عمر بن عبد العزيز بن مروان الخليفة الصالح أبو حفص خامس الخلفاء الراشدين، قال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز أخرجه أبو داود في سننه. ولد عمر بحلوان قرية بمصر وأبوه أمير عليها سنة إحدى وقيل ثلاث وستين وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب وكان بوجه عمر شجة ضربته دابة في جبهته وهو غلام فجعل أبوه يمسح الدم عنه ويقول: إن كنت أشج بني أمية إنك لسعيد أخرجه ابن عساكر. وكان عمر بن الخطاب يقول: من ولدي رجل بوجهه شجة يملأ الأرض عدلاً أخرجه الترمذي في تاريخه فصدق ظن أبيه فيه. وأخرج ابن سعد أن عمر بن الخطاب قال: ليت شعري من ذو الشين من ولدي الذي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً. وأخرج عن ابن عمر قال: كنا نتحدث أن الدنيا لا تنقضي حتى يلي رجل من آل عمر يعمل بمثل عمل عمر فكان بلال بن عبد الله بن عمر بوجهه شامة وكانوا يرون أنه هو حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز. روى عمر بن عبد العزيز عن أبيه وأنس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وابن قارظ ويوسف بن عبد الله بن سلام وعامر بن سعد وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن والربيع بن سمرة وطائفة. روى عنه: الزهري ومحمد بن المنكدر ويحيى بن سعيد الأنصاري ومسلمة ابن عبد الملك ورجاء بن حيوة وخلائق كثيرون. جمع القرآن وهو صغير وبعثه أبوه إلى المدينة يتأدب بها فكان يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم فلما توفي أبوه طلبه عبد الملك إلى دمشق وزوجه ابنته فاطمة. وكان قبل الخلافة على قدم الصلاح أيضاً إلا أنه كان يبالغ في التنعم فكان الذين يعيبونه من حساده لا يعيبونه إلا بالإفراط في التنعم والاختيال في المشية فلما ولي الوليد الخلافة أمر عمر على المدينة فوليها من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين وعزل فقدم الشام. ثم إن الوليد عزم على أن يخلع أخاه سليمان من العهد وأن يعهد إلى ولده فأطاعه كثير من الأشراف طوعاً وكرهاً فامتنع عمر بن عبد العزيز وقال لسليمان: في أعناقنا بيعة وصمم فطين عليه الوليد ثم شفع فيه بعد ثلاث فأدركوه وقد مالت عنقه فعرفها له سليمان فعهد إليه بالخلافة. قال زيد بن أسلم عن أنس - رضي الله عنه -: ما صليت وراء إمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز وهو أمير على المدينة قال زيد بن أسلم: فكان يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود له طرق عن أنس أخرجه البيهقي في سننه وغيره. وقال ميمون بن مهران: كان العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة. وأخرج أبو نعيم بسند صحيح عن رياح بن عبيدة قال: خرج عمر بن عبد العزيز إلى الصلاة وشيخ متوكيء على يده فقلت في نفسي: إن هذا الشيخ جاف فلما صلى ودخل لحقته فقلت: أصلح الله الأمير من الشيخ الذي كان يتكيء على يدك؟ قال: يارياح رأيته ؟ قلت: نعم قال: ماأحسبك إلا رجلاً صالحاً ذاك أخي الخضر أتاني فأعلمني أني سألي أمر هذه الأمة وأني سأعدل فيها وأخرج أيضاً عن أبي هاشم أن رجلاً جاء إلى عمر بن عبد العزيز فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله فإذا رجلان يختصمان وأنت بين يديه جالس فقال لك: ياعمر إذا عملت فاعمل بعمل هذين لأبي بكر وعمر فاستحلف له عمر بالله لرأيت هذا فحلف له فبكى عمر. مكث في الخلافة سنتين وخمسة أشهر نحو خلافة الصديق - رضى الله عنه - ملأ فيها الأرض عدلاً ورد المظالم وسن السنن الحسنة ولما قريء كتاب العهد باسمه عقر وقال: والله إن هذا الأمر ما سألته الله قط ؟ وقدم إليه صاحب المراكب مركب الخليفة فأبي وقال: ائتوني ببغلتي قال الحكم بن عمر: شهدت عمر بن عبد العزيز حين جاءه أصحاب المراكب يسألونه العلوفة ورزق خدمتها قال: ابعث إلى أمصار الشام يبيعونها فيمن يريد واجعل أثمانها في مال الله تكفيني بغلتي هذه الشهباء. وقال عمر بن ذر: لما رجع عمر من جنازة سليمان قال له مولاه: مالي أراك مغتماً؟ قال: لمثل ما أنا فيه فليغتم ليس أحد من الأمة إلا وأنا أريد أن أوصل إليه حقه غير كاتب إلي فيه ولا طالبه مني. وعن عمرو بن مهاجر وغيره أن عمر لما استخلف قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن ولا نبي بعد محمد عليه الصلاة والسلام ألا وإني لست بفارض ولكني منفذ ولست بمبتدع ولكني متبع ولست بخير من أحدكم ولكني أثقلكم حملاً وإن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وعن الزهري قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله يكتب إليه بسيرة عمر بن الخطاب في الصدقات فكتب إليه بالذي سأل وكتب إليه إن عملت بمثل عمل عمر في زمانه ورجاله في مثل زمانك ورجالك كنت عند الله خيراً من عمر. وعن حماد أن عمر لما استخلف بكى فقال: يا أبا فلان أتخشى علي ؟ قال: كيف حبك للدرهم ؟ قال: لا تخف فإن الله سيعينك وعن مغيرة قال: جمع عمر حين استخلف بني مروان فقال: إن رسول الله عليه الصلاة والسلام كانت له فدك ينفق منها ويعول منها على صغير بني هاشم ويزوج منها أيهم وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها ؟ فأبي فكانت كذلك حياه أبي بكر ثم عمر ثم أقطعها مروان ثم صارت لعمر بن عبد العزيز فرأيت أمراً منعه رسول الله ص فاطمة ليس لي بحق وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن الليث قال: لما ولي عمر بدأ بلحمته وأهل بيته فأخذ مابأيديهم وسمى أموالهم مظالم. وقال أسماء بن عبيد: دخل عنبسة بن سعيد بن العاص على عمر بن عبد العزيز فقال: ياأمير المؤمنين إن من كان قبلك من الخلفاء كانوا يعطوننا عطايا فمنعتناها ولي عيال وضيعة أفتأذن لي أن أخرج إلى ضيعتي لما يصلح عيالي ؟ فقال عمر: أحبكم من كفانا مؤنته ثم قال له: أكثر ذكر الموت فإن كنت في ضيق من العيش وسعه عليك وإن كنت في سعه من العيش ضيقه عليك. وقال فرات بن السائب: قال عمر بن عبد العزيز لامرأته فاطمة بنت عبد الملك وكان عندها جوهر أمر لها به أبوها لم ير مثله -: اختاري إما أن تري حليك إلى بيت المال وإما أن تأذني لي في فراقك فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد قالت لا بل أختارك عليه وعلى أضعافه فأمر به فحمل حتى وضع في بيت مال المسلمين فلما مات عمر واستخلف يزيد قال لفاطمة: إن شئت رددته إليك قالت: لا والله لا أطيب به نفساً في حياته وأرجع فيه بعد موته.