نظل مع طروحات المستشرق ارنست جي. جروبه، حيث ندرك في ضوء اطلالة ـ ولو عاجلة ـ على طروحاته وانتقاداته التي يكيلها للعمارة الاسلامية ان الامر على نحو ما يعبر عنه المثل العامي الساخر «ياما في الجراب يا حاوي!». فلنتابع اذن ما بقي من مزاعمه وتخرصاته، التي حرص على ان يجعلها في صدارة كتاب «عمارة العالم الاسلامي: تاريخها ومعناها الاجتماعي». ومنها ما يلي: ـ رابعاً: غياب الشكل المحدد لوظائف بذاتها في العمارة الاسلامية. هنا يشير جروبه الى ان مفهومه عن «العمارة المحجوبة» مرتبط الى حد كبير بما يرى انه غياب مطلق ومذهل، على حد تعبيره، لشكل معماري بعينه لوظيفة محددة. ما الذي يقصده بهذا على وجه الدقة؟ وبأي معنى يشكل مأخذاً على العمارة الاسلامية؟ يذهب جروبه الى القول ان هناك اشكالاً محدودة للغاية في العمارة الاسلامية هي التي لا يمكن تبنيها لاغراض متنوعة، وبالمقابل فإن المبنى الاسلامي الذي يخدم وظيفة محددة يمكن ان يتخذ العديد من الاشكال. هنا يبرز احد اغرب المنعطفات على الاطلاق في مجمل آراء جروبه، والاهتمام الذي ابديه بهذا المنعطف يرجع الى انه متعلق بمبنى اثير لدى كل محبي العمارة الاسلامية، وهو مسجد السلطان حسن، الذي اتى عليّ حين من الدهر في مطالع العمر كنت اقصده على فترات جد متقاربة لأتأمل كل حجر فيه، كل ملمح، واكاد اقول كل نقش وكل عنصر زخرفي على امتداد كيانه الهائل. هذه الايوانات وأسرارها يزعم جروبه ان المثال البارز لظاهرة غياب تخصيص اشكال بعينها للمباني التي تؤدي وظائف محددة في العمارة الاسلامية هو الفناء الذي يضم الايوانات الاربعة، والذي يضرب جذوره في العمارة الفارسية، وهو يقول ان الايوانات الاربعة توظف بشكل جيد وبصورة متماثلة في القصر، المسجد، المدرسة، الوكالة، الحمام، والدور الخاصة، وانها في اوقات واماكن مختلفة شيدت لتخدم في هذه الوظائف كافة. هذه الميزة التي تتمتع بها الايوانات الاربعة تتحول عند جروبه، بقدرة قادر الى مأخذ وعيب يؤخذ على العمارة الاسلامية، فهو لا يتردد في ان يحدثنا عما يسميه بالاصرار العبثي على وجه التقريب من جانب المعماري المسلم على فرض مخطط الايوانات الاربعة على مسجد السلطان حسن ومدرسته، اللذين يقول انهما لا يناسبان على وجه التحديد هذا المخطط، وان المعماري بدلاً من ان يعمد لتقديم مخطط لمبنى يناسب فضاء بعينه، يتشبث بمخطط مسبق التصور هو مخطط الايوانات الاربعة، الذي يتم حشره على نحو مرتبك في المساحة المتاحة في حالة مسجد السلطان حسن ومدرسته. بأمانة شديدة، فانني لا اعرف ماذا يمكن ان يكون الادعاء والافتراء والتخرص وإلباس الحق بالباطل والباطل بالحق ان لم يكن، بالضبط، ما يقوم به جروبه في هذا الموضع من كتاباته، على وجه التحديد. كل من قدّر له ان يتأمل عن قرب مخطط الصحن المحاط بالايوانات الاربعة في مسجد السلطان حسن يعرف ان هذا المبنى، الذي يعد من روائع العمارة الاسلامية، والذي يقف برهاناً على شموخ عبقرية المعماري المسلم، يعرف ان هذا التصميم ليس مفروضاً على المسجد، ولا مقحماً عليه، وانما هو استجابة لمنطق متماسك، فكما نعرف جميعاً كان كل ايوان من هذه الايوانات الاربعة مخصصاً لتدريس مذهب من المذاهب الاربعة، وهو التزام كما نرى لا سبيل الى الخروج عنه. اما ما ذهب اليه جروبه من ان الموقع الذي يحتله المسجد غير ملائم لتصميم الايوانات الاربعة، فمن الجلي ان جوهر الامر قد فاته والتبس عليه، فواقع الامر ان المعماري المسلم العظيم قد قصد الى هذا قصداً، ليتيح لنفسه فرصة عزّ نظيرها لابراز عبقريته الهندسية وقدرته الابداعية على تطويع الموقع للتصميم والتغلب على عدم انتظام هذا الموقع، ومن هنا فقد جعل المدخل الصرحي المهيب يفضي الى دركاة فخمة، تعلوها قبة تبدو كما لو كانت ترحب بالداخل اجمل ترحيب، ومنها يتجه الداخل يساراً ثم يميناً فيساراً في مجاز يفضي الى الصحن المترع بالنور، الذي تشرف عليه الايوانات الاربعة المتقابلة. ومن الجلي ان هذا المجاز بالتعرجات التي تكتنفه يحقق هدفاً قصد اليه المعماري قصداً كذلك، وهو جعل الداخل ينسى ضجيج الخارج ولهيبه وغباره ومشاغله الدنيوية، ليغدو مؤهلاً من الناحية النفسية للوصول الى الفضاء الداخلي المترع بالسكينة والصفاء. ضياع الطريق ـ خامساً: غياب الاتجاه او البؤرة في التصميم المعماري الاسلامي. من منظور جروبه، فإنه باستثناء الضريح والمقبرة وما اليهما من المباني الاخرى الممثلة ذات القباب، نادراً ما تفصح المباني الاسلامية عن سمة محورية او اتجاهية، بل الامر كما يقول على العكس فالاتجاه الفيزيقي الفعلي للمبنى، اذا كان فيه مثل هذا الاتجاه اصلاً، غالباً ما يكون مختلفاً عن اتجاهه الوظيفي. يضرب جروبه مثلاً بالمسجد، ويقول ان المرء حين يدخله، وبصفة خاصة عندما يصل الى الصحن، فانه غالباً ما يجتذب على امتداد قاعة الصلاة، وصولاً الى عرض الصحن، وغالباً ما يكون ذلك على ميمنة الاتجاه الميتافيزيقي للمسجد على نحو ما تشير اليه القبلة، وبالتالي على نحو ما يومئ اليه المحراب، الذي من شأن غيابه ان يؤدي في العديد من الحالات الى حيرة الزائر فيما يتعلق باتجاهه، وهو ما يقول انه ما كان يحدث ابداً في البازيليكا، او المعبد الكلاسيكي. اذا كانت هذه الفكرة تبدو غريبة بالنسبة للقارئ العربي، فإن جروبه يطالعنا بما هو اغرب منها حقاً، حيث يشير الى اننا اذا اردنا ان نعلل لهذه السمة التي يفرضها او يفترضها في التصميم المعماري الاسلامي، فإن علينا ان نتذكر مخطط معبد بعل في تدمر بسوريا، وهو معبد مبني وفق اللغة المعمارية للأزمان القديمة بصفة كلية تقريباً، حيث نجد ان مقدس هذا المعبد، او الجزء المحجوب فيه، تحف به الاعمدة الاجبارية من كل الجوانب، ونجد الاعتاب والقواصر الثقيلة على الاطراف الضيقة، غير ان المدخل ليس عند احد الاطراف الضيقة، وانما في وسط احد الجوانب الممتدة، الامر الذي من شأنه ان يجبر زائر المعبد، الذي يجد نفسه في مواجهة حائط اصم بعد ان يعبر العتبة، على ان ينعطف بزاوية قدرها تسعون درجة اما الى اليسار او الى اليمين لكي يصل الى المذبحين. في رأي جروبه ان هذا المعبد، الذي شيد في القرن الرابع الميلادي وسط حشد من الابنية العربية المتأثرة بالطابع الاغريقي، يخدم بشكل جيد الغرض المتمثل في الاشارة الى ان هذا التغير الغريب في الاتجاه، الذي يمثل تناقضاً كلياً مع الاحساس المنطقي بالاتجاه المعبر عنه في العمارة الاوروبية، هو مفهوم قديم سابق للاسلام قدّر له البقاء، فيما يبدو، من دون تغيير تقريباً، ليندرج في عمارة المرحلة الاسلامية من الثقافة العربية. هذه التخريجات العجيبة التي يذهب اليها جروبه، والتي تقوم على محض الافتراض والتخمين، لا يقدر لها الصمود، ازاء الحقائق الاساسية المتعلقة بالعمارة الاسلامية، وهي حقائق فيزيقية لا موضع فيها للافكار ولا مجال فيها للمراوغة او محاولة التخريج. ان العمارة الاسلامية تقدم لنا بنايات تحددت فيها الاتجاهات بشكل قاطع، فالاتجاه في المسجد يمضي بالداخل فالى القبلة، على نحو لا فكاك معه تقريباً، والمدخل هنا فضلاً عن حضوره الفيزيقي له معناه الرمزي لانه الحد الفاصل بين الداخل والخارج، بين الفضاء الدنيوي الضاج والمترع باللهيب، والغبار والاصوات والفضاء الداخلي المقدس، الذي يحمل معاني السكينة والخشوع. في هذا المدخل يختزل المعماري الكثير من المعاني، لانه يشكل النقطة البؤرية لعمارة المسجد، لذا نجده سامقاً على نحو جدير ببيت اذن الله ان يرفع ويذكر فيه اسمه. هذا المدخل ـ الرمز يحمل عناصر الترحيب بالقادمين، ومن هنا فإن الباب يقام على شكل «دخول» متراجع، فلا نجد فيه نتوءاً ولا بروزاً، حيث ان مثل هذا النتوء او البروز انما هو بعد اتصال بدنس الطريق العام، الذي يراد تحقيق الانقطاع عنه، وصولاً الى سمو الداخل المقدس. ومدخل المسجد يرمز بارتفاعه وطابعه الرأسي الى التطلع نحو قدسية السماء، وفي العديد من المساجد تنتهي الخطوط الرأسية بقبة نصفية ذات منحنيات مدببة تعلو هذا «الدخول»، وبذلك تسمو بالنظر الى ما هو اعلى من القبة النصفية، تجاوزاً لقمة البناء الى قبة السماء، ولذلك فاننا لا نجد في العمارة الاسلامية كلها تقريباً ان مدخل المسجد ينتهي بالعتب الافقي الثقيل ألا المألوف في المعابد، لان المعماري المسلم حرص على الا ينتهي البصر الصاعد عند هذا العتب، وانما ان يمتد الى السماء. سواء اكان بيت الصلاة اعمدة ممتدة او كان المسجد يأخذ بتصميم الايوانات الاربعة، فان كل مساراته تفضي الى المحراب حيث الايماءة الحتمية الى الكعبة المشرفة، فالرواق المفضي الى المحراب لا سبيل الى الخطأ بشأنه حيث انه غالباً ما يكون متسعاً على نحو بالغ الجلاء، ثم ان البلاطة المقابلة للمحراب في العديد من المساجد تعلوها قبة تستحضر السماء، اما بالفعل من خلال استحضار النور، وإما بالرمز من خلال النقوش والزخارف. هذا الوضوح للاتجاه في العمارة الاسلامية لا يقتصر على المسجد، وانما نجده في العديد من اشكال التجليات المعمارية، فأنت في الدور تجد نفسك منطلقاً في اتجاه واضح نحو «المقعد» او «المجلس» او «القاعة» باتجاه الشمال لاستقبال النسيم، وانت في المباني العامة والقصور تجد نفسك في اطار واضح يقتضي تحديداً للحركة لا مجال للخطأ او الارتباك بشأنه. الوحدة المفقودة سادساً: غياب الوحدة المتوازنة. يرتب جروبه على انتقاده السابق للعمارة الاسلامية انتقاداً اخر، لا يقل خطورة، فهو لا يتردد في القول ان الافتقار الى مؤشر الاتجاه او البؤرة الذي زعم ان العمارة الاسلامية تتسم به يجد التعبير عنه في ما يسميه بالافتقار الى التوازن بين اجزاء مجمع البناء المختلفة. في معرض تفصيل القول في هذه النقطة، يذهب جروبه الى القول ان العمارة الاوروبية بشكل عام تصمم كمخطط كامل متوازن، اما العمارة الاسلامية فهي لا تفصح عادة عن مثل هذا التكوين الاساسي، وبالتالي فإن الاضافات الى المخطط الاصلي لا يعرفها مبدأ كامن يحكم الكل بأسره، ويتحكم في الاجزاء كافة بطريقة متساوية. وهو يستدرك مشيراً الى ان من الصحيح ان العمارة الاسلامية قد عرفت مخططات متوازنة، كما هي الحال في مخطط الايوانات الاربعة، ولكنه يشدد ـ على الفور تقريباً ـ على ضرورة ان تلاحظ في هذا المقام: ان ذلك يمكن تفسيره باعتباره شيئاً سابقاً على الاسلام، فهو في جوهره مفهوم معماري فارسي، او ينتمي الى وسط اسيا، تبناه المعماري المسلم في وقت لاحق. بأنه لم يقدر له الا بالكاد البقاء في حالته الصافية طويلاً في العالم الاسلامي ولكن الامر الاكثر اهمية من ذلك هو تفكك او انحلال هذا المخطط المتوازن في داخل المجمع المعماري الاسلامي وامتصاصه الى قلب متاهة من البناء الاضافي، تشبه تراكمات تضاف في صورة نمو طبيعي للحيود المرجانية حول نواة المخطط الاصلي، بحيث تبتلعه تماماً في نهاية المطاف. والنموذج البارز لهذا هو مسجد اصفهان الكبير بتاريخه الممتد في البناء، والذي يقارب الالف عام. يخلص جروبه من هذا الى انه باستثناء مخطط الفناء ذي الايوانات الاربعة فان العمارة الاسلامية لم تعرف الا نادراً وحدة مصممة متوازنة، ان كانت قد عرفتها على الاطلاق، وحيثما تم تبني مثل هذا التصميم اصلا، أو تم ابتكاره، فإن سرعان ما عاد الى الاختفاء ليصبح جزءا اكبر من مجمع اكبر، وامكانية توسيع نطاق بناء العينة في كل اتجاه تقريبا، عن طريق اضافة وحدات من كل شكل وحجم يمكن تصورهما الى البناء الاصلي، بغض النظر كلية عن شكل البناء الاصلي هذه الامكانية ذاتها هي حسبما يرى جروبه هي خاصية تنفرد بها العمارة الاسلامية ولا تشاركها فيها اي ثقافة كبرى اخرى. والامثلة التي تضرب في هذا الصدد، حسب رؤية جروبه، هي القصور التي شيدت في دار الاسلام، والتي يعرب عن اعتقاده بأنها التجلي الاكثر بروزاً وتأثيراً في هذا الصدد، والتي يرى فيها سياقاً لم يكن بمقدور الاعتبارات المالية او القانونية او المادية ان تكون سببا لما يصفه بعدم الانتظام الذي لا يصدق للتخطيط، ويحيل في هذا الصدد الى قصر طوقابو سراي في اسطنبول والى قصر فتح بور ذكرى في الهند. في معرض الرد على ما يقوله جروبه هنا لابد من الاشارة الى ان عنصر الوحدة، الذي يزعم جروبه انه عنصر مفقود في العمارة الاسلامية، يعده الكثير من الخبراء ومؤرخي الفن احد العناصر الاساسية فيها، وهم يشيرون الى نماذج معمارية عديدة، في مقدمتها مقبرة سنجر في مرو، للدلالة ـ على وجه التحديد ـ على اتسام اكثر المباني الاسلامية في تصميمها بصفة الوحدة، حيث تتكامل عناصرها مثلما تتكامل اعضاء الجسد الواحد بنسب ثابتة. ربما كان مصدر الارتباك الذي جعل جروبه يتصور ان عنصر الوحدة غائب عن العمارة الاسلامية هو ان مؤرخي الفن الاوروبيين يركزون تركيزاً فائقا على الشكل ويعطونه الاولوية على الاستعمال، في حين ان الامر على خلاف ذلك عند المعماريين المسلمين، ذلك ان هؤلاء المعماريين مع حرصهم على اعطاء الشكل حقه من الاهتمام على نحو ما نرى في كل ما ابدعوه على وجه التقريب، إلا انهم لا يدعون الاستعمال يغيب عن عيونهم ولا يحتجب عن اهتمامهم، ومن هنا فإنهم لا يترددون في اخضاع الشكل للاستعمال، ويتجنبون تقديم الشكل على الاستعمال ذلك ان القاطن اولى من المقطون فيه، ويتعين ان يكون المبنى مما يوفر الراحة والاطمئنان والمتعة للنازل فيه، بحيث يأتي على هواه ووفق استعماله ويجيء مناسباً لاغراضه، اما ان يفرض المبنى على من يقطنه فهذا معناه حرمانه مما ينشده من راحة ومتعة، وهذا هو منطق الفلسفة الفنية في المعمار الاسلامي التي آثرت الاستعمال على الشكل. وكما سبق لنا القول، فإن العمارة الاسلامية تميزت بالاهتمام بالفضاء المحصور بين الجدران وكذلك بالاهتمام بزخرفة مسطحاتها، ومن هنا جاء حرص المعماري المسلم على توفير التوافق الهندسي في الفراغات الداخلية على الابعاد الثلاثة، فنراه يحرص على اختيار الارتفاعات التي تتناسب مع مسطحات الفراغات الداخلية، خلافا لعمارات اخرى، يضحي معماريوها في اطارها بتناسق الفراغ الداخلي على مذبح المظهر الخارجي ذي الارتفاع الموحد في جميع الطوابق. والمعماري المسلم لا يحرص على توافر عنصر الوحدة معماريا فحسب، وانما هو يحرص كذلك على توفير هذا العنصر في الزخارف، التي يراعي ان تملأ ما امكن من الفراغات فوق الاسطح الظاهرة للعين، ومن الامثلة البارزة في هذا الصدد واجهة جامع المؤيد الذي بني في عام 1421 غير بعيد عن باب زويلة بالقاهرة ولوحات الرخام وكسوات الخزف في مبان عديدة ترجع الى العصر الصفوي بأصفهان وجامع دفريجي في الاناضول وغير ذلك كثير. اما ما يشير اليه جروبه من توسع نطاق مبنى بعينه في اطار العمارة الاسلامية عن طريق اضافة وحدات من كل شكل وحجم فهو امر خاطيء من وجهين: أ ـ الوجه الاول انه يرفعه الى مرتبة الخاصية التي تلتصق التصاقاً بالعمارة الاسلامية، لا مجال معه لانفصال، ذلك ان هذا الملمح ليس خاصية من خصائص العمارة الاسلامية، وانما هو امر متعلق بمبان مفردة لها طابعها الخاص والاستثنائي تماماً والذي ما كان يمكن إلا ان يتم التعامل معها في ظله إلا على هذا النحو لقراءة هذه المباني من ناحية ولتعامل اجيال عديدة من المعماريين معها من ناحية اخرى. ولفهم الطابع الخاص لهذه المباني والذي يجعلها تبرز باعتبارها الاستثناء لا القاعدة، يكفي ان نشير الى ان من بينها جامع قرطبة الكبير، جامع اصفهان، الجامع الازهر. بالوجه الثاني ان ما يطرحه جروبه هنا يجعله امراً يقتصر على العمارة الاسلامية وحدها من دون باقي الثقافات الاخرى الكبرى، والمرء لا يملك إلا التساؤل: اليست الحضارة الفرعونية من الحضارات الكبرى؟ اليس بهو الاعمدة ذو الامتداد الهائل في الاقصر من ابداعها بكل ما شهده من اضافات وامتدادات؟ اليس الحضارة الصينية من كبرى حضارات العالم؟ الم يشيد معماريوها سور الصين العظيم والمدينة المحرمة بكل ما فيها من امتدادات على مدار اجيال؟ ومثل هذه التساؤلات يمكن ان تمتد من مدن الازتيك وصولا الى اللوفر. سلب من منظور من؟ ـ سابعا: العمارة الاسلامية في افضل حالاتها وفي اكثرها اتساماً بالطابع الاسلامي هي سلب او نفي للعمارة كما تصورتها اوروبا، واذا كان جروبه قد وصل الى ذروة تهجمه على العمارة الاسلامية بالادعاء انها لا تعدو ان تكون عمارة محجوبة، فإنه هنا يرقى الى ذروة اخرى في الوقت الذي يزيح اللثام عن السر في تخرصاته هذه على عبقرية العمارة الاسلامية ربما من غير تقصد لهذه الازاحة او تعمد لها. كيف ذلك؟ وعبر اي الابعاد نستطيع تفهمه؟ في صدر هذا الانتقاد وتحت العنوان الفرعي «الفضاء الداخلي» يكرس جروبه ختام الجزء الاخير من مقدمة كتاب «عمارة العالم الاسلامي: تاريخها ومعناها الاجتماعي» لتقويم تهجمه على العمارة الاسلامية. يبدأ جروبه هنا طرحه بكلمة حق، يبادر الى الانطلاق في اعقابها ليصل الى الباطل الذي يريده بها. انه يبدأ بالقول في مستهل هذا الجزء الاخير من مقدمته، ان الفضاء المغلق الذي تحتازه الجدران والاعمدة المقنطرة والعقود هو اهم عنصر في العمارة الاسلامية، وهذا الامر لا تؤكده فحسب الظاهرة المتمثلة في انه لم يتم إلا ابداء اهتمام محدود بالمظهر الخارجي لاي مبنى ولقابليته لان تراه العيون بجلاء وانما تؤكده بصفة خاصة الحقيقة القائلة ان معظم الزخرفة «مع الاستثناء الملحوظ المتعلق بالقبة والواجهة الصرحية» يكرس لتجميل الخارج وتحقيق ترابطه باتساق. وهو يضيف ان الزخرفة في العمارة الاسلامية تخدم وظائف عديدة ولكن تأثيرها الرئيس ـ وربما الى حد كبير الغرض الرئيسي منها ـ هو فيما يبدو خلق قيم غير متعلقة بفن البناء وادماج كل تلك العناصر التي تؤكد في تقاليد معمارية اخرى على البنية وتوازن الاحمال والجهود اي الآليات الفعلية للبناء. هنا، بالضبط، يلفت نظرنا تشديد جروبه على ان العمارة الاسلامية في افضل احوالها واكثر تجلياتها اتساقا بالطابع الاسلامي هي سلب او نفي حقاً للعمارة كما تتصورها اوروبا، اي البنية واهدافها في مجال السلب او النفي البصري لواقع الثقل وضرورة الدعم، والوسائل التي من خلالها يتحقق امتصاص الثقل واجتياز الفضاء غير المحدود، وتخفيف ثقل الجدران والاعمدة والعقود هي وسائل معروفة كلها جيدا، وهي تتراوح ما بين استخدام التوريق والزخرفة المنفذة في الآجر ـ وخاصة الكسوة بطلاء لماع والزخرفة متعددة الالوان ـ والحجر المصقول المتألق بالنحت الغائر او الجص المنفذ في الجدران النافذ والاسطح والعقود، بل والاعمدة الحاملة ايضا. هذا الحشد من المعالجات الزخرفية للاسطح في العمارة الاسلامية والاستخدام الذي يشمل تقريبا كل الاساليب الفنية التي يمكن تخيلها وتطير مخزون ثرى من التصميمات، ابتداء من الاشكال الهندسية التجريدية حتى النطاق الكامل من الاشكال الزهرية، ومن النقوش المنفذة بدقة بالغة في تنوع كامل من الاساليب المتعلقة بفن النمط الى الكلمات الصرحية المفردة التي تخدم باعتبارها صورا دينية وبحسبانها زخرفة ـ هذا الحشد لا نظير له في عمارة العالم غير الاسلامي. ويقر جروبه بالتأثير الفذ لهذه الزخرفة وبأدائها الذي لا تخطئه العين لوظائفها، غير انه على الفور يبادر الى الزعم بأن تمضي جنبا الى جنب مع المخطط المجرد من الاتجاه والميل الى تكرار لا نهائي للوحدات «البلاطات، الاقواس، الاعمدة، المجازات، الافنية، الدهاليز، القباب الصغيرة» والاندماج المتواصل للفضاءات من دون اي اتجاه محدد، او اي مركز او بؤرة محددين، واذا تم الوصول الى حد مكاني مثل حائط نهائي، فإن السطح الذي ينبغي ان يوقف تقدم اي شخص يمضي عبر المبني، سيكون مزخرفاً بأنماط من الزخارف تكرر نفسها، وتتواصل بصريا الى ما وراء الحد المتمثل في سطح الحائط او العقد او القبة. ويختم جروبه بالاشارة الى ان الامر سيقتضي سنوات طويلة للوصول الى تفسير مرهف لظاهرة العمارة الاسلامية اي الى الربط بين المظهر الفيزيقي للعمارة الاسلامية في الاجزاء المختلفة من العالم الاسلامي بـ «روح» الاسلام على نحو ما تسود في اي اقليم بعينه او اي مرحلة بذاتها. هكذا، اذن، فإن جروبه يطرح علينا العمارة الاسلامية على انها لغز يتعين علينا ان نهدر سنوات طويلة في محاولة فهمه كأنها رقش هيروغليفي علينا ان نضرب اخماسا بأسداس لعلنا في نهاية افق زمني لا احد في الدنيا يدري متى ينتهي قد نصل ـ أو لا نصل ـ الى جانب من مغاليقه واسراره. ولكن علينا ان ندرك ـ حسبما يطالبنا هذا المستشرق ـ ان العمارة الاسلامية تظل في افضل حالاتها وفي اكثرها اتساماً بالطابع الاسلامي هي سلب او نفي للعمارة كما تصورتها أوروبا ، فهي لا تعدو ان تكون الظل الشاحب الذي يؤكد سطوع المثال الاوروبي وتألقه. مثل هذا الافتئات، في حقيقة الامر، ليس جديدا على المستشرقين بالنسبة لارنست جي جروبه، فإن القاريء يعلم ـ ولاشك ـ انه وقد اطال القول وفصله في انتقاء العمارة الاسلامية حتى ليحسب المرء انه قد كرس قلمه بل حياته لتشويهها واستئصالها، ان لم يكن من الافاق في ضوء استحالة هذا، فعلى الاقل من نفوس كل من يبدون ادنى اهتمام بها ومن قلوبهم ومن عقولهم. ومقابل هذه العتمة الكثيفة التي تطل من بين سطور كتاباته نجد نوراً باهراً يشع من كتابات كتاب اوروبيين آخرين كرسوا حياتهم لاعطاء العمارة الاسلامية بعض حقها. دعنا نقرأ معاً ما يكتب جاستون فييت، على سبيل المثال، في مجال القاء الضوء على تأثر العمارة القدسية بالبيئة المحيطة بها، حيث يعقد مقابلة جمالية شاعرية بين الكنيسة القوطية والمسجد الاسلامي حيث يقول « على حين تمتليء الكنائس والكاتدرائيات من الداخل بالاقبية الاسطوانية المتتالية التي تحاكي قمم الاشجار في غابات اوروبا الكثيفة بقممها الشاهقة المتلاصقة يحاكي الجامع بأعمدته اشجار النخيل فيبدو غابة متفتحة لا سر يكتنفها ولا غموض، فالخطوط القوية الواضحة الرصينة التي تتجلى في اعمدته تنهض في الفراغ المحيط بها من دون ان تضفي على هذا الفراغ عتمة توحي بأي غموض او تعقيد، ومرد هذا الوضوح الاضاءة المباشرة المنطلقة من الصحن المكشوف، وعلى حين تبدو الكنيسة من الخارج بمجازها الاوسط الشاهق الارتفاع وابراج نواقيسها المخروطية او المدببة وكأنها تبحث عبثا عن منفذ لها الى السماء يبدو المسجد وكأنه قد نفذ الى السماء، رامزاً للسكينة والايمان الرصين والشجاعة المطمئنة التي تسلم مقاليدها الى الذات الالهية». ويصيب جاستون فييت كبد الحقيقة حين يتابع : «اذا كان معيار الاصالة في اي طراز من طرز المعمار هو اسلوب استغلال الفراغ، فإن تصميم الجامع هو النموذج الذي يعبر بوضوح عن جوهر عقيدة الاسلام بصفته ديناً اصيلا له شخصيته المتميزة». فهل تبقى بعد هذا قيمة لتخرصات جروبه عن الصلة بين العمارتين الاسلامية والاوروبية او لتعميماته حول الزخارف في العمارة الاسلامية؟