في هذه المقالة الثانية من موضوع الإعجاز نتجول في رحاب العلم الكوني من خلال دلالات بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية كشواهد حيه وبارزة على هذا الإعجاز الرباني: ففي ميدان الفضاء والفلك نقرأ قوله تعالى: (والقمر إذا اتسق لتركبن طبقاً عن طبق). هذا قسم إلهي بالقمر يؤكد ركوب الإنسان طبقاً عن طبق. وقد ورد لفظ القمر في القرآن 27 مرة. وأهم انتصار للعلم والتكنولوجيا في القرن العشرين هو وصول الإنسان إلى سطح القمر ونزوله عليه في رحلات علمية متتابعة ومتعاقبة. وقد فسر البروفيسور المصري الدكتور منصور حسب النبي رئيس الجمعية المصرية للإعجاز العلمي للقرآن والسنة وأستاذ ورئيس قسم الفيزياء بجامعة عين شمس بالقاهرة بقوله: في الآية الكريمة إشارة واضحة إلى ماذكره رواد الفضاء حين يخترقون جميع طبقات الغلاف الجوي، وهي على الترتيب التروبوسفير، والستراتوسفير، والأيوتوسفير، وذلك من أجل الوصول إلى القمر. ولذلك شهد رواد الفضاء على إعجاز القرآن بأن السماء حالكة السواد في الفضاء وعلى سطح القمر. فكلما صعدوا وعرجوا في السماء وتوغلوا في الفضاء كلما اشتد السواد حولهم لدرجة أنهم يقولون إن أبصارهم تبدو عندئذ كما لو كانت عمياء مسحورة فالشمس ساطعة بينما الظلام حالك في منظر يدعو للدهشة والانبهار. فلنسمع قول الحق في سورة الحجر يقول: (ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون). أما في بيان شكل الأرض، فإن المسح الشامل لكوكب الأرض بالأقمار الصناعية أثبتت أنها بيضاوية كما ذكر القرآن الكريم، ويبلغ قطرها 12757 كلم عند خط الأستواء بزيادة 43 كلم عن القطر عند القطبين، مما يجعل كرة الأرض لها تقريباً شكل بيضاوي، وهذا ماتشير إليه الآية الكريمة (والأرض بعد ذلك دحاها). وفي قوله تعالى: (والأرض مددناها) يقول د. منصور حسب النبي: إن كلمة مددناها تعطي المعنى المزدوج للانبساط والتكوير، وهذا من عجائب القرآن، فاستمرار المد دليل هندسي قوي على كروية الأرض، ولو كانت منبسطة مسطحة لانتهى المد عند أطرافها. والتكوير قد أشارت إليه الآية القرآنية (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل). فالتكوير معناه الاستدارة، أي إحلال نصف الكرة الأرضية المظلم محل نصفها المضيء والعكس في تكوير النهار على الليل. أما الآية الكريمة في سورة الحج (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) يبين الدكتور حسب النبي أن كلمة عميق تدل على الكروية، ولو كانت الأرض مسطحة ومستوية لوصف القرآن الفج بالبعيد وليس بالعميق. ولكن عمق الفج هذا دليل على انحناء الطرق المؤدية إلى مكة التي ثبت أنها تقع في مركز اليابسة، وإليه أشارت الآية الكريمة (لتنذر أم القرى ومن حولها) أي من حولها على سطح الكرة. ثم لا ننسى دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، وحركة الشمس في الفضاء، وكل ذلك أشار إليه القرآن في آيات عدة. ننتقل إلى جانب آخر من جوانب الإعجاز العلمي وهو ميدان الطب والصحة، ونعرف مدى اهتمام الإنسان بالطب والصحة لالتصاق هذا الأمر بحياته التصاقاً تاماً. فنجد أن في القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم العديد من الإشارات العلمية الطبية والصحية بما يعرف في لغة العلم الحديث الطب الوقائي الذي توليه اليوم دول عديدة اهتماماً بالغاً. فحين نقرأ قوله تعالى (خلق الإنسان من علق) القلم: 9. بينت هذه الآية حقيقة مهمة كان السابقون يعجزون عن فهمها، أو فهموها في ظاهرها اللفظي وهي أن العلق هو الدم المتجمد، ولم يترك الأطباء حقيقة ما ذكرته الآية الكريمة إلا عندما ظهر الميكروسكوب، ووضح أن الماء الذي ينتقل من الذكر إلى الأنثى والذي هو أصل الحياة البشرية ليس في حقيقة الأمر إلا مليارات الملايين من الحيوانات المنوية الدقيقة التي تشبه العلق في شكلها، وكشف الميكروسكوب السر الرائع الذي تنطوي عليه هذه الآية. وفي سورة النحل مثلاً يشير القرآن إلى أهمية عسل النحل في شفاء كثير من الأمراض حيث أكدت الأبحاث العلمية الحديثة أهمية هذا الدواء والذي يعتبر غذاءً كاملاً للمريض حيث يقوي جهاز المناعة المضاد للخلايا السرطانية في الجسم. وفي سورة العلق يطالعنا لفظ الناصية في قوله تعالى (كلا لئن لم تنته لنسفعاً بالناصية ناصية كاذبة خاطئة) وجدانها المسئولة عما يتسم به الإنسان، من صفات الصدق والكذب والخطأ والصواب وربما غيرها من الصفات المتشابهة، وهذه الصفات مجتمعة تكون ما نسمية بالشخصية. أما في سورة هود فقد أضيف وظيفة أخرى للناصية وهي أنها تلعب دوراً مهما في المبادأة والهيمنة والسيطرة على تصرفات الشخص وأفعاله وبدراسة ما كتب عن التركيب الشريحي وعن وظائف الناصية في المراجع الطبية الحديثة، وجد أنه مطابق تماماً لما تم استنباطه من القرآن فمقدم الرأس (الناصية) تقوم بحماية الفص الأمامي (الجبهي) للمخ، وهذا الفص يحتوي على مركزي الحركة الأولي والثانوي، ومركز بروكا لحركات النطق، هذا بالإضافة إلى الجزء الأمامي في الفص الجبهي وهو مايسمى بالقشرة الأمامية للجبهة، وهذه القشرة تشكل مركزاً علوياً من مراكز التفكير والتركيز والذاكرة، وهي الموجهة لتصرفات الإنسان الشخصية مثل الصدق والكذب والصواب والخطأ. فهذه القشرة تحت الإنسان على المبادأة، سواء كانت مبادأة بالخير أو بالشر. ولا ننسى ما أشارت إليه الآيات القرآنية من طبيعة خلق الإنسان والمراحل التي يتخلق فيها وهو في ظلمة الرحم، فيقول الله تعالى (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة وخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين). ومايقرره الطب الحديث مطابق تمام الانطباق لما نطقت به الآية الكريمة. أما الإعجاز العلمي في التشريع فالأمر يطول كثيراً، ويكفي أن أشير إلى أهمية الصلاة في حركاتها التعبدية من سجود وركوع ومايؤدي إليه هذا الفعل من تنشيط للحركة الدموية لا سيما في صلاة الفجر. كذلك الصوم وفوائده العديدة على جسم الإنسان حيث يقوي جهاز المناعة في الجسم ويحمية من أخطار السمنة والسموم المتراكمة. ولا عجب أن نرى كثيراً من الأطباء الغربيين يلجأون إلى مداواة مرضاهم بالصوم الذي يطلق عليه اليوم الصوم الطبي. نعم لقد حرم الإسلام (القرآن والسنة) أنواعاً من الطعام والشراب كما حرم أنواعاً من المكاسب والملابس، ولم تتضح الحكمة في كثير من هذه الممنوعات إلا في أمور محدودة منها. وانطوت الحكمة من تحريم الخنزير ومشتقاته على مدى قرون من الزمان. ومع التقدم العلمي والطبي في القرن العشرين ظهرت بعض هذه الأسرار وخفيت عنا أسرار قد تنكشف كلما تقدمت العلوم واتسعت. أما عن تحريم الخمر وماأفاده العلم والطب الحديث من نتائج خبيثة وخطيرة تنعكس على جسم الإنسان من مثل تليّف الكبد وإضعاف القدرة وانسداد الشرايين المؤدية إلى الجلطة أو الذبحة الصدرية وغير ذلك. هل نتحدث عن الإعجاز العلمي في ملكوت الله الواسع في خلق السموات والأرض ومافيها، وماتحتها، من عوالم ومخلوقات، يقول العلم الحديث فيها باختصار: إنه الله الذي أتقن كل شيء صنعه، فتبارك الله أحسن الخالقين. وإذا مانظرنا في السنة النبوية الشريفة، وماجاءت به من الإخبار والأخبار والنبوءات التي شملت العديد من وجوه الحياة. فلنستمع إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلمنا ويرشدنا ويوجهنا بقوله: 1- من أطعمه الله طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه، ومن سقاه لبناً (حليباً) فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزيء من الطعام والشراب إلا اللبن. (رواه أبو داوود والترمذي). واللبن أي - الحليب - هو الغذاء الكامل لجسم الإنسان صغيراً، وهو الدواء لجسمه كبيراً، لا سيما للمرأة عند إصابتها بمرض ترقق العظام أو شلل العظام كما يشير الأطباء اليوم. 2- يقول النبي صلى الله عليه وسلم: تداووا عباد الله فما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء (رواه البخاري). وهذا حق لا مرية فيه. فما إن تظهر علامات مرض ما حتى يبدأ العلم بالكشف عن الدواء المضاد لهذا المرض بهدي من الله (علم الإنسان مالم يعلم) كما أنه يشير إلى الأخذ بالأسباب. 3- يقول النبي صلى الله عليه وسلم ما عام بأمطر من عام (رواه البيهقي) فعلماء الفيزياء الطبيعية يقرون بأن ما ينزل من الأمطار سنوياً في العالم لا يتغير مقداره مهما تبدلت الظواهر المناخية. 4- يقول النبي صلى الله عليه وسلم: احصوا لي كم يلفظ الإسلام (رواه البخاري ومسلم) ولا ننسى ما للإحصاء في عصرنا من دلائل علمية في معالجة الأمور باعتباره علما يتناول الإدارة والتخطيط. 5- يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنت فيها فلا تخرجوا منها (رواه البخاري). وهو حديث يشرح أهمية الحجر الصحي والوقاية من الأمراض التي يتناولها علماء الطب اليوم بالشرح والأهمية. 6- يقول النبي صلى الله عليه وسلم: كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب (عظم في آخر سلسلة الظهر)، منه خلق ومنه يركب (رواه مسلم). فقد أوضح علم الأجنة المعاصر أن الإنسان يتكون وينشأ من هذا العجب وهو المسمى بالشريط الأولي الذي يحفز الخلايا على الانقسام والتكاثر والتمايز والتخصص، فيظهر بعده الجهاز العصبي في صورته الأولية، ومنه سيعاد تركيب الإنسان يوم القيامة. 7- يقول عليه السلام: إذا تطاول البنيان فذاك من أشراطها (الساعة)، ومانراه في حياتنا اليوم ما هو إلا شاهد حسّي على صدق مانطق به الصادق المصطفى عليه السلام. 8- يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره (رواه ابن ماجة وأبو داوود) وواقع حياتنا الاقتصادي يشهد على ذلك. 9- قال صلى الله عليه وسلم: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه (رواه البخاري ومسلم). ولقد ثبت حديثاً في علم الهندسة المدنية والعمرانية أن البناء كتله واحدة إذا أصابه تصدع ما، فيتوزع الوزن والثقل فيه من جديد على الأقسام غير المتصدعة، لأنه يشد بعضه بعضاً. 10- يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب. وأثبت العلم التجريبي من خلال الأبحاث المخبرية هذه الحقيقة الإعجازية. 11- يقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة، وعليكم بالقسط (رواه البخاري). (الغمز: ضغط الإصبع على الحلق واللوزتين عند التهابهما، فمعالجة ذلك لا يكون بالضغط عليهما بل يتناول الأدوية. ولو رحنا نتتبع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في مجال العناية بالصحة لما استطعنا، فالمجال واسع ورحب. ويكفي أن نعلم أن الطب النبوي قد أثبت جدواه في معالجة العديد من الأمراض والحالات التي استعصت على أحبار الطب. ففي العسل والزيت والتمر وغيرها ما يكفي لإثبات نبوءات النبي صلى الله عليه وسلم. فنبوءات الرسول حسية كانت أم معنوية، هي من دلائل نبوته العالية، وأهميتها تتجلى في أنها تتضمن تحدياً للعقول البشرية، حيث انها لاتدرك بالعقل ولا تعرف بالنجوم، وإنما تعرف بإعلام تعالى ووحيه (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول). كما أنها تكشف لنا عن جانب عظيم من جوانب العظمة النبوية والإعجاز النبوي. وأخيراً: إذا كنا نقر بحقيقة الإعجاز في القرآن والسنة فإنما نقر بالحقيقة الإلهية المطلقة في خلقه وفي الوجود. يقول الإمام الشافعي «جميع مايقوله البشر من حق تفسير للسنة النبوية، وجميع ما تقوله السنة النبوية شرح لما هو موجود في القرآن الكريم » ومجال الإعجاز واسع ومفتوح. لكن عظمة هذا الإعجاز تتجلى في تلك الكلمات القليلة العدد التي تشع منها أنوار العلم والهداية، دون أن تطلع فيها على دقائق النظريات وخفايا المعادلات. إن من أهم الأمور في منهج ودراسة الإعجاز في القرآن والسنة هو عدم فصل الحقائق العلمية عن الهداية الدينية في الآية أو الحديث، والتي هي لخير الإنسان في دنياه وآخرته.