الإنسان ليس هو هذا الغلاف المادي الذي نحسه ونراه والذي يطلب حظه من طعام الأرض وشرابها ولكن حقيقة الإنسان في ذلك الجوهر النفيس الذي به صار إنساناً مكرماً سيداً على ما فوق الأرض من كائنات، ذلك الجوهر هو الروح الذي يجد حياته وزكاته في مناجاة الله عز وجل وعبادة الله هي التي توفر لهذا الروح غذاءه ونماءه وتمده بمدد يومي لا ينفد ولا يغيض. ولئن تراكم على هذا الجوهر المعنوي الغفلة والغرور وران عليه صدأ الجحود أو الشك، لقد تهب عواصف المحن فتزيح الغبار أو تندلع نار الشدائد فتجلو الصدأ وسرعان ما يعود الإنسان الى ربه فيدعوه ويتضرع إليه وهذه حقيقة ذكرها القرآن وأيدتها وقائع الحياة. «هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين». إن القلب الإنساني دائم الشعور بالحاجة إلى الله وهو شعور أصيل صادق لا يملأ فراغه شيء في الوجود إلا حسن الصلة برب الوجود وهذا ما تقوم به العبادة إذا أديت على وجهها. يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: القلب فقير بالذات إلى الله من جهتين من جهة العبادة ومن جهة الاستعانة والتوكل فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يسر ولا يتلذذ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحده وحبه والإنابة إليه ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه ـ بالفطرة ـ من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة وهذا لا يحصل له إلا بإعانة الله له فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله فهو دائماً مفتقر الى حقيقة «إياك نعبد وإياك نستعين» فإنه لو أعين على حصول كل ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده ولم يحصل له عبادة لله فلن يحصل إلا على الألم والحسرة والعذاب ولن يخلص من آلام الدنيا ونكد عيشها إلا بإخلاص الحب لله بحيث يكون الله هو غاية مراده ونهاية مقصوده وهو المحبوب له بالقصد الأول وكل ما سواه إنما يحبه لأجله لا يحب شيئاً لذاته إلا الله. وهكذا كلما أخلص المرء العبودية لله وجد نفسه واهتدى إلى سر وجوده ووجد مع ذلك سعادة روحية لا تدانيها سعادة تتمثل فيما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم: «حلاوة الإيمان» وإن لهذه الحلاوة لطعماً لا يتذوقه إلا من عرف الله وآثره على كل ما سواه قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «إنه لا شيء أحب الى القلوب من خالقها وفاطرها فهو إلهها ومعبودها ووليها ومولاها وربها ومدبرها ورازقها ومميتها ومحييها فمحبته نعيم النفوس وحياة الأرواح وسرور النتفوس وقوت القلوب ونور العقول وقرة العيون وعمارة الباطن فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة والعقول الزاكية أحلى ولا ألذ وأطيب. ولا أسر وأنعم من محبته والأنس به والشوق الى لقائه والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة والنعيم الذي يحصل له بذلك أتم من كل نعيم واللذة التي تناله أعلى من كل لذة كما أخبر بعض الواجدين عن حاله بقوله: إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. وقال آخر: إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيه طرباً بأنسه بالله وحبه له. وقال آخر: مساكين أهل الغفلة خرجوا من الدنيا وماذاقوا أطيب ما فيها فقيل له: وما هو؟ قال: محبة الله والأنس به ومثل هذا ما قاله الآخر: أطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته وأطيب ما في الآخرة رؤيته وسماع كلامه بلا واسطة. وقال آخر ـ من أهل معرفة الله وطاعته ـ: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف! ووجدان هذه الأمور وذوقها هو بحسب قوة المحبة وضعفها بحسب إدراك جمال المحبوب والقرب منه وكلما كانت المحبة أكمل وإداك المحبوب أتم والقرب منه أوفر كانت الحلاوة واللذة والسرور والنعيم أقوى. فمن كان بما للله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف وفيه أرغب وله أحب وإليه أقرب وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه ولا يعرف إلا بالذوق والوجد ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدم عليه حباً لغيره ولا أنسابه وكلمها ازداد له حباً ازداد له عبودية وذلاً وخضوعاً ورقاً له وحرية عن رق غيره.