لا يمكن الحديث عن تجديد الفكر الإسلامي دون وقفة مراجعة للقدرات المفكرة وبخاصة العقل المسلم الذي تعرض في الآونة الأخيرة للعديد من المراجعات التي اتجهت بشكل أو بآخر إلى ما يمكن أن نسميه موجة نقد العقل الإسلامي، الملفت للنظر أن هذا النقد قد جاء من داخل التيار الإسلامي ومن خارجه على سواء فالجميع اتفقوا على ضرورة المراجعة والنقد الذاتي لأداء العقل الإسلامي وممارسة التجديد وإن اختلفوا في المنطلقات والرؤى والمرتكزات. صدرت مجموعة أعمال في العقدين الأخيرين تمحورت حول مراجعة ونقد العقل وتقويم أدائه في الماضي والحاضر، مثل «نقد العقل الإسلامي» للدكتور محمد اركون، و«اغتيال العقل» للدكتور برهان غليون، و«نقد العقل العربي» للدكتور محمد عابد الجابري، و«إعادة تشكيل العقل المسلم» للدكتور عماد الدين خليل، و«أزمة العقل المسلم» للدكتور عبد الحميد أبو سليمان، و«وعقلة الوهن» للدكتور سيف الدين عبد الفتاح. ويرى بعض الباحثين والمتابعين لحركة الفكر الإسلامي ان بعض المفكرين العرب والمسلمين الذين تناولوا موضوع العقل العربي والعقل الإسلامي قد تأثروا إلى حد كبير بما يمكن تسميته بثورة العقل في الغرب، ومن الذين تبنوا هذا الرأي ـ السيد محمد حسن الأمين ـ مشيراً الى أن التأثر بهذه النزعة العقلية الغربية، قد يعود إلى تصور كثير من المفكرين العرب المعنيين بهذا الجانب العقلي، بأن أية حركة تستهدف عملية التجديد وإعادة البناء والخروج من التخلف، لابد لها أن تماثل أو تشابه على الأقل ما حصل في أوروبا، التي انتقلت أيضاً من العصور التي اتسمت بأنها عصور دينية إلى ما نسميه بعصر اعتماد العقل وتأكيده، بوصفه المرجعية الوحيدة للحضارة وللتطور وللإبداع ولكل مستوى من مستويات التنمية . ويثبت الكاتب الإسلامي عبد الجبار الرفاعي هذه الرؤية في كتابه «مناهج التجديد» في حواره مع السيد محمد حسن الأمين الذي يرى أن الاهتمام الغربي بموضوع العقل بوصفه الطرف الآخر لموضوع الدين لا يمكن نقله إلى الفكر الإسلامي أي لا نستطيع أن نضع بصورة مماثلة للغرب الدين والعقل على طرفي نقيض، ذلك أنه في الغرب أمكن إلى حد كبير أن توجد هذه الثنائية الحادة بين العقل والدين، لأسباب تتعلق بطبيعة المؤسسة الدينية، التي كانت في مرحلة من مراحل قوتها وتسلطها، قد مارست إلى حد كبير وضع الدين في مقابل العقل. غير ان الأمر يختلف بالنسبة للفكر الإسلامي، فالرؤية الإسلامية للحياة الاجتماعية وللحياة السياسية وللمجتمع بصورة عامة، تستند إلى منطق العقل أيضاً، وبالتالي فإن مصادرة العقل باسم الدين أمر لا يستوعبه الفكر، بل يوجد في تاريخنا الإسلامي مراحل كانت تمتاز بالازدهار ولد فيها تيارات فلسفية كلامية ومذاهب متعددة، منها ما هو ذو نزعة عقلية متكاملة وقوية، ومنها ما هو ذو نزعة دينية تقلل من قيمة العقل البشري وتقصد أن الحقيقة بوصفها مفهوماً فلسفياً مصدرها الوحي وليس العقل، ولو أردنا أن نجسد هذه الاتجاهات بتيارات محددة، لقلنا: إن هذه التيارات هي: تيار المعتزلة وتيار الأشاعرة في الفكر الإسلامي الذي ولد مبكراً في القرون الأولى من تاريخ الفكر الإسلامي، ولم تصل درجة الصراع، والنزاع بينهما إلى الحد الذي وصل فيه الصراع بين العقل والدين في أوروبا إلى ما وصل إليه، حتى تيار الأشاعرة في الفكر الإسلامي لم يكن تياراً يرفض العقل تماماً وإنما كان يركز على الوحي، يركز على الدين بوصفه مصدراً للحقيقة يتفوق في مجالات معينة على الحقيقة التي مصدرها العقل الإنساني. ولكن هذا الرأي لا ينسحب على جميع الاهتمامات الفكرية المنصبة على نقد العقل العربي، ونقد العقل الإسلامي،حيث يؤكد السيد محمد حسن الأمين إن بعض هذه الأعمال يعي وعياً دقيقاً الفرق بين موضوع العقل في الإسلام وفي التاريخ الإسلامي، والعقل في المسيحية والتاريخ المسيحي الغربي، وبعضها الآخر يخلط بين هذين الأمرين، وينبه الى أن المسلمين الذين يؤمنون إيماناً ثابتاً وراسخاً بخلود الإسلام وخلود النص القرآني، يؤمنون أيضاً بأن تجديد الحضارة الإسلامية هو قدرنا عندما نتجه إلى حركة نهوض تضعنا في الموقع اللائق في العالم المعاصر مع الحضارات الأخرى. فإذا كنا نريد ذلك فمن الطبيعي وانطلاقاً من الأهمية الخاصة لموضوع العقل والعلوم في عالمنا المعاصر، أن نعود إلى مصادر فكرنا الإسلامي ابتداء من المصدر الأول وهو القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، ومن ثم إلى كل أشكال التفسير والتأويل التاريخي للقرآن الكريم وللحديث النبوي الشريف،، وأن نعود إلى قراءته قراءة نقدية نستخلص منها هذه النزعة العقلية في قراءة النص، ليجري إنتاج فكر إسلامي ينتمي إلى هذه النزعة العقلية، لأن واقعنا المعاصر يتطلب منا فعلاً أن نستعيد للعقل أهميته، فالعقل هو المصدر الأساسي لإنتاج فكر إسلامي وهو المصدر الأساسي لإنتاج العلوم، حتى العلوم المحضة التي نحتاج إليها نحن ـ المسلمين ـ والتي يشكل الاهتمام بها والاهتمام بإنتاجها عنصراً هاماً في حركة النهوض الإسلامي وفي حركة التحرر الإسلامي من أشكال السيطرة والهيمنة التي نواجهها. غير انه ثمة نقد منهجي للعقل الإسلامي، من زاوية أخرى، يشير إليها الدكتور برهان غليون في هذا المجال، وتتمثل في غياب التجديد في مناهج تجديد الفكر الإسلامي المعاصر، ويثبت هذه الرؤية التي جاءت تحت عنوان «فلسفة التجديد الإسلامي» في ندوة نظمها مركز دراسات العالم الإسلامي بمالطا، وصدرت في كتاب بعنوان «الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر» فيرى الدكتور برهان أن المدرسة السلفية التي كانت مدرسة التجديد الفكري الوحيدة في الإسلام العاصر، لم تجدد في منهج التجديد أبداً، إن جوهر ما قامت به هو إعادة النظر إلى قيم ومفاهيم إسلامية أصيلة من زاوية حاجات العصر، وبذلك أضفت عليها صفة الجدة والحداثة وقدمت للمجتمع نظرية مقبولة لفهم واستيعاب القيم والأفكار العصرية. وأهم مثال على ذلك ما فعلته بالنسبة لقضايا التطور الفكري والاجتماعي الأساسية من الديمقراطية، أي تغير القيم والنظم السياسية الكبرى، والعلمانية أو الإبداع والعلم الحديث. وهكذا أمكن القول إن القيم الديمقراطية موجودة في الفكر الإسلامي تحت اسم الشورى، وأن العلمانية موجودة تحت اسم العقل والتشديد على العلوم والاجتهاد وإلغاء السلطة الدينية، كما قال محمد عبده، من جذورها، وأن الحرية كانت تسمى العدالة. بهذه الطريقة أدخل الفكر السلفي تجديدات كبيرة على المعاني الإسلامية حسب ما كانت مستخدمة في ذلك العصر وفي القرن الماضي، وقد حقق التجديد المطلوب الأهداف التي كانت موضوعة له. ويمكن تلخيص هذه الأهداف بالنسبة للتجديد السلفي في هدف أساسي هو خلق جسر بين الفكر العالمي الحديث الذي بدأ العرب باكتشافه والاطلاع عليه والفكر العربي الإسلامي. وعندما نتحدث عن جسر فنحن نقصد أيضاً قاموساً عميقاً للمصطلحات، وترجمة من فكر ومن منطق إلى فكر ومنطق آخرين، وأن يتابعوا تطورات وأحداث العصر، ومن ثم أن يدخلوا فكرياً ثم عملياً فيه. و هذه المهمة أساسية وكبرى ولا يمكن الاستغناء عنها. لكن السلفية لهذا السبب بالذات، لم تستطع أن تذهب بالتجديد إلى ما وراء ذلك والسبب في هذا أنها ما كانت من الوجهة التاريخية قادرة عليه. فأي تطور فكري عربي إسلامي لم يكن ممكناً دون المرور الإجباري بهذه المرحلة الانتقالية، أي دون معرفة ما هو العصر وما هي مطالبه، ثم ما هي عدته النظرية، هو نفسه، كفكر عربي وبالتالي قدرته الكامنة واستعداداته لفهم هذه المطالب والرد عليها. لقد أدخلت السلفية العرب في التاريخ الفكري الحديث وشرحت لهم عن طريق تقريبها من المعاني المعروفة الإسلامية مفاهيم العصر ومكتشفاته ومكاسبه النظرية. لكنها لم تراجع التفكير في منهج التفكير نفسه، والتجديد الفكري جزء منه. كما أنها لم تُعد النظر في المفاهيم الغريبة أو الحديثة التي قربت معانيها من أذهان العرب والمسلمين ولا فكرت في تنقيحها، لأنها لم تكن تملك منهجاً نظرياً يختلف عن المنهج التقليدي السائد في العالم الإسلامي في ذلك الوقت، ولم تستطع أن تنظر نظرة نقدية إلى المفاهيم العصرية الجديدة التي أدخلتها أو أرادت أن تدخلها في المنظومة الفكرية العربية الإسلامية. لقد أخذتها باعتبارها مكتسبات أو اكتشافات إنسانية وعقلية نهائية ولم تفكر في النظر إلى ما يمكن أن تنطوي عليه من محدودية تاريخية أو تناقضات داخلية. ويخلص الدكتور غليون إلى فكرة أساسية مفادها أنه بقدر ما كانت المدرسة السلفية تفرض نفسها على الفكر الإسلامي، وقد فرضت نفسها عليه بالفعل، كانت تقود إلى إخفاقها التاريخي. فمع تراكم المفاهيم الحديثة دون نظرة نقدية فاحصة، واستمرار المنهج القياسي البسيط أصبح من الأصعب فالأصعب هضمها من قِبل الفكر الإسلامي، كما أصبح من الأصعب فالأصعب إيجاد القرابات البسيطة بين المفاهيم المختلفة. وهكذا ما لبثت التسوية السطحية التي أبرزت أن الفكرين الإسلامي والغربي المعاصر متسقان ومتوافقان، أن تحولت إلى قطيعة مُرةٍ وتناقض لا حل له. د. محمد يونس