)، وفنون مسموعة (الموسيقى بأشكالها المختلفة)، وفنون الكلمة ـ الأدب ـ (من شعر ـ نثر فني ـ رواية ـ قصة)، ثم الفنون المختلطة مثل الغناء، أو فنون الأداء المختلفة كالرقص والدراما. الاجتهاد الإسلامي التقليدي لم يجد حرجا مع الفنون الأدبية. ولكن ـ مع استثناء بعض الأشكال الفنية التي تواطأ عليها فنانو دولة المسلمين التاريخية ـ فإن سائر الفنون الأخرى المرئية والمسموعة والمختلطة قد طردت من أغراض الدين. ونال نصيب الأسد من العداء نوعان من الفنون: السماع (وهو يشمل الموسيقى وآلاتها، والغناء بأشكاله)، والتصوير (وهو يشمل النحت والرسم والتلوين).. فصار الفهم التقليدي السائد هو أن الفن ـ وبدون الإلمام بجوانبه المختلفة المذكورة أعلاه ـ يجافي الدين ولا يليق إلا بفكر دهري علماني. هذه النظرة منكفئة ومتناقضة تماماً مع الفهم الصحيح لموقف الإسلام من الفن. لقد تناولت موقف الإسلام من الفن في محاضرة نشرت ضمن كتابي: (على طريق الهجرة الثانية)» الدين الإسلامي إيجابي النظرة للعالم، قال تعالى: (وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك). وقال (قُلْ مَنْ حَرمَ زِينَةَ اللهِ التِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطيبَاتِ مِنْ الرزْقِ..). والجمال من مقاصد الإسلام في الكون (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُم ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ)، وقال عن الأنعام: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ). لقد وظف الناس الأنعام لأغراض نفعية معينة ولكنهم أيضاً إلتمسوا فيها قيماً جمالية وتغزلوا في جمالها وبنوا صرحاً جمالياً. لقد فاق القرآن الكتب المقدسة الأخرى بأن نصه واحد محفوظ ونصوصها متعددة مختلف عليها، وفاقها بمعانٍ إشتمل عليها وخلت منها، وفاقها كذلك في أنه إنجاز فني رائع لاتجاريه نصوصها في هذا المجال. لقد أعجز القرآن فصحاء العرب بسوره وآياته مستخدماً كل فنون البلاغة من بيانٍ فيه التشبيه والمجاز والكناية، ومعانٍ بليغة في خبرها وإنشائها، وبديع يحوي الطباق والجناس والاقتباس والسجع والتورية والمقابلة. وكانت خطب النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديثه نثراً فنياً ممتازاً. وفي كثير من الأحيان استخدم الشعر أسلوباً للتعبير عن موقف: أنا النبي لاكذب أنا ابن عبدالمطلب نعم ليس النبي شاعراً (وما علمناه الشعر وماينبغي له) ولكن هذا لايمنع أن يستشهد بالشعر كأسلوب فني له مواقفه التي تناسبه، ولا يمنع أن يتذوق الشعر مثلما تذوق شعر حسان وحثه عليه. وأنشده كعب بن زهير قصيدته الغزلية المادحة (بانت سعاد) فكافأه بأن خلع بردته عليه ولم ينكر من القصيدة إلا عبارة واحدة هي قول زهير: مهند من سيوف الهند مسلول، فقال له: مهند من سيوف الله مسلول. لقد تعاقب على الأمة الإسلامية عهدان الأموي والعباسي وفيهما صار الحكم ملكاً عضوداً ونشأ مجتمع دنيوي مترف فيه ما فيه من استخفاف بالدين وتمتع بالملذات، في وجه هذه التيارات إندفعت إتجاهات في الدين أقرب إلى الإنطواء والإنكفاء واتخاذ موقف نافٍ للعالم، وبما أن الجماليات اتخذت نهج الملذات فقد ظهر تناقض أساسي بين الدين والفن وراجت تفاسير لآيات القرآن وأحاديث نبوية ترسخ التناقض التام بين الدين والفن. تصدى ابن حزم ـ وهو من أعلام علماء السلف ـ لأهم تلك الأحاديث فجرحها 66، مثلاً حديث جاء فيه: إن الله حرم المغنية وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها، وحديث آخر: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تسع، والغناء أحدها. وفسر كثير من المفسرين قوله تعالى: (وَمِنْ الناسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِل عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) الآية... قالوا: لهو الحديث هو الغناء... قال القرطبي في تفسيره: ان سبب نزول هذه الآية هو النضر بن الحارث بن علقمة وكان يشتري القيان ويعلمهن أساطير الأولين للتغني بها كيداً للإسلام. وأتوا بأحاديث في تحريم آلات الموسيقى مثل: أمرني ربي بنفي الطمبور والمزمار، وحديث: نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب الدف ولعب الصنج وصوت الزمارة. الأول رواه إبراهيم بن يسع، قال عنه البخاري، حديث منكر والثاني من رواية عبدالله بن ميمون عن مطر بن سالم، والأول «ذاهب الحديث» والثاني «شبه مجهول». 68 ماذا في هذه الآلات؟ إنها تأتي بأصوات تحاكي أصوات الطيور المغردة والحيوانات، فهي تحاكي أصواتاً طبيعية وتنظمها في أنغام لتستميل الطباع مثلما هو أثرها في عالم الحيوانات والطير، وهي في هذا المجال على حد التعبير القرآني: (أمم أمثالكم)، وفي إشارة لهذا الميل الفطري والتشابه بين المخلوقات قال الإمام أبو حامد الغزالي: من لم يحركه العود وأوتاره، والربيع وأزهاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج، زائد في غلظ الطبع وكثافته، على الجمال والطيور بل على جميع البهائم، فإنها جميعاً تتأثر بالنغمات الموزونة. هنالك أحاديث كثيرة تبيح السماع والآلات، مثلاً روت عائشة أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا عائشة أتعرفين هذه؟ قلت: لا، قال: قينة بني فلان، اتحبين أن تغنيك) ففعلت. وفي يوم عيد كان الحبش يلعبون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فأذن النبي لعائشة بمشاهدتهم حتى ملت، وكان يقول: دونكم بني ارفدة، امنا بني ارفدة. صحيح أن الإسلام نهى عن الصور والتماثيل لأنها كانت لأوثان، أي لانها كانت ذات دلالة دينية شركية، ولكن إذا انتفى هذا الطابع فلا حرمة. قال تعالى: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشكُورُ)، فالتماثيل هنا عند اعتبارها فناً لا رمزاً دينياً تعد من نعم الله للإنسان. الصور، التماثيل، الأقوال، الأفعال، كل هذه المسائل إذا كان القصد منها دينياً شركياً أو وضعت في مكان بحيث تشغل المصلي عن صلاته أو العابد عن عبادته فإنها منكرة، أما إذا كان القصد منها واضحاً لأغراض عملية أو جمالية فلاحرمة. لقد سك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عملة عليها صورة الملك الفارسي، وعائشة روت أنها كانت تلعب بالعرائس فلم ينهها النبي (صلى الله عليه وسلم). أقول: 1ـ الإسلام دين عمارة للدنيا وللآخرة وهو دين فطرة يقرها وينظم ممارستها. 2 ـ الفن من فطرة الإنسان وله موقعه في حضارة الإسلام ونظامه. وهو من ضمن حاجات الإنسان الأساسية العشرة الواجب إشباعها،70 والفن يقوم بوظائف عديدة منها الرقي الذوقي، فتح المدارك، الترويح، الاتصال بالقيم العليا، وغير ذلك. 3 ـ لقد وظف الفن في مجالات دينية شركية وفي مجالات الملذات الهابطة، هذا النوع من الفن محرم لأنه ترويج للإنحراف لا لأنه فن. 4 ـ لأسباب تاريخية صار العدد الأكبر من المسلمين كما يظهر في خطب الجمعة والصفحات الدينية في الصحف يرون وجود تناقض بين الدين والفن، الحقيقة التي تؤكدها التجربة الإنسانية هي أن الدين والفن كلاهما يدفع الإنسان بقوة الإيمان وبروعة الفن إلى تجاوز قدراته. لا أحد يشك في أن الإيمان كفيل بمضاعفة قدرات صاحبه الطبيعية، أما الفن فقد صور آثاره ابن الفارض تصويراً جميلاً: فطيف خيال الظل يهدي إليك في كرى اللهو ما عنه الستائر شقت .. وغدا نواصل