جاء الدين يرسم للإنسان منهج حياته الظاهرة والباطنة ويحدد سلوكه وعلاقاته وفقاً لما يهدي إليه هذا المنهج الإلهي وعبادة الله سبحانه وتعالى تسع الحياة كلها وتنظم أمورها قاطبة: من أدب الأكل والشرب وقضاء الحاجة إلى بناء الدولة وسياسة الحكم وسياسة المال وشئون المعاملات والعقوبات وأصول العلاقات الدولية في السلم والحرب ولهذا نجد كتاب الله الكريم يخاطب عباده المؤمنين بأوامر تكليفية وأحكام شرعية تتناول جوانب شتى من الحياة وفي سورة واحدة ـ هي سورة البقرة ـ نجد مجموعة من التكاليف كلها جاءت بصيغة واحدة «كتب عليكم» ولنقرأ هذه الآيات الكريمة: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى». «كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف». «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم». «كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم». فهذه الأمور كلها من القصاص والوصية والصيام والقتال مكتوبة من الله على عباده أي مفروضة عليهم فعليهم أن يعبدوا الله بالتزامها والانقياد لها وبهذا البيان يتضح لنا حقيقة هامة ما زال يجهلها الكثيرون من المسلمين فبعض الناس لا يفهم من كلمة العبادة إذا ذكرت إلا الصلاة والصيام والصدقة والحج والعمرة ونحو ذلك من الأدعية والأذكار ولايحسب أن لها علاقة بالأخلاق والآداب أو المنظم والقوانين أو العادات والتقاليد. إن عبادة الله ليست محصورة ـ إذن ـ في الصلاة والصيام والحج وما يلحق بها من التلاوة والذكر والدعاء والاستغفار ـ كما يتبادر الى فهم كثير من المسلمين إذا دعوا الى عبادة الله وكما يحسب كثير من المتدينين انهم إذا قاموا بهذه الشعائر فقد وفوا الإلهية حقها بواجب العبودية لله كاملاً. إن هذه الشعائر العظيمة والأركان الأساسية في بناء آلإسلام على منزلتها وأهميتها إنما هي جزء من العبادة لله وليست هي كل العبادة التي يريدها الله من عباده. والحق أن دائرة العبادة التي خلق الله لها الإنسان وجعلها غايته في الحياة ومهمته في الأرض دائرة رحبة واسعة انها تشمل شئون الإنسان كلها وتستوعب حياته جميعاً. إن مقتضى عبادة الإنسان لله وحده أن يخضع أموره كلها لما يحبه تعالى ويرضاها من الاعتقادات والأقوال والأعمال وأن يكيّف حياته وسلوكه وفقاً لهداية الله وشرعه فإذا أمره الله تعالى أو نهاه أو أحل له أو حرّم عليه كان موقفه من ذلك كله: «سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير». ففرق ما بين المؤمن وغيره: إن المؤمن خرج من العبودية لنفسه وللمخلوقين الى العبودية لربه خرج من طاعة هواه الى طاعة الله ليس المؤمن «سائباً» يفعل ما تهوى نفسه أو يهوى له غيره من الخلق انما هو «ملتزم» بعهد يجب أن يفي به وميثاق يجب أن يحترمه ومنهج يجب أن يتبعه وهذا التزام منطقي ناشيء من طبيعة عقد الإيمان ومقتضاه. مقتضى عقد الإيمان أن يسلم زمام حياته الى الله ليقودها رسوله الصادق ويهديه الوحي المعصوم. مقتضى عقد الإيمان: أن يقول الرب: أمرت ونهيت ويقول العبد سمعت وأطعت. مقتضى عقد الإيمان أن يخرج الإنسان من الخضوع لهواه إلى الخضوع لشرع مولاه وفي هذا يقول القرآن الكريم في سورة الأحزاب: «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخير من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً بيناً». ويقول: «إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون». إن من العبادة التي يغفلها كثير من الناس: الخضوع لشرع الله والانقياد لأحكامه التي أحلّ بها الحلال وحرّم الحرام وفرض الفرائض وحدّ الحدود. فمن أدى الشعائر وصلى وصام وحج ولكنه رضي أن يحتكم في شئون حياته الخاصة والعامة أو في شئون المجتمع والدولة إلى غير شرع الله وحكمه فقد عبد غير الله وأعطى غيره ما هو من خالص حقه سبحانه لأن الله سبحانه وحده هو المشرّع الحاكم لخلقه والكون كله مملكته والناس جميعاً عباده. وبالله التوفيق