ـ هل تقف الحكاية هنا، وهل كان هانز لصاً حقيقياً صاحب سوابق أو مسجل خطر كما يقال؟ ـ رددت هذا السؤال على نفسي قبل أن أغادر مكان الحجز الذي تم ايقاف هانز فيه على ذمة التحقيق وحملت السؤال إلى موظفي البنك فجاءت الاجابة مختلفة.. لقد امتدح موظفو البنك زميلهم المعتقل وقالوا انه كان مثالاً للاتزان والرقة والعطف على الزبائن، وان اجتهاده في العمل كان وراء تقدمه في الوظيفة، وأنهم يعتقدون أن زميلهم عمل كل ذلك بحس إنساني رفيع، خاصة وأن وظيفته جيدة ووضعه المادي والاجتماعي ممتازين، ولا يحتاج ان يمدّ يده ليستأثر بشيء لنفسه! المثير في حكاية صاحبنا هانز هو ما أثارته الصحافة، إذ أخذت البعد الانساني في قصته وربطته بحكايات آرسين لوبين، الأمر الذي جعل الذاكرة تعود من جديد لتلتقط ذاك اللون من القصص الذي تدور بطولاته المثيرة حول رجال ذوي أهواء جامحة، أوتوا من الجرأة وسعة الحيلة ما جعل سيرهم مثار متعة القرّاء واعجابهم. وعلى الرغم ان تلك البطولات لا تقوم إلا على التفنن في أساليب التلصص والاحتيال، إلا أن مؤلفيها برعوا في أن ينفثوا فيها نفثات النخوة والاقدام، ضاربين بذلك على وتر خفي وخطير تحنو عليه نزعات البشر. وهذا ما فعله الإعلام الألماني في قضية هانز، إذ عملت دور النشر على إعادة طباعة القصص البوليسية التي تتحدث عن مثل هذا الاسلوب من السرقات، ووظفت إسم آرسين لوبين في اعلاناتها المتكررة لعل وعسى أن تجد من يشتري في تلك الحمى التي تجتاح ألمانيا. ـــ لقد نقلتني كلمات هانز التي قالها والتقطتها أذني إلى الوراء من جديد، فهانز كما قال ليس سوى حلقة مفقودة من حلقات الزمن المتواصل، وحتماً سيأتي بعده كثيرون.. هكذا وجدت أنني أعود إلى مكتبي وأقف أمام ملايين الكلمات المرصوصة فأبحث عن مسامرات العرب لأجد طوائف لعياربن وشطّار وصعاليك وحرافيش وبينهم يتراءى وجه عتيق، ملامحه قريبة من ملامح هانز الألماني، فأغادر قافلاً باتجاه هانز أحدثه بما اكتشفت فيطلب مني راجياً أن يدخل معي تلك العوالم المثيرة، عوالم الاكتشاف والعودة إلى عصر غادرنا من آلاف السنين، خاصة وأنه معجب بما قرأه من قصص الشطّار أو الصعاليك الاسبانية. وحتى لا أنتقل نقلة مفاجئة من عصرنا الحالي إلى عصور الحضارة العباسية وبالتحديد نهايتها وضعفها وتدهورها حيث أصبح للشطّار والصعاليك عالمهم الخاص بهم، آثرت متعمداً أن أنتقل إلى عصر الشطارة والصعاليك الأسبان، حتى يدرك صاحبنا هانز أن المادة التي اعتمدت عليها الحكايات والقصص الاسبانية إنما نبعت من أصل قديم هو الأصل العربي. قبل ان تلامس يدي (فأرة) الجهاز الذي أمامي أخذت الافكار تأخذني يمنة ويسرة، تارة صوب الغرب المثير وتارة باتجاه الشرق الساحر، فمن أين أبدأ وإلى أين أتجه؟ راودتني الأسئلة بتشابكها وعلامات الاستفهام المتواصلة، وفجأة لمعت الفكرة.. لقد وجدتها.. لن أذهب غرباً، ولن أتوجه شرقاً، فقط سأقف هنا مكاني، وسأستدعي ما أريد ومن أريد!! ـ قلت لهانز: أعذرني أيها الصديق لن أغادر المكان. ـ أوه دعك من هذا المزاح الآن، وأخبرني عن وجهتنا، فأنا مشتاق لرؤية تلك العوالم الساحرة المثيرة. ـ لا أيها العزيز، لدي فكرة ربما تروق لك، واعتقد أنها أفضل من مسألة الخروج من زمننا والدخول في زمن آخر لا نعرف عنه شيئاً.. الفكرة يا صديقي تتمثل في التخاطب من خلال هذا الصندوق السحري العجيب مع شخص أخبر عنّا، وأدرى بحكايات الشطار الاسبانية. ـ هذا مثير، ولكن من هو هذا الشخص الذي يعرف تلك الاسرار الخفية؟ ـ قبل أن أجيبك عن هذا السؤال يجب عليّ أن أبحث عنه من خلال الشبكة الالكترونية العالمية. .. وغداً نكمل