إذا نظرنا إلى السماء الصافية ليلاً فإننا نرى ما يزيد على ألفين من النجوم السابحة في رحلتها الظاهرية من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي بأشكال هندسية رائعة، وما هذه النجوم إلا شموس فيها ما هو أضخم من شمسنا مثل النجم «قلب العقرب» الذي يصل حجمه بما يزيد على سبعين مليون مرة من حجم شمسنا المتواضعة، والتي يطلق عليها علماء الفلك الشمس المتوسطة حيث يوجد ما هو أصغر منها بكثير. وقد قام علماء الفلك بتحديد مواقع النجوم بدقة كبيرة، ونسبت احداثيات هذه المواقع إلى خط الاستواء السماوي، وهو ينطبق تماماً مع خط الاستواء الأرضي، ولكن بأبعاد فيما لا نهاية، وبالتالي أصبح كل نجم في السماء له خط عرض من صفر التقسيم بخط الاستواء السماوي إلى 90 درجة شمالاً أو جنوباً، وكذلك بالنسبة لخطوط الطول، كانت تنسب إلى خط جرينتش السماوي وهو ما ينطبق بنفس التقسيم على كوكب الأرض في نقطة واحدة، لهذا كان تنظيم خطوط موقع أي مدينة يطابق نفس التنظيم في خطوط موقع أي نجم، فمثلاً «الشعرى اليمانية» يكون موقعه في السماء خط عرض 42 16 جنوباً، خط طول 47 158 غربا، وكان هذا النجم يستخدم في رحلة العرب الشتوية إلى بلاد اليمن، أما الرحلة الصيفية فكانت إلى بلاد الشام من خلال نجم الشعرى الشامية، والتي احداثياتها خط عرض 14 5 شمالاً خط طول 16 45 شرقاً. وقد قسم علماء الفلك النجوم إلى قسمين: القسم الأول فيها: وهو الأكبر عدداً زينة في السماء، وكما قال الله تعالى: (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين) «سورة الملك، آية :5» ولقد زين الله سبحانه وتعالى كل شيء للإنسان فقد زين الورد والزهور بألوان زاهية وزين لنا الطيور بألوان رائعة وأصوات مغردة، وزين لنا البحار والمحيطات بأسماك الزينة الملونة، وزين الانسان بالعقل الراجح ثم أمره بأن يأخذ زينته عند كل مسجد. أما القسم الثاني من النجوم : هو النجوم الملاحية وهي التي حرص علماء الفلك على تحديد مواقعها بكل دقة حيث انها تُستخدم في أعمال الملاحة لتوقيع مكان السفينة أو الطائرة حينما تبعد عن البر، وقال الله تعالى: (وعلامات وبالنجم هم يهتدون) «سورة النحل، آية: 16». ويبلغ عدد النجوم الملاحية 62 نجماً ملاحياً وأهم هذه النجوم في النصف الشمالي هو «النجم القطبي» الذي يعمل كبوصلة حقيقية معلقة في السماء، حيث تشير إلى الشمال الحقيقي، كما ان ارتفاع النجم القطبي على دائرة الأفق يساوي خط عرض الانسان في هذا المكان. إن النجوم داخل المجموعات النجمية ثابتة بالنسبة لبعضها، فلا يقدر أي نجم على ترك مجموعته إلى مجموعة أخرى، والحركة الظاهرية لشروق وغروب النجوم ما هي إلا الحركة الحقيقية لكوكب الأرض من الغرب إلى الشرق، فهو نفس ما نراه في شروق وغروب شمسنا التي ما هي إلا حركة ظاهرية لحركة حقيقية يدور بها كوكب الأرض حول محوره في حركته اليومية، ان من يعلم مواقع النجوم والمعادلات الرياضية بين النجوم وبعضها والحسابات الفلكية الدقيقة بين النجوم وباقي الأجرام السماوية دون تصادم فإنه يدرك عظمة الخالق فيما أقسم به كما قال تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه قسم لو تعلمون عظيم) «سورة الواقعة، الآيتان: 75، 76». القسم بالشفق يتساءل الانسان عما هو الشفق، هل هو عبارة عن اللوحة الفنية المرسومة بأجمل الألوان الطبيعية قبل شروق أو غروب الشمس مباشرة، أم الحقيقة العلمية انها نظريات انكسار الضوء، إذ انه عندما تقابل الحزمة الضوئية الصادرة من الشمس ثم تخترق الغلاف الجوي لكوكب الأرض، والذي يحتوي على خمس طبقات مختلفة الكثافة، ومع هذا الاختلاف في كثافة الطبقات ينكسر ويتحلل الضوء إلى ألوان الطيف السبعة: البنفسجي، والنيلي، والأزرق، والأخضر، والأصفر والبرتقالي، والأحمر، وبالتالي اجتمعت علوم الانكسار مع علوم تحليل الطيف للضوء ليكون الشكل النهائي هو الشفق. ولقد قسم العلماء الشفق إلى ثلاثة أنواع يقع كل نوع فيها حسب موقع الشمس بالنسبة لدائرة الأفق المرئي، فحينما تكون الشمس أسفل الأفق بمقدار 18 درجة من جهة الشرق فإنه يبدأ الشفق الكلي الصباحي، وهو ما تقام عنده صلاة الفجر، بينما تكون صلاة العشاء في الشفق الفلكي المسائي، حينما تكون الشمس بنفس المقدار من جهة الغرب، ثم إذا كانت الشمس أسفل الأفق بمقدار 12 درجة فإنه يكون الشفق البحري، ويميز بقدرة المشاهد على رؤية الخط الفاصل بين السماء ومياه البحر، ثم إذا كانت الشمس أسفل الأفق بمقدار 6 درجات فإنه يكون الشفق المدني، ويميز بقدرة المشاهد على رؤية مباني المدينة بوضوح كامل. وكما خلق الله جل شأنه ليلاً سرمدياً ونهاراً سرمدياً في الأطراف الشمالية والجنوبية من كوكب الأرض فقد خلق أيضاً الشفق سرمدياً، حيث تمتد لوحة الشفق المرئي لما يزيد على شهرين، وذلك في خطوط العرض العليا بما يزيد على 70 درجة شمالا أو جنوباً، ويتكون الشفق على ارتفاع 80 كيلو متراً فوق كوكب الأرض حيث يبقى عالياً جداً في طبقة الغلاف الجوي المسماة بـ «الأيونوسفير» وتتلخص نظرية الشفق في ارسال أشعة الشمس بجسيمات مشحونة بالكهرباء، حيث تحمل الالكترونات الموجودة في ذرات الهواء على القفز في كل اتجاه مما يؤدي إلى توهج الذرات. كل هذه الأمور بيد القدير العليم وحده، ولهذا ولأكثر من هذا فقد أقسم الله العظيم بالشفق في قوله: (فلا أقسم بالشفق) «سورة الانشقاق، آية: 16». يعرف الفجر بأنه انفجار الضوء من الظلام الحالك إلى أول ضوء يلامس خط الأفق المرئي، وقد اخترع علماء الفلك أجهزة لقياس هذه اللحظة بكل دقة فوجدوا انها تقع عند «الشفق الفلكي الصباحي» أي حينما تكون الشمس الظاهرية أسفل الأفق المرئي بمقدار 18 درجة. لقد اهتم العرب في صدر الاسلام بتحديد وقت الفجر لماجاء في قوله تعالى: (إن قرآن الفجر كان مشهوداً) «سورة الإسراء، آية 78» فجاء تحديد لحظة الفجر بالرؤية البصرية بأنه الخط الفاصل بين اللون الأسود واللون الأبيض على دائرة الأفق، ومن جهة شروق الشمس، وذلك كما جاء في قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) «سورة البقرة، آية 187». ولهذا فللفجر أهمية مزدوجة حيث إقامة الصلاة في وقتها ثم بدء الصيام في وقته وهما من أفضل الأعمال عند الله سبحانه وتعالى، وقد أصبحت الدقة اليوم متوفرة من خلال الرؤية العلمية بحل مثلثات رياضية وفلكية لتحديد وقت الفجر، بكل دقة وإلى أقرب دقيقة لكل مكان على كوكب الأرض، وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفجر الكاذب، فهو قد يحدث قبل الفجر الصادق بحوالي ساعة بسبب بعثرة ضوء الشمس وهي بعيد عن خط الشفق الفلكي الصباحي بمقدار 20 درجة، ويسهل تمييزه بالعين المجردة حيث يكون شكله عمودياً على دائرة الأفق بارتفاع يزيد على 30 درجة بينما يكون الفجر الصادق مماساً لدائرة الأفق المرئي، وقد جاء هذا المعنى العلمي في الحديث الشريف لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «الفجر فجران، فالذي كأنه ذنب السرحان لا يحرم شيئاً وإنما هو المستطير الذي يأخذ الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام» صدق رسول الله. وقد جاء في التفاسير: هما فجران فأما الذي يسطع في السماء فلا يحل ولا يحرم شيئاً، ولكن الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال هو الذي يحرم الشراب، إن الفجر هو الطرف الأول للنهار ليسعى المسلمون إلى رزقهم وعملهم وهم مشحونون بلقاء الإيمان مع الله جل شأنه لهذا ولأكثر من هذا فالعلم قاصر عن إدراك شرف القسم الذي أقسم به الله تعالى في قوله: (والفجر) «سورة الفجر، آية 1» صدق الله العظيم. قاسم لاشين