الاعجاز القرآني في تناول المعركة الهجومية.. هو موضوع البحث العلمي الذي أعده العميد أركان حرب مصطفى كمال الذي قال ان القرآن تناول صور المعركة القتالية كما نعرفها في عصرنا اليوم.. سواء كانت هذه المعركة هجومية - وهي الصورة الرئيسية للمعركة القتالية - أو الصورة الدفاعية.. وكل ما هو مشتق منهما في صورة قتالية أخرى.. وحتى يمكننا استعراض التناول القرآني للمعركة الهجومية فمن المهم أن نوضح كيف تتم هذه المعركة.. وذلك من خلال صور واضحة ومبسطة.. ثم نتناول كيفية التناول القرآني للمعركة الهجومية. ونظرا لأن المعركة الهجومية التي تتم في عصرنا اليوم تنفذ من خلال مجموعة من المراحل. لذا فإن تناولنا لها سوف يتم مرحلة مرحلة أو صورة صورة وبالترتيب حتى يكون هناك سهولة ويسر عند إيضاح التناول القرآني ونعرف ماذا قال القرآن الكريم في كل مرحلة وكيف عبر عنها ووجه الاعجاز الموجود في سياق التناول. والمعركة الهجومية تتم في عصرنا الحالي من خلال ست مراحل هي: أولا مرحلة حشد القوات: تنفيذ حركة هجومية ضد دفاعات معادية لابد من حشد القوات في مناطق الحشد. وهي مناطق بعيدة عن العدو يتوفر فيها الأمن سواء من مصادر نيران العدو أو عناصر استطلاعه. وتكون هذه المنطقة على مسافة من العدو مناسبة لا تسبب الإرهاق للقوات عند تنفيذ التحرك وفي حالة تواجدها على مسافة بعيدة تحدد أماكن وقفات لراحة القوات وفي هذه المنطقة يتم التزاوج بين عناصر الإلتحام والمشاة الدبابات - القوات الخاصة - الخ وبين عناصر الإقتحام وعناصر النيران المدفعية - الهاونات - الصواريخ - الخ يتم تنفيذها. وقد تناول القرآن هذه المرحلة بقول الله تعالى «واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم». ويلاحظ هنا أن الأمر الإلهي جاء في صورة عامة شاملا اعداد وتجهيز القوات في أوقات السلم، وأيضا القيام بحشدها استعدادا لتنفيذ القتال.. وأوضح أن الإعداد هنا يشمل عنصر القوة ممثلة في القول البشرية والأسلحة والمعدات - الخ.. وكذلك عنصر المناورة ممثلا في رباط الخيل، وحيث كانت الخيل هي العنصر المشترك في أغلب معارك هذه الفترة من الزمن، وكانت هي وسيلة المناورة الرئيسية ويجب ألا ننسى أن أى معركة قتالية تتم في عصرنا اليوم تتكون من عنصرين أساسيين هما النيران والمناورة وقد وردا في الآية الكريمة لأهميتهما القصوى عن تنفيذ القتال الصحيح. ثانيا مرحلة التحرك والاقتراب من العدو: وفي هذه المرحلة تتحرك القوات من مناطق حشدها في إتجاه العدو من خلال تقدم يحقق السيطرة على القوات.. وغالبا ما تتم هذه المرحلة ليلا حتى لا ينكشف الهجوم. إضافة إلى ذلك فإن هناك العديد من الإجراءات التي تهدف إلى سرية التحرك والاقتراب مثل السيطرة على الضوضاء، والإضاءة الخاصة بالقوات والسيطرة على حجم الإتصالات اللاسلكية حتى لا تلتقط أي محادثات قد يستفيد العدو منها. وقد تناول القرآن الكريم هذه المرحلة من خلال القسم الإلهي في قوله تعالى «والعاديات ضبحا».. والعاديات هنا المقصود بها الدواب التي لها القدرة على العدو والسرعة خلال تنفيذ الأعمال القتالية. وهي على وجه التحديد الخيل والإبل حيث كان يتم استخدامهما في القتال في عصر نزول القرآن. وعندما نتأمل القسم الالهي ندرك أن هناك وجه اعجاز في تلك المخلوقات. فالإبل والخيل كانتا وستظلان من أدوات القتال رغم التقدم الكبير الذي شهدته معدات المناورة مثل الدبابة والناقلة المدرعة والطائرة العمودية إلا أن هناك العديد من الجيوش العالمية التي تحتفظ بوحدات كبيرة من الخيالة والهجانة وخصوصا إذا كانت مسارح عمل هذه الجيوش ذات طبيعة جبلية أو غابات وأدغالا،وايضا في المسارح الصحراوية لتغطية مواجهات الحدود الواسعة. ويلاحظ هنا أن الآية الكريمة عندما تكلمت عن العاديات لم تتناول التوقيت الذي تتحرك فيه. حيث سيتم استنتاج ذلك من الآية التي تليها.. وإنما تناولت الآية ما يجب أن يراعى أثناء التحرك فجاء اللفظ الكريم ضبحا والذي هو الصوت الوسط للخيل بين الصهيل والحمحمة وكأنما تريد الآية الكريمة أن تدعونا إلى أن تحرك العاديات المقترب في إتجاه العدو لابد أن يكون تحركا مخفيا لا تصدر فيه عن الخيل أصوات عالية وإنما أصوات مقبولة لا تكشف تحرك القوات. ثالثا مرحلة التحول إلى التشكيل القتالي: عند الاقتراب من العدو ووجود القوات في مرمى أسلحته تقوم القوات بالتحول السريع من تشكيل التحرك إلى تشكيل المعركة. ويشترط في هذه المرحلة السرعة في التحول.. ووجود عمليات اخفاء متمثلة في درجة معينة من الاظلام. لذلك فغالبا ما نجد أن هذه المرحلة تتم في فترة الشفق البحري الذي يسبق شروق الشمس.. حيث تستغل القوات هذه الفترة وهذا الشفق في إجراء التحول المطلوب من تشكيل التقدم إلى تشكيل المعركة. وقد تناول القرآن الكريم هذه المرحلة من خلال قوله تعالى «فالموريات قدحا» والموريات هنا مقصود بها الأمواج.. وهو الشكل الذي تتخذه القوات المتحركة عند قيامها بإتخاذ تشكيل القتال حيث تقوم بتنفيذ ذلك بأقصى سرعة ممكنة، ونتيجة السرعة في التنفيذ يظهر الشرر من أقدام وأرجل الخيل والشرر المنطلق من أرجل وأقدام الخيل لايظهر إلا إذا كان هناك درجة من الإظلام.. وحيث أنه غالبا ما تتم هذه المرحلة في فترة الشفق البحري. ومن هنا نجد أن لفظ «قدحا» قد أوحى لنا بتوقيت هذه المرحلة.. وبالتالي فإن جميع المراحل السابقة لها تكون سابقة في التوقيت.. بمعنى إذا كانت هذه المرحلة تتم في فترة زمنية بها درجة إظلام فإن المراحل السابقة مرحلة الاقتراب من دفاعات العدو تتم في فترة الليل. رابعا الهجوم على دفاعات العد: بعد إنتهاء القوات من إتخاذ تشكيلات القتال، ووصولها إلى خط البدء للعملية الهجومية، وحيث يكون هذا الوصول غالبا مع إنتهاء الشفق البحري وبداية الشفق المدني ويعتبر نهارا كاملا من وجهة النظر العسكرية.. وتبدأ العملية الهجومية في الإضاءة الكاملة حتى تستطيع كل وحدة مقاتلة رؤية الهدف المطلوب الإستيلاء عليه وتقوم بالقتال في الإتجاه الذي يؤدي بها إلى هذا الهدف. ويختلف شكل المناورة في القتال من وحدة إلى أخرى طبقا لشكل العدو وطبيعة الأرض - الخ. والقتال لن يخرج عن إقتراب محسوب بإستغلال النيران وخصائص الأرض.. ثم الإنقضاض السريع على القوات المحاربة في صورة إغارة ممزوجة بصيحة الله أكبر التي أطلقها السلف الصالح فدانت لهم الدنيا.. وهم الأقل عددا وخبرة. وقد تناول القرآن الكريم هذه المرحلة في قوله تعالى «فالمغيرات صبحا». ولعل استخدام لفظ الاغارة أصدق كثيرا من لفظ الهجوم على دفاعات العدو. فالمعركة الحديثة في عصرنا اليوم تتم على مواجهات واسعة وفواصل كبيرة، الامر الذي يسمح للوحدات المهاجمة بالتعامل المستقل والمنفصل مع دفاعات العدو. وتأخذ الصورة بعد وصول القوات إلى خط الهجوم صورة الاغارة ممثلة في الاقتراب المستور والإنقضاض السريع على تلك الدفاعات. ويلاحظ هنا أن تحديد التوقيت جاء واضحا وصريحا.. حيث تتم هذه المرحلة صباحا وحيث أن الصبح أو النهار من وجهة النظر العسكرية يبدأ مع بداية الشفق المدني. والمرحلة السابقة «فالموريات قدحا» تمت وهناك درجة من الظلام. .وهذا ما يعني أنها تتم في فترة الشفق البحري..وبالتالي فمرحلة «العاديات ضبحا» تتم أثناء الليل ووجود الظلام. خامسا مرحلة القتال للاستيلاء على الأهداف: تستمر القوات في تنفيذ العملية الهجومية لتدمير دفاعات العدو واختراق قواته ودفع القوات المتواجدة في الخلف لتطوير عملية الهجوم واستغلال النجاح الذي يتم تحقيقه.. وفي هذه المرحلة تكون هناك ضوضاء شديدة ورؤية محدودة في أماكن مختلفة نتيجة الغبار المتصاعد من حركة المعدات ويكون هناك تداخل بين الأطراف المقاتلة وظهور الاختراقات المحدودة في دفاعات الجانب المدافع وتتسع محدثة اختراقا عميقا يصل إلى وسط أو مركز القوات المدافعة وتعتبر هذه المرحلة هي المرحلة الرئيسية في حجم الخسائر. وقد عبر القرآن عن هذه المرحلة من خلال قوله تعالى «فأثرن به نقعا» ومعنى أثرن أي أحدثن به نقعا. والنقع هنا له معان عديدة.. فهو يأتي بمعنى شق الجيب او الاختراق الهجومي لدفاعات العدو. وبمعني الغبار والاتربة التي تنتج من حركة الخيل، ثم الدبابات في عصرنا الحالي. وبمعنى رفع الصوت والضوضاء الناتجة عن المعركة.. وبمعنى القتل والتدمير - الخ... ورغم اختلاف وتعدد المعاني إلا أن جميعها تصب في صلب موضوع هذه المرحلة. سادسا مرحلة تدمير العدو وتحقيق الهدف: تنتج هذه المرحلة من خلال توحد الجيوب التي نجحت القوات المهاجمة في إختراقها بدفاعات العدو. ويلاحظ هنا أن عملية استغلال النجاح وتطوير الهجوم تتم في إتجاهات قد تم تركيز القوات فيها منذ بدء الهجوم.. بحيث يحقق هذا التركيز سرعة الوصول إلى التجميع الرئيسي للعدو وتدميره.. والتواجد في منتصفه. وقد تناول القرآن الكريم هذه المرحلة في قوله تعالى «فوسطن به جمعا» فتوسط التجميع القتالي المعادي يعني النجاح الكامل في تحقيق الهدف النهائي.. والوصول إلى ذلك يتم من خلال توحيد الجيوب المخترقة مع بعضها البعض وفي إطار إتجاه محدد منتقى بعناية من قبل.. والوصول إلى وسط التجميع المعادي قد يتم بالمواجهة أو من الأجناب فإذا كان بالمواجهة فإن «وسطن» هنا تأتي بمعنى «شطران». أما إذا كان من خلال الاجناب فإن لفظ الوسط هنا يأتي بمعنى المركز. وهنا يكون التعبير القرآني قد غطى المفهوم الكامل للمرحلة وبأشكال المناورة المطلوبة لتحقيق ذلك. القاهرة ـ السيد أبو داود