الآن، وقد فرغنا من محاولتنا القاء نظرة على المكون الاول من المكونات العشرة الرئيسة من مكونات المسجد، وهو بيت الصلاة، يتعين علينا الانتقال الى المكون الثاني، الذي يعد ـ تاريخياً ـ واحداً من أقدم مكوناته، غير أنني أجد من المنطقي ـ ومن المحتم ـ قبل القيام بذلك أن أعمد الى إعادة التشديد على عنصرين مهمين في العمارة الاسلامية بعامة والعمارة الدينية التي أبدعها المعماري المسلم بخاصة. هذان العنصران هما التجريد والرمز، وقد سبق لي ـ في غير هذا المقام ـ أن فصلت القول في هذين العنصرين، ولست اعتزم تكرار ما قلته مجدداً، ومن ثم أكتفي بالتأكيد على ما هو بديهي فيما يتعلق بهما، وهو أنهما يعدان من أهم الخصائص الاساسية للفنون الاسلامية، بما في ذلك أقرب هذه الفنون الى الواقع والتجلي تحت الآفاق، اي العمارة. بديهي أيضاً أن التجريد في المنظور الاسلامي للفن هو تجريد مطلق ولا نهائي، غير محدود بانطلاقات حرية وأبعاد الرؤية البصرية للموضوعات الطبيعية، كما انه من ناحية أخرى ليس تجريداً هيولياً او سديمياً او عبثياً، بل هو تجريد تحكمه قوانين الايقاع الرياضية، التي تعتبر الجوهر الأساسي للايقاعات الموسيقية، والتي هي ترداد بسيط للايقاعات الفلكية الكونية، ومن هنا يكتسب التجريد الاسلامي سحره. وقد تحرر الفن الاسلامي في رمزيته من نطاق الرموز الخاصة ليحلق الى مستويات اكثر عمومية وشمولية، فامتلك عن طريق استخدامه للرموز الكونية قدرات مذهلة تتجاوز ما يرى بالبصر الى مالا يدرك الا بعين البصيرة، وتتجلى جوانب من هذا كله في التجريد الرائع الذي يتمتع به الخط العربي. هكذا فان التجريد والرمز يعدان بمثابة الدعامتين الأساسيتين اللتين يعتمد عليهما المفهوم الاسلامي للفن، وقد تجليا بوضوح بصفتهما تلك على امتداد مسيرته الابداعية الطويلة المترامية في الزمان عبر أكثر من الف عام وفي المكان عبر الأرض الممتدة من أطراف الصين الى الاندلس. وهذا المفهوم تحيطه وتكشفه خصائص جمالية أخرى خفية وظاهرة. هكذا، فإن هذه الغبطة الدائمة التي نستشعرها في حضرة تجليات الفن والعمارة الاسلاميين انما تمثل الفرح الممزوج بالدهشة امام هذا الجمال الذي يمنحنا السكينة الروحية. هذه الغبطة ما ان تنجلي وتتلاشى من شكل ما او خط او كلمة حتى تعود بشكل اخر، ذلك انها تعبير عن الفرح الدائم بالايمان، وعن المحبة المستمرة للحياة والموت معاً. الحياة لانها هبة من الله. والموت لانه سيقربنا منه جل وعلا. هذا التجدد الدائم والمستمر للنسغ الذي لا ينى يعود ويعود نستشفه من خلال الحركة المستمرة للدائرة، هذا العنصر الزخرفي الأساسي، حركة القوس في العمارة، تلك الحركة التي تشبه تعاقب الليل والنهار. ومن خلال هذا الفهم لايقاع الحركة المستمرة نتبين معنى الوحدة في العمل الفني الاسلامي. هذه الوحدة التي تعتبر الناظم الذي يحكم العلاقة بين الدائرة ومركزها، وهي وحدة متحققة على الرغم من التنوع الهائل. وكأننا في الفن الاسلامي نجد مرآة عاكسة لتلك القدرة الكلية التي تحقق الانسجام والجمال. وعودتنا للتأكيد على هذه الحقائق هنا ضرورية، في اعتقادنا، لانه بغير تمثلها وتأملها طويلاً لن يقدر لنا ان نتفهم الكثير مما سيعرض لنا في خلال مناقشتنا للمنبر باعتباره المكون الرئيس الثاني في المسجد، وبصفة خاصة سيصعب علينا تفهم أسرار التجليات الحديثة للمنبر المغرقة في تجريديتها، حتى نرى المنبر في بعض الحالات يتحول الى كتلة نحتية مذهلة مع المحراب، يتصاعد فيها جدل الكتلة والفراغ الى ذرى يعز تصورها. أصداء حبشية قبل أن نتطرق الى أي مدخل من المداخل المفضية الى المنبر، باعتباره المكون الثاني من المكونات العشرة الرئيسة للمسجد، يتعين علينا أن نتفهم، بأكبر قدر ممكن من الوضوح والتكامل، ما الذي يعنيه المنبر في لغة الضاد. شأن كل شيء، على وجه التقريب في المنبر، فإن الجوانب اللغوية فيه لن تمنحنا أسرارها في يسر وسهولة، وإنما يتعين علينا أن نغوص في أغوارها لنقترب من حقيقتها. من الناحية اللغوية، يمكننا ان نجد سبع اضاءات متوالية حول المنبر، سنطل عليها سريعاً لنمضي الى الجانب الذي يعنينا حقاً، وهو ما يتعلق بالمنبر من منظور جماليات المكان باعتباره من أبرز المعالم المعمارية في المسجد. وهذه الاضاءات هي كالتالي: ـ يشير الزمخشري في معجمه «أساس البلاغة» الى أن كلمة «منبر» هي كلمة عربية، حيث يقول: «نبر فلان نطق نطقه بصوت رفيع، ورجل نبّار بالكلام، ومنه المنبر، وانتبر الخطيب ارتفع على المنبر». ـ غير أن الشيخ طه الولي في كتابه «المساجد في الاسلام» ينقل عن الكاتب شيفالييه دي رعد مخالفة صريحة لهذا التصور، حيث ان هذا الأخير يعدها من الألفاظ الحبشية الدخيلة على اللغة العربية، ويقول في موضوع له نشر في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق عن الألفاظ الحبشية في اللغة العربية: «المنبر كلمة حبشية الأصل وقد ذكر بعض الكتبة ان أصلها في الحبشية «ونبر» اي كرسي فقلب العرب الواو ميماً واستعملوها على هذه الصورة، وهي لا تزال تستعمل عندهم ـ أي عند الأحباش ـ للدلالة على سدة كبيرة لكرسي الملك، او رئيس الديوان او نحوهما، فيدعون مثلا سدة النجاشي «منبر دوايت» اي سدة الملك داود لانهم يعتقدون انه من سليمان بن داود من ملكة سبأ احدى زوجات سليمان. أما كلمة «منبر» فيطلقونها على أي مقعد كان، ولما انتقلت الكلمة الى العرب جاءتهم على وضعها الأصلي اي «منبر» وهم لم يبدلوا منها سوى فتح الميم فقالوا «منبر». ـ تبنى كريزويل وجهة النظر ذاتها التي قال بها دي رعد، وذلك في دراسته بعنوان «منبر الرسول وتطور المنابر». ـ يرى شوالى ونولدكه ان كلمة منبر من أصل اثيوبي، ويشيران الى تعدد الكلمات ذات الأصل الحبشي الواردة في القرآن الكريم، ومنها: الحواريون، منافق، فطر، محراب، برهان، انجيل، جهنم، وتابوت. ـ يقول دكتور حسين مؤنس في كتابه «المساجد» الصادر في إطار سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية: «المنبر أيضا مفهوم يغلب أنه دخل لغة قريش من لهجة اليمن عن طريق الجماعة المسيحية في نجران، واللفظ غير قرآني على أي حال، فلا وجود له في الكتاب الكريم». ـ يقول ابن منظور في «لسان العرب» عن مادة المنبر: «كل شيء رفع شيئاً فقد نبره، والنبر مصدر. والمنبر مرقاة الخاطب، سمى منبراً لارتفاعه وعلوّه، وانتبر الأمير ارتفع فوق المنبر». ـ عرف جعفر الحسني في موضوع له بمجلة المجمع العلمي بدمشق المنبر بأنه بناء ثابت من خشب او حجر، بينما قال غيره انه مرقاة متنقلة لها درجات. تاريخ المنابر موضوع يعيد الى الذهن، على الفور، صور البيت الشهير لعنترة العبسي «هل غادر الشعراء من متردم؟». وهو تساؤل في موضعه حقاً، فالمرء يجد لدى المصنفين العظام ولدى الباحثين المحدثين في المساجد مادة تكاد تمتد بلا انتهاء حول تاريخ المنابر، ليس ابتداء من جدها الاعلى في الاسلام فحسب، وهو المنبر الذي اتخذه الرسول صلى الله عليه وسلم في مسجده بالمدينة، وانما عودة الى المنابر في الجاهلية والتي كانت اقرب الى العروش ومقاعد سادة الأقوام منها الى أي شيء آخر. في حقيقة الأمر، لست اريد الحديث عن تاريخ المنابر ولا جغرافيتها، وانما يهمني الحديث عن جمالياتها كعنصر معماري في المسجد الجامع. مع ذلك فلا بأس من لمحة عاجلة كتلك التي ألمحنا من خلالها بمعاني المنبر في لغتنا الجميلة، ولكن هذه المرة سنعرض لما أصاب. المنابر من تطور وانتشار. حيث نلمح المحطات التالية: ـ لا يتردد المستشرق كريزويل في تأكيد انه: «كان المنبر معروفاً في العصر الجاهلي، ولم يكن في أول امره سوى المقعد الذي يجلس عليه رؤساء العرب القدماء، فلما جاء الاسلام اتخذ مقعداً يجلس عليه الحكام المسلمون، ولعل هذا ناشيء الى حد ما من تأثرهم بفكرة اتخاذ العروش، وهي فكرة شرقية قديمة، فكان يجلس عليه الرسول وخلفاؤه من بعده عندما ينظرون في الشئون العامة». وهذا الطرح يشاركه فيه مستشرقون اخرون، منهم بيكر، وغني عن البيان ان فيه من الخلط والتجاهل ما لا يخفى، فالمنبر في الاسلام لا يرقى الا لخطبة الجمعة او للجليل والعظيم من شئون المسلمين، وبالتالي ففكرة تماهيه مع العرش لا سبيل الى القبول بها. ـ الجد الأعلى لمنابر المسلمين، كما قلنا عنه، هو منبر الرسول عليه افضل الصلاة والسلام في مسجده بالمدينة اتخذه استجابة لاقتراح بعض الصحابة الذين دعوه الى أن يتخذ شيئاً يجعله في محل مرتفع ليراه الناس إذا خطب ويقعد عليه اذا حل به التعب، فجعل من أثل على درجتين والثالثة لجلوسه، وقيل بل من طرفاء الغابة، وذلك في السنة السابعة للهجرة. وظل على حاله الى ان زاد فيه مروان بن الحكم، عامل معاوية بن أبي سفيان على المدينة ست درجات، وتؤكد غالبية المصادر انه بقى كذلك حتى عام 654 هجرية حيث التهمه حريق اتى على المسجد حتى ذاب رصاص بعض أساطينه لفرط شدته. وقيل انه كان هناك منبر آخر لحسان بن ثابت يرتقيه عند انشاد قصائده في مدح الرسول وهجاء اعداء الله حتى اذا فرغ من انشاده ازيل من موضعه، وقيل ان النبي اتخذ كذلك منبرا من طين. ـ نهى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرو بن العاص عن اتخاذ منبر في جامعه بالفسطاط، وبعث اليه بقوله الشهير الذي حفظه لنا المقريزي وغيره: «اما يكفيك ان تكون قائماً والمسلمون جلوس تحت عقبيك». ويبدو ان عمرو بن العاص اتخذ منبراً بعد وفاة عمر، حيث اشار ابن دقماق والمقريزي الى وجود منبر بجامعه بالفسطاط لا يعرف أقدم منه سوى منبر الرسول. وفي نهاية الدولة الاموية وبداية الدولة العباسية انتشرت المنابر في جوامع مصر كافة، ويغلب ان الامر صار على هذه الحال في سائر الأمصار. ـ أقدم منبر لايزال قائما في الاسلام هو منبر جامع القيروان، والذي يتميز بالبساطة فلا مدخل ولا مصاريع له وما من جوسق يعلوه، وهو مؤلف من سبع عشرة درجة. درجة تفضى الى المقعد، ومتخذ من خشب مزخرف بمئتي حشوة وعارضة غائرة بأحجام غير متساوية. وعلى الرغم من ترميمه مرات عديدة، الا ان معظم زخارفه تبدو اموية الطابع وتتألف من مؤثرات متنوعة محكمة في إطار متماسك بطريقة تعيد الى الأذهان الطريقة المستخدمة في قصر المشتى. ـ اهتم العبيديون، او الفاطميون ان شئت، بالمنابر اعظم الاهتمام، وبالغوا في زخرفتها، وإليهم يعود وضع الرايات على جوانبه، والافراط في زخرفة هذه الجوانب بالوحدات الهندسية المجمعة التي تحف بها زخارف نباتية محفورة ذات تفريعات متداخلة ومتشابكة. ـ تفنن المماليك في اتخاذ المنابر، غير ان استخدام الزخارف النباتية المورقة تراجع فيها وحل محلها التطعيم بالسن والصدف، مع صغر حجم الوحدات المجمعة التي كان يجري تطعيمها. وغدا المنبر في زمانهم ـ سواء اتخذ من الخشب او الرخام ـ تحفة رائعة، تتألف اذا كانت من خشب من قاعدة مستطيلة تعلوها مجموعة من الاجزاء المختلفة، اولها باب مقدم ذو مصراع او مصراعين من الحشوات الخشبية المجمعة، تزينها زخارف نباتية وهندسية مطعمة في اغلب الأحيان بالعظم والعاج. وكثيرا ما كانت تعلو هذا الباب حشوة كتابية قرآنية او تأسيسية يتوجها صف من الشرفات المورقة او المسننة، وثانيها ريشتان او مجنبتان تتألقان بحشوات مجمعة في أطباق نجمية وأجزاء منها تزينها زخارف نباتية وهندسية مطعمة احيانا وغير مطعمة في أحيان اخرى، وثالثها بابا روضة في المؤخرة تزينهما الحشوات او غير المطعمة نفسها، وكثيراً ما كانت تعلوها كتابات انشائية او قرآنية، ورابعها مقعد او جلسة خطيب فوق بابي الروضة يرقى اليه بواسطة سلم داخلي عبارة عن مربع له ثلاث واجهات مفتوحة يعلوه جوسق او قبة صغيرة يتوجها هلال. اما المنابر الرخامية فقد تعددت نماذجها، ولعل اقدمها ما وجد بمسجد الحظيري والذي نقل الى متحف الفن الاسلامي. على الرغم من ان اقدم المنابر في بلاد فارس وافغانستان اودى بها الغزو المغولي، الا ان لدينا العديد من المنابر التي تنتمي الى العهد التيموري، ابرزها المنبر الموجود في جامع جوهر شاه اغا في مشهد، ويلاحظ قصر المنابر وعدم تعدد درجاتها، وكذلك اخضاع عناصر البنية للاهتمام الشديد بالزخرفة. ـ على الرغم من أن معظم المنابر العثمانية متخذة من الخشب الا ان بعضاً من أهم نماذجها اتخذ من الرخام وتميزت بالارتفاع والصرحية لتتناسب مع أبعاد المساجد نفسها. وهذا هو ما نجده، على سبيل المثال، في الجامع السليمي بأدرنه، حيث يعد هذا المنبر الرخامي من أبدع منابر تركيا وأعظمها شأنا، وربما يشكل نموذجا نسجت على منواله منابر عثمانية أخرى عديدة حيث الباب السميك والدرجات المنحدرة وغطاء المقعد المرتفع. ـ المنابر في جوامع الهند كلها تقريباً متخذة من الحجر، وهو امر مدهش، في ضوء توافر افضل أنواع الخشب التي عرفها العالم الاسلامي في الهند، وربما كان مرد ذلك حرص مبدعيها على تجميلها بالحفر المكثف في الحجر. ويلاحظ اتخاذ شكل السرادق في الجوانب الأربعة في منابر جوجارات وأحمد اباد، بينما نجد المنابر في حيدر اباد اثقل وأقل زخرفة ولا تعلوها جواسق ولا ظلات وليست لها ابواب ولا مصاريع. ـ يلفت نظرنا اتخاذ المنابر في ساحل شرق افريقيا من الحجر غالباً، وليس من الخشب، وهناك فيما يعرف الان بتنزانيا منبر فريد في جامع يعود الى القرن السادس عشر موضوع في الحائط، ويتم الوصول اليه عن طريق فتحة في حائط القبلة، يفضي درج يمتد منها الى حنية بجوار المحراب. ـ شكل المنبر في المساجد الحديثة ـ على نحو ما سنرى حالاً ـ تحدياً هائلاً للمعماريين بحيث يعكس حشدا بكامله من الاجتهادات التي توفق حينا وتخفق احياناً. لكنه ما من حديث يمكن ان يقدر له الاكتمال عن المنابر الا بذكر الجانب النضالي في التاريخ الاسلامي الذي كانت اعواد المنابر شهوداً عليه، ويكفي ان نتذكر هنا منبر المجاهد نور الدين محمود الذي استغرق صنعه في حلب عشرين عاماً، وكانت امنيته ان ينقله الى المسجد الأقصى في بيت المقدس بعد تحريرها من قبضة الصليبيين الذين خاضوا في دماء المسلمين لدى غزوهم للمدينة، ولم تتحقق هذه الامنية الا على يد صلاح الدين الأيوبي الذي امر بهذا المنبر عينه فنقل من حلب الى المسجد الأقصى بعد تطهيره من رجس الصليبيين. وظل قائماً فيه الى ان احترق في 21 اغسطس 1969 على يد استرالي دسه الصهاينة فأشعل فيه لهيب النفط. هذا التحدي الكبير من المؤكد ان المنبر باعتباره سمة معمارية وزخرفية من سمات المساجد الجامعة ـ حيث أنه لا وجود له في المساجد والزوايا الصغيرة التي لا تقام فيها صلاة الجمعة ـ قد وصل الى ذروة رفيعة من ذرى الابداع على يد اجيال متتابعة من المعماريين المبدعين. هذه الحقيقة يعبر عنها المستشرق جاستون فبيت خير تعبير، حين يتحدث عن المنابر الخشبية فيقول: «انها تضم مجموعات من الحشوات الصغيرة المتباينة الأشكال، جمعت بعضها الى بعض، وان احتفظت كل منها بشخصيتها المستقلة حتى لكأنها لا تؤدي دورا في الشكل العام، وتتتابع الدوائر والمربعات والمعينات والنجوم والأطباق النجمية متداخلة بعضها ببعض عن طريق التعشيق حتى ليمكن تجميعها او تفريقها من دون ان يزول اثرها او يتضاءل. وللزائر المتأمل ان يتصورها مجتمعة بعضها الى بعض اذا شاء. وله أن يكتفي بتأمل ما يقع عليه بصره منها فيرى شيئا منفصلاً قائماً بذاته. ففي الحق ان تجميع تلك العناصر لا يجعل منها وحدة حقيقية. وحتى يتسنى للمرء ان يوفيها حقها فإن عليه ان يدرس في عناية سائر التفصيلات الدقيقة التي تربط العناصر والوحدات بعضها الى بعض. ألا ما أصدق هنري فوسيون عندما قال: ما اخال شيئا يمكنه ان يجرد الحياة من ثوبها الظاهر وينقلنا الى مضمونها الدفين مثل التشكيلات الهندسية للزخارف الاسلامية. فليست هذه التشكيلات سوى ثمرة لتفكير رياضي قائم على الحساب الدقيق، قد يتحول الى نوع من الرسوم البيانية لأفكار فلسفية ومعان روحية، غير انه ينبغي الا يفوتنا انه خلال هذا الاطار التجريدي تنطلق حياة متدفقة عبر الخطوط، فتؤلف بينها تكوينات تتكاثر وتتزايد، مفترقة مرة ومجتمعة مرات، وكأن هناك روحا هائمة هي التي تمزج تلك التكوينات وتباعد بينها ثم تجمعها من جديد، فكل تكوين منها يصلح لاكثر من تأويل يتوقف على ما يصوب عليه المرء نظره ويتأمله منها. وجميعها تخفى وتكشف في آن واحد عن سر ما تتضمنه من امكانات وطاقات بلا حدود». غير انه لا ينبغي ان يخفى علينا ان المنبر، الذي بلغ هذه الذروة الرفيعة من ذرى التحقق الجمالي، كان يشكل منذ وقت جد مبكر تحدياً للمعماري المسلم، فهو حتى وان صغر حجمه يظل ـ من الناحية العملية ـ يشكل انقطاعاً في صفوف المصلين، وهو امر طالما كرهه المسلمون في أقطار الارض من اقصاها الى أقصاها، وتحملوه بالكاد في حالة الأعمدة الحاملة لسقف بيت الصلاة والتي لا غنى عنها ولا مناص منها. من هنا فليس عجيباً ان نعلم ان بعض المعماريين المسلمين حرصوا في تصميماتهم للمساجد على ان يجعلوا للمنابر امكنة خاصة تودع فيها بعد انتهاء الخطبة وقبل اصطفاف المصلين استعداداً لاقامة الصلاة. ومن المعتقد ان ابناء الاندلس وشمال افريقيا هم اول من عمدوا الى ذلك، وقد نقل الفاطميون ذلك الى القاهرة عندما دخلوا ارض مصر وشيدوا تلك المدينة لتكون مقرا لملكهم. هكذا يلفت نظرنا ان الدكتور محمد البهى في كتابه «الازهر: تاريخه وتطوره» يبادر الى القول ان: «هناك اقتباسات وتأثيرات معمارية وقعت على العمارة في الاسكندرية والقاهرة، ومنها ايداع المنبر في حجرة خاصة به بجوار المحراب، ولا يخرج الا عند خطبة الجمعة او العيدين، مثل ما هو موجود في جوامع الزيتونة وصفاقس والمنستير وغيرها، فقد كان كذلك منبر الجامع الأزهر عند انشائه، وبعض منابر مساجد الاسكندرية على ما رواه الزركشي في كتابه «اعلام الساجد بأحكام المساجد» على أن العبيديين ما لبثوا ان تخلوا عن فكرة المنابر النقالة، وأصبحوا يبنون منابر مساجدهم من الحجر او من الجص، كما هو ظاهر في المساجد التي شادوها في أواخر ايامهم في مصر». لم يقتصر هذا الأمر على الاندلس وشمال افريقيا، حيث يلفت نظرنا ايضا ان ابن بطوطة يحدثنا من خلال ذاكرته المدهشة اللاقطة لأدق التفاصيل عن وجود منبر متحرك في قلب مكة، حيث كان هذا المنبر النقال او المتحرك ـ حسب روايته ـ يلصق الى صفحة الكعبة الشريفة فيما بين الحجر الاسود والركن العراقي حتى اذا انقضت صلاة الجمعة اعيد المنبر الى مكانه ازاء مقام ابراهيم. في عالم متغير لعل أعظم التحديات التي طرحها المنبر على امتداد تاريخه الطويل، وقد رأينا كيف ان كريزويل يرد بداية هذا التاريخ الى أيام الجاهلية، هي تلك التي أثارها في وجه مبدعي العمارة الحديثة. اثارة هذه التحديات من جانب المنبر كانت في حقيقة الأمر على اكثر من وجه، فهناك مساجد حديثة رأينا كيف ان المعماري لم يتردد في غمار تصميمها وتنفيذها في قطع الشوط كاملاً، والوصول الى حد القطيعة البصرية، المطلقة في بعض الأحيان، مع الماضي بتقاليده وأعرافه وقواعده التي درج المعماريون جيلا بعد جيل على اتباعها والالتزام بها. وهناك بالمقابل مساجد حديثة مضت في الاتجاه المقابل، اي الارتباط البصري بالماضي، ولكن من دون ان يعني ذلك الاكتفاء بتقديم مستنسخات من هذا الماضي، وانما المبادرة بتقديم اشكال جديدة تعكس درجة ما من الاجتهاد والحرص على الابداع وتقديم الجديد والمبتكر، ولكن في الوقت نفسه مع الابقاء على حد أدنى من الارتباط البصري بما قدمته اجيال لا حصر لها من المعماريين المسلمين. الواقع ان رصد هذا الجانب، اي التصدي المعماري لهذه النوعية من التحديات، كان أحد العناصر التي حرصت على رصدها بمزيد من الشغف والفضول خلال تجوالي في بلاد الناس، ولست اريد ان افرض على القاريء تفضيلاتي او ما احببته او ما لم استرح ـ بصريا ـ له. ولكنني اريد ان اضرب امثلة محدودة للغاية، تفرض نفسها بقوة لما تعكسه من دلالات في المقام الاول، وقبل كل شيء. ربما يتصور القاريء ان اول مثال سأضربه يتعلق بأحد المساجد التي تعرف باسم مساجد الدولة، والتي غالباً ما تحشد لها وفيها العبقريات المعمارية والامكانيات الهائلة والقدرات التنفيذية المذهلة، باعتبار ان تلك المساجد هي في النهاية بيانات سياسية او تجليات للسلطة تأخذ اهابا معمارياً. لكننا الى غير ذلك نذهب، لأسباب سنتعرض لها تفصيلاً في موضع لاحق من هذا الكتاب، ونركز على مساجد قد لا تكون كبيرة ولا صرحية ولا شهيرة، ولكنها بكل تأكيد ذات اهمية بالغة من الناحية الفنية، نلقي الضوء على منابرها، ولسنا نشك في اننا سنعود اليها لاحقاً في متابعتنا للمكونات الرئيسة الأخرى للمساجد: ـ أولاً: مسجد ولاية نيجرى سمبيلان في سريمبان بماليزيا. وقد بدأ بناء هذا المسجد في عام 1962 واكتمل في عام 1967 على مساحة فدانين من اراضي التلال التابعة للولاية وتصميمه الخارجي في شكل تساعي لافت للنظر، رمزا للمقاطعات التسع التي تتكون منها هذه الولاية، وقد صمم بحيث يتسع لحوالي 1500 مصل. ما يلفت نظرنا في هذا المسجد الجامع، وفي منبره على وجه التحديد، هو انه يمثل نتيجة محاولة واعية للوصول الى خلاصة او مركب اعلى للتصميم الحداثي والتقليدي، وهو في جوهره نموذج لاعادة تفسير الشكل المعماري الماليزي مع تنفيذه بالاستعانة بالتقنية المعاصرة. وداخل هذا المسجد الجامع هو فضاء تساعي الشكل، ويتداخل المنبر والمحراب في شكل اقرب الى كتلة نحتية مدهشة، حيث يأخذ المحراب شكل دعامة من مخروط مقلوب يعلوها صفان من الخط المنفذ في صورة اقرب الى توريق مذهب، وهذه الكتلة النحتية الجريئة يتم دعمها بالنافذة التي تأخذ شكل جدار بكامله وراءها. ـ ثانياً: مسجد شريف الدين الأبيض في فوسوكو بالبوسنة. هذا المسجد ـ شأن مسجد بن مدية في منطقة السبخة في ديرة بدبي ـ من المساجد التي سنعود اليها في هذا الكتاب مرارا وتكراراً، مرة بالاهتمام، وأخرى بالاعجاب، وثالثة بالانتقاد، ورابعة لمزيد من التدقيق في تفاصيل التنفيذ. ربما كان مصدر هذا كله ان مسجد شريف الدين هو احد تجليات العمارة الاسلامية الحديثة التي لا تتردد في التقدم معلنة ـ بصراحة ووضوح وحسم ـ عدم تردد مبدعيها في الوصول الى القطيعة البصرية مع الماضي، بكل ما في ذلك من استعداد للقبول بالنتائج ومن الاعتماد على ابداع معماري جديد ومختلف ومفارق لما ساد منطقة البلقان بالذات على امتداد ما يصل الى خمسة قرون او يزيد. وقد تنادى المسلمون من أبناء المدينة في عام 1967 لبناء هذا المسجد وقدموا 94% من تكلفة بنائه على حين قدمت السعودية 2% من تكلفة البناء وتم توفير النسبة الباقية من التكاليف من الأرصدة العامة المحلية، وكانت النتيجة بناء يعتز به أبناء المدينة أشد الاعتزاز، ويقصدها الكثيرون لمجرد مشاهدة هذا المسجد. فيما يتعلق بما يعنينا هنا، اي المنبر، فإنه شأن كل مكونات بيت الصلاة يجمع بين البساطة والتجريد والرهافة في التنفيذ، وهو متخذ من الخشب المطلي باللون الأبيض، ويعلوه ما يشبه السرادق الهرمي، الذي يرد أصداء القبة والفسقية، وتزخرف اعلى بابه البسملة بالاضافة الى لمحات فنية منها نجمة تتكبد هلالاً. ـ ثالثاً: مسجد المركز الاسلامي في زغرب. هذا المسجد الجامع الذي بنى في الثمانينيات ليس الا واحداً من اكثر من 700 مسجد تنهض تحت آفاق زغرب لكنه ينفرد بأنه جزء من أكبر مجمع اسلامي من نوعه في أوروبا، حيث يضم قاعة للمحاضرات ومكتبة وقاعات اجتماعات وفصولا دراسية ومطعما وجمنازيوم ومسلخاً للذبح على الطريقة الاسلامية. يلفت نظرنا ان المنبر اقرب الى كتلة نحتية فريدة، يحاول مبدعها الجمع بين الحداثة وترداد اصداء التقاليد المعمارية العريقة، وهو يتميز بالارتفاع الذي يتناسق مع فضاء بيت الصلاة تعلوه قبة بديعة، وهو متخذ من الجص، وريشتاه او مجنبتاه تعكسان تأثير ستارة جصية تردد أصداء درابزين مصلى النساء الذي يمتد على ثلاثة من جدران بيت الصلاة الأربعة، وهذا التأثير هو أكثر اجزاء المنبر قربا من الاعراف والتقاليد المعمارية القديمة. وتظل المنابر واحات للعيون وللقلوب، على امتداد بلاد الناس، ولكنها كنوز لا يمتلكها الا من جمع الى البصر البصيرة، وليتنا نكون ممن يقدر لهم اجتراح هذا الجمع!