منذ نزول القرآن الكريم على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم شد اسماع الناس اليه وجذب أنظارهم وخلب عقولهم بما حواه في نظمه، في لفظه، في معانيه، في مضامين آياته، في انسياب موسيقاه وهي تتهاوى بين فواصل الآي ومناسبات الألفاظ في لوحة لا يمل الناظر اليها، حتى جاءت الشهادة من أرباب الفصاحة والبلاغة. قد يسأل البعض: ترى لماذا كان القرآن معجزا؟ وما الحد الأدنى لمقدار الاعجاز فيه، وما هو مفهوم الاعجاز القرآني الذي تحد الله تعالى به العرب وغير العرب؟ وهل ظاهرة الاعجاز هذه محصورة بزمن معين او بيئة محددة؟ أم انها مستمرة طالما الحياة الدنيا مستمرة؟ وما قيمة هذا الاعجاز في زمن تقدم العلم فيه ووصل الى آفاق لا حدود لها؟ لقد اختلفت آراء العلماء حول وجوه الاعجاز، فبعضهم يرى ان القرآن معجز ببلاغته، وهذه نظرة اهل اللغة المولعين بصور المعاني الحية في النسيج المحكم والبنيان الرائع البديع. وبعضهم يرى ان الاعجاز كامل فيما تضمنه القرآن من النظم البديع المخالف لما عهد في كلام العرب من الفواصل والمقاطع. وبعضهم يرى ان القرآن معجز بالصرفة، أي ان الله تعالى صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها فكان ذلك خارقا للعادة. وآخرون رأوا اعجاز القرآن في الاخبار عن الغيبيات او بما حواه من حديث عن بدء الخلق وغيره. في حين يرى آخرون ان القرآن معجز بما تضمنه من العلوم المختلفة والحكم البليغة. والحقيقة هي ان القرآن معجز بألفاظه ومعانيها، معجز بأسلوبه وما حواه من سبك وتركيب وتماسك، بحيث جاء الحرف في موضعه والكلمة في موضعها والجملة في موضعها. وهو معجز في بيانه ونظمه من حسن التأليف والتئام الكلام والفصاحة والايجاز، نص على ذلك اكثر العلماء كالخطابي والباقلاني والجرجاني والسيوطي وابن حازم والقاضي وعياض والرازي والجاحظ وغيرهم فضلا عن الباحثين المعاصرين امثال محمد عبده وسيد قطب ورشيد رضا وأمين الخولي والرافعي وبنت الشاطيء وغيرهم. يقول شيخ الازهر الامام محمد مأمون الشناوي: ان اظهر اسرار الاعجاز القرآني يتجلى فيما يلي: 1) بلاغة القرآن النادرة لا يحيط بها وصف. ويكفي ان علوم البلاغة والنقد والاعجاز قد وضعت للكشف عن مظاهر هذه البلاغة وأسرارها، ثم هي للآن لا تزال في اول الغاية. علما ان بلاغة القرآن اوسع مدى من البحث في استعاراته وكناياته وتشبيهاته وأمثاله وايجازه ومجازه. 2) روعة القرآن وجدته وأخذه بالأفئدة والأسماع والمشاعر والعواطف والنفوس كلما قريء القرآن. 3) عظمت تصويره للحياة الانسانية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها وللنفس البشرية في سلمها وحربها ولهوها وجدها وأملها وألمها وكفرها وإيمانها. 4) سمو الروح في القرآن فهو ليس كتاب قصص او تسلية او ادب او حكمة او فلسفة او تاريخ او اجتماع. وإنما هو خلاصة لكل ما في الحياة من ثقافة وحقائق بحيث يمكن ان نقول: «انه كتاب الانسانية كافة». 5) شرف معانيه وسمو حكمه وجلال دعوته وصدق حجته وعمق منزعه وعلو تصويره. 6) عظمة أغراضه ومقاصده ورفعة مراميه ومناحيه وعبقرية غاياته ورسالته. وقد يتعين ان نشير هنا الى ان لقوة العقيدة وضعفها اثرا كبيرا في القول بالاعجاز او عدمه. فإن للقرآن في قلوب المؤمنين قوة قدسية تترك فيها تلاوته أثرا لا تتركه في قلوب الشاكين في اصل العقيدة الدينية او المنكرين لها. ان معجزة القرآن معجزة عقلية ولم تكن معجزة حسية، لذلك استمرت واكتسبت صفة التحدي الدائم. وقولنا هذا يستدعي الاشارة الى ان هذا القرآن يكبر ان يكون حيا بروح عصره الذي أنزل فيه، فلا يستطيع من لا يقول باعجازه ان يقصره على زمن الجاهلية او يتعلل في ذلك وفي هذا المعنى يقول الباقلاني: «والقرآن كتاب دل على صدق متحمله، ورسالة دلت على صحة قول المرسل بها، وبرهان شهد له برهان الانبياء المتقدمين، وبينة على طريق من سلف من الأولين، حيرهم فيه، اذ كان من جنس القول الذي زعموا أنهم ادركوا فيه النهاية وبلغوا فيه الغاية، فعرفوا عجزهم... ثم كانت هذه المعجزة مما يقف عليه الأول والآخر وقوفا واحدا، ويبقى حكمها الى يوم القيامة». ومهما تعددت أقوال العلماء وأراء الباحثين في انواع الاعجاز فلعمري انه لاعجاز واحد مهما تنوعت الضروب وتعددت المفاهيم والاشارات. أو ليست ألفاظ القرآن كلها هي الحاملة للمعاني المتعددة. وكمثال على هذا، فلو قرأنا سورة من القرآن او عدة آيات تركنا الفكر يسبح معها في ايقاع انغامها وصولا الى الهدف المطلوب لظهرت لنا بلاغة القرآن في اجلى معانيها وأدق صورها. يقول الامام عبدالقادر الجرجاني في قوله تعالى: «واشتعل الرأس شيبا» مريم:4. ما نصه: «ان في الاستعارة ما لا يمكن بيانه الا من بعد العلم بالنظم والوقوف على حقيقته. ومن دقيق ذلك وخفيه انك ترى الناس اذا ذكروا هذه الآية لم يزيدوا فيها على ذكر الاستعارة ولم ينسبوا الشرف الا اليها، ولم يروا للمزية موجبا سواها. لكن ليس الأمر لمجرد ذلك فقط ولكن يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه الى الشيء وهو لما هو من سببه، فيرفعه به ما يسند اليه ويؤتى بالذي فعل له في المعنى منصوبا بعده، مبينا ان ذلك الاسناد وتلك النسبة الى ذلك الاول انما كان من اجل هذا الثاني. وذلك انا نعلم ان «اشتعل» للشيب في المعنى وان كان هو للرأس فقط، وإن اسند الى ما اسند اليه، يبين لنا ان الشرف كان لأن يسلك فيه هذا المسلك. ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: «وفجرنا الأرض عيونا» القمر: 12. والتفجير للعيون في المعنى واقع على الارض في اللفظ كما اسند هناك الاشتعال الى الرأس. وقد حصل بذلك من معنى الشمول ها هنا مثل الذي حصل هناك، وذلك انه قد أفاد ان الارض قد كانت صارت عيونا كلها وأن الماء كان يفر من كل مكان فيها، ولو اجري اللفظ على ظاهرة فقيل: وفجرنا عيون الارض لم يفد ذلك المعنى ولم يدل عليه». هذا النص للجرجاني يكشف لنا عن عبقرية بلاغية انسابت من خلال عباراته المصورة لهذا التناسق الجمالي الأخاذ. ولو قفزنا من عصر الجرجاني الى عصر النهضة الحديثة لرأينا الأديب الرافعي يعني عناية خاصة بالنظم الموسيقي في القرآن، فهو يرى ان هذا النظم مما لا يتعلق به احد ولا يتفق على ذلك الوجه الذي هو فيه الا فيه، لترتيب حروفه باعتباره من اصواتها ومخارجها، ومناسبة بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعية في الهمس والجهر، والشدة والرخاوة، والتفخيم والترقيق والتفشي والتكرير. ثم نراه يوضح فكرة النظم فيقول: «ولو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها لرأيت حركتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف انفسها فيما هي له من امر الفصاحة، فيهيأ بعضها لبعض، ويساند بعضها بعضا، ولن تجدها الا مؤتلفة مع الحروف، مساوقة لها في النظم الموسيقي، حتى ان الحركة كانت ثقيلة في نفسها لسبب من اسباب الثقل أيها كان، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأن عجبيا، ورأيت أصوات الاحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقا في اللسان، واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقي، حتى اذا خرجت فيه كانت اعذب شيء وأرقه، وجاءت متمكنة في موضعها، وكانت لهذا الموضع اولى الحركات بالخفة والروعة. من ذلك لفظ النذر جمع نذير، فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معا، فضلا عن جسأة هذا الحرف ونبوه في اللسان، وخاصة اذا جاء فاصلة للكلام، فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه، ولكنه جاء في القرآن على العكس وانتفى في طبيعته من مثل قوله تعالى: «ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر» القمر: 36. فتأمل هذا التركيب، ثم انعم على تأمله، وتذوق مواقع الحروف، وأجر حركاتها في حس السمع، وتأمل مواضع القلقلة في دال (لقد) وفي الطاء من (بطشتنا) وهذه الفتحات المتوالية في ما وراء الطاء الى واو (تماروا)، مع الفصل بالمد كأنها تنقيل لخفة التتابع في الفتحات اذا هي جرت على اللسان، ليكون ثقل الضمة عليه مستخفا بعد، ولتكون هذه الضمة قد اصابت موضعها. بينما نجد عالما آخر نحا منحا مختلفا في دراسته للتعبير القرآني، فلم تكن مفردات القرآن وحدها شاغلة له بموسيقاها، ولا تراكيب القرآن وحدها مستأثرة باهتمامه بتناسقها وترابطها، وإنما كان نظره مركزا في الأداة المفضلة للتعبير في كتاب الله، ولقد وجدها في التصوير وراح يتحدث عنها بأسلوب شعري يستهوي النفوس ويهديها بحق الى جمال القرآن. فيقول: «التصوير هو الأداة المفضلة في اسلوب القرآن، فهو يعبر بالصورة المحسة المتخيلة عن المعنى الذهني والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور وعن النموذج الانساني والطبيعة البشرية، ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة او الحركة المتجددة فإذا المعنى الذهني هيئة او حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة او مشهد، وإذا النموذج الانساني شاخص حي، وإذا الطبيعة مجسمة. د. علي فريد دحروج