نرى في محراب جامع القيروان الذي زود ببلاطات من الخزف ذي البريق المعدني خلال أعمال التجديد التي قام بها حكام دولة الأغالبة في النصف الأول من القرن الثالث الهجري «9م» ويبدو واضحا من طراز زخارف هذه البلاطات أنها قد صنعت في سامراء بالعراق. ومن المراكز الفنية الأولى التي ذاعت شهرتها في انتاج البلاطات الخزفية مدينة «قاشان» التي أخرجت لنا أقدم المحاريب الخزفية، ومنها محراب جامع الميدان في «قاشان» وأيضا المحاريب الخزفية الثلاثة التي ترجع الى سنة 612هـ «1215م» والموجودة في ضريح الامام الرضا في مدينة «مشهد». وقد استطاع الايرانيون اتقان صناعة التربيعات من الخزف ذي البريق المعدني لسكوة الجدران ونمت هذه الصناعة نموا عظيما فيما بين القرنين السادس والثاني عشر بعد الهجرة وكانت سائر البلاطات الخزفية التي تستخدم في تكسية الجدران تزدان بزخارف بارزة وتزينها الكتابات الكوفية والنسخية. وبسبب شهرة «قاشان» في انتاج البلاطات الخزفية فقد صار اسم هذه المدينة علما على هذه الأنواع من المنتجات الخزفية أينما صنعت حتى يومنا هذا. ومنذ عصر الدولة الصفوية أخذت صناعة البلاطات الخزفية تغزو أواسط آسيا والأناضول وذلك منذ نجاح صناع «أصفهان» العاصمة الصفوية في ابتكار طريقة صناعية تغنيهم عن عناء صناعة الفسيفساء الخزفية المتعددة الألوان وما تتطلبه صناعتها من وقت وجهد ونفقات، تلك هي الطريقة المعروفة باسم «هفتارتكي» أي الألوان السبعة وقد استطاعوا بواسطتها جمع سبعة ألوان أو أكثر في كل لوحة مربعة مساحتها نحو قدم مربع، وتيسر لهم بذلك استخدام الألوان في مساحات صغيرة جدا ولم يعودوا ملزمين بالوقوف عند الزخارف الهندسية والنباتية كما في حالة الفسيفساء الخزفية، بل سهل عليهم تأليف الرسوم الآدمية المختلفة. وأقدم النماذج المعروفة من هذه الصناعة، عثر عليها في مدرسة «شاه رخ» في مدينة «خرجرد» وهي من بداية القرن التاسع الهجري «15م» ابان احتلال التيموريين لهذه المدينة. وقد بلغت هذه الصناعة أوجها في عصر الشاه عباس، وأن كانت لم تقض على صناعة الفسيفساء الخزفية لأنهما وجدا معا في بعض العمائر مثل جامع الشيخ صفي الدين بأردبيل. أما في الامبراطورية العثمانية فقد ازدهرت صناعة البلاطات الخزفية تحت تأثير الاتصال بصناع الخزف الايرانيين الذين حملوا من مدينة «تبريز» الايرانية عندما اجتاحتها الجيوش العثمانية، وقد عمل هؤلاء في مصانع الخزف التركية في عدة مدن لعل أهمها بروسة وأزنيق. وكانت مدينة بروسة أو «بورصة» عاصمة لدولة آل عثمان في الجزء الأكبر من القرن الثامن الهجري «14م» وأصبحت مركزا عظيما من مراكز الصناعات الخزفية، وقد امتازت بانتاج بلاطات من القاشاني لتغطية جدران مستطيلة أو مسدسة ومدهونة بالميناء المتعددة الألوان أو مزينة بالنقوش المرسومة تحت الطلاء. ومن أبدع ما وصل الينا من هذه البلاطات ما نراه في الجامع الأخضر في مدينة «بروسة» وقد تم تشييده سنة 825هـ «1423م» ونلاحظ في قاشاني المحراب بالجامع الأخضر زخارف من زهور وفروع نباتية يتجلى فيها التأثير بالأساليب الفنية الصينية. وفي هذا المحراب كتابة تشير الى أنه من صناعة خزافين ينتسبون لمدينة تبريز الايرانية. وقد أدخل الخزافون الايرانيون الذين عملوا في الأراضي التركية صناعة البلاطات الخزفية المرسومة تحت الطلاء باللونين الأبيض والازرق، ومن أبدع بلاطات القاشاني من هذا النوع تلك التي تزدان بها جدران جامع السلطان مراد في مدينة أدربة. أما مدينة أزنيك فقد أخرجت مصانعها بلاطات من الخزف كسيت بها جدران كثير من مساجد وقصور اسطنبول وغيرها من المدن التركية.ويمتاز انتاج أزنيك باستخدام ألوان متعددة في زخارفه مثل الأزرق والأخضر والفيروزي والزيتوني والأسود فضلا عن لون أحمر مرجاني يشبه لون الطماطم يبرز قليلا عن سطح البلاطات الخزفية، لأن قوامه صلصال غني بأكاسيد الحديد يبقيه كالعجينة ويمنع ذوبانه في الماء، وكان التوصل لاستخدام هذا الصلصال في الزخرفة ايذانا بنجاح الخزافين الأتراك في الجمع بين الزخارف تحت الطلاء والزخرفة باللون الأحمر المرجاني فوق الطلاء. أما زخارف هذه البلاطات فأهمها الزهور الطبيعية ولاسيما الورود وزهر السنبل، والسوسن والقرنفل والخزامي. ومن ابدع ما أنتجته مصانع الخزف في أزنيك في نهاية القرن العاشر الهجري «16م» مجموعة من البلاطات الخزفية تم تصميمها خصيصا لتكسية بعض جدران جناح الحريم في قصر طوبقا بوسراي المقر الرسمي للسلطان العثماني. وقد روعي في روسومها التنوع الزخرفي وأناقة التكوينات وكذلك توافق الألوان وتناغمها ولعل ذلك هو الذي حمل الخزافون على التخلي عن استخدام اللون الأحمر المرجاني لبريقه الشديد من ناحية، ولمباينته اللونية التي تتعارض مع الخطة اللونية التي تعتمد على التناغم والتناسق. وقد وزعت البلاطات في مناظر أو لوحات متساوية الأبعاد وجميعها من تصميم عام واحد يمتاز بوجود شكل محراب في الوسط تعلوه جامتان بهما أبيات من الشعر التركي الذي قيل في مدح السلطان العثماني أحمد الثالث. وفيما عدا ذلك فقد اختلفت الألوان والعناصر الزخرفية المستخدمة من لوحة الى أخرى. ففي واحدة من هذه اللوحات والتي تميزت باتخاذ اللون الأزرق كخلفية للرسوم النباتية نجد ان هناك اطارا من بلاطات صغيرة تحيط باللوحة قوام زخارفها أشكال أنصاف مراوح نخلية نفذت باللون الأبيض على أرضيات من لونين هما الأزرق الفيروزي والأصفر الداكن، أما الكتابات الشعرية فقد استخدم فيها اللون الأبيض ولكن على أرضية من اللون الأزرق الداكن. أما كوشتا العقد فقد اختار لهم الفنان اللون الأصفر كأرضية رسمت عليها أشكال أنصاف مراوح نخيلية باللون الأبيض. وبالنسبة لداخل المحراب، حيث الموضوع الزخرفي الرئيسي فقد رسمت أفرع نباتية بلون أزرق تركوازي تخرج منها رسوم سنابل باللونين الأبيض والفيروزي بها لمسات من اللون الأصفر، وعلى الجانبين من أسفل رسوم لوريدات مختلفة نميز من بينها زهرة الخزامي «اللالا» وزهرة «سلطان الغابة وزهرة القرنفل» ، أما في الوسط فنجد رسوم وريدات بيضاء وصفراء. وفي لوحة ثانية نجد ان اطار البلاطات الخارجي به رسوم لزهور سلطان الغابة» منفذه باللونين الأصفر والأبيض على أرضية من اللون الأزرق الداكن بينما اتخذت الجامعات أرضية بيضاء كتبت عليها أبيات الشعر التركي باللون الأزرق الداكن. وكوشت العقد هنا بهما رسوم لانصاف مراوح نخيلية باللون الأبيض على أرضية زرقاء فيروزية. وبوسط شكل المحراب زخارف متكررة نفذت باللون الأزرق مع لمسات باللون الأصفر على أرضية بيضاء وقوام هذه الزخارف أوراق نباتية مركبة تعرف باسم «الهاتاي» مع رسوم لزهور السوسن التي رسمت بطريقة زخرفية مركبة تتخللها رسوم وريدات شبيهة بتلك التي رأيناها في اللوحة السابقة. وعلى هذا المنوال نسجت اللوحات الخزفية التي يزدان بها جناح الحريم بقصر طوبقا بوسراي باسطنبول والتي تعد من أجمل وأكمل البلاطات الخزفية التي نراها في بناء واحد، وهي اجمالا من روائع فن بلاطات الخزف الذي ازدهر في أنحاء متعددة من العالم الاسلامي. د. أحمد السيد محمد