كيف نجعل من الصوم تجربة نواجه بها تيارات الحياة، وأمواجها المتلاطمة؟ وكيف نجعل رمضان عاصماً لنا طوال شهور العام من ماديات الحياة الزائفة؟ لنذكر قول الله عزوجل: «ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون». إن منزلة الصيام هي أسمى مراتب التقوى وأكرمها عند الله فإن في سائر العبادات جوانب تحببها إلى النفوس الكريمة وتقربها من مقتضى الطباع السليمة، ففي الصلاة مثلا حلاوة الإيمان والمناجاة وفي الزكاة أريحية الجود والكرم وفي الجهاد عزة الحمية أما الصيام فإنه ليس فيه معاونة من الطبع بل ان فيه على العكس معاندته ومقاومته ومن هنا كان أقرب الأعمال إلى الخلوص عن الشوائب ولعله من أجل ذلك كانت الأعمال كلها يثاب عليها بأضعاف معلومة من العشرة إلى السبعمائة إلا الصوم لا يدخل تحت حصر ولا عد كما جاء في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». وما كان الله عزوجل ليشرع لعباده ولا ان يفرض عليهم تلك الفريضة إلا لحكمة بالغة وغاية مثلى وليس لمجرد المشقة والحرمان وإنما ليصل بالنفس إلى حقيقة التقوى فتسمو عن الدنايا وترتفع عن ضرورات البشرية وتعلم كيف تسيطر على النوازع والغرائز وكيف تستعصم عن نداء الفتنة وداعية الشهو فليس الهدف من الصيام اذلال النفس أو القسوة عليها ولكن الغاية منه علاج النفس من أدوائها فتكتسب إرادة حازمة وعزيمة صادقة لا تتهافت على الشهوات ولا تتهالك على الرغائب واللذائذ بل تملك الصبر على الحرمان والقوة في مواجهة الغرائز وتترقي من ذلك إلى الابتعاد عن الرذائل، وهذا ما يشير إليه قول الله تعالى: «لعلكم تتقون». من هذا المنطلق كان لزاماً على المسلمين ان يتخذوا من صوم رمضان زاداً للتقوى والتقرب إلى الله تعالى، وألا يصوموا جوعاً وعطشاً ثم هم من وراء ذلك لا يرعون الله في أعمالهم وتجاراتهم وذوي أرحامهم وجيرانهم وأوطانهم بل عليهم ان يصوموا لله قانتين حتى لا يدخلوا في نطاق ما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش». ان مدرسة الصوم مدرسة اصلاح نفسي وجسدي واقتصادي أستاذها الوازع الديني ودوام المراقبة لله سبحانه والامتثال لأمره، فالتقوى إذن هي الهدف الحقيقي الذي ان أصبته جاءت من ورائه كل الثمرات مكرهة راغمة وإن أخطأته فقد أضعت عملك كله سدى «من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب» تلك هي التقوى التي أراد الله تعالى ان تكون ثمرة الصوم وهي في الحقيقة هدف مشترك بين العبادات والطاعات جميعاً، غير ان للصوم اثراً أوسع وأعم في تحصيلها، فإذا كانت الطاعات الأخرى تورث أوائل درجات التقوى بالاعتداد والاستقامة فإن الصيام يورث نهاية درجاتها بالزهد والورع. فلنتزم بالصوم الموصل إلى التقوى إيماناً واحتساباً لربنا ولنلجأ إليه في شهرنا المبارك أملاً في معونته ومدده لأمة القرآن حتى تكون خير أمة أخرجت للناس. وبالله التوفيق. أحمد عبدالتواب أحمد