عداء الغرب للإسلام والمسلمين تصاعد بدرجة كبيرة في أعقاب أحداث الهجوم على أمريكا في سبتمبر الماضي فأصبح الغربيون وإعلامهم ينظرون إلى المسلمين على أنهم إرهابيون ومتطرفون وأصبحوا ينظرون إلى الإسلام على أنه دين الإرهاب. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل حدثت اعتداءات كثيرة على المسلمين ومساجدهم والمراكز الإسلامية في مدن عديدة في أنحاء العالم. وتجاوز الأمر مجرد الفعل الشعبي العشوائي غير المنضبط إلى رد الفعل الرسمي المنظم المعادي للمسلمين فالرئيس بوش يعلن أنه سوف يخوض حربا صليبية جديدة وبرلسكوني رئيس وزراء إيطاليا يطالب العالم بالقضاء على المسلمين وحضارتهم. وبالإضافة إلى كل ذلك يؤمن الغرب بصراع الحضارات ويرى أن حضارته هي الأجدر بالبقاء وما عداها يجب أن يزول. حول هذه القضية نلتقي الدكتورة فتحية النبراوي رئيسة قسم التاريخ الإسلامي بكلية الدراسات الإنسانية جامعة الأزهر لنتعرف على وجهة نظرها في تلك القضايا. ـ الإتهامات الغربية التي توجه للإسلام والمسلمين بالتطرف والإرهاب ظالمة فمن المعروف أن الإسلام دين السماحة ويدعو إلى الاعتدال ويرفض العنف فلماذا لا يفهم الغرب ذلك ؟ ـ المشكلة أننا لا نمتلك أدوات التوصيل ممثلة في إتقان اللغات الأجنبية والقدرة على مقارعة الحجة بالحجة وفهم العقلية الغربية أو الشرقية غير المؤمنة بالمبادئ التي يقوم عليها الإسلام كدين وكنظام سياسي واجتماعي واقتصادي وحضاري ونحن كمسلمين ندرك هذا لكن يجب ألا نحدث أنفسنا ونجري حوارات ذاتية لاقناع أنفسنا بقوة حجتنا وصدق مبادئ الإسلام وإنما يجب أن ننقل هذا كله إلى العالم الخارجي الذي بدأ يدرك قوة الإسلام بمفاهيم خاطئة. الحضارة الإسلامية ـ يقال دائما أننا لا نمتلك وسائل إعلام قوية بالإضافة إلى سيطرة اليهود والصهاينة على وسائل الاعلام الغربية فكيف نتغلب على هذا كله؟ ـ حتى لوكانت الصهيونية العالمية تسيطر على وسائل الاعلام العالمية وتسخر إمكاناتها المادية لخدمة أغراض اليهود وأهوائهم فإننا لن نعدم الوسيلة ولدينا من المفكرين والعلماء من يستطيع أن يرد على الاعلام الغربي لكن يجب أن تتاح لنا الفرصة مع الغرب ويجب ألا نقف نحدث أنفسنا وندير حوارا مغلقا مع الذات. وللأسف خرج علينا رئيس وزراء إيطاليا برلسكوني - بعد أن كان في لقاء مع الرئيس مبارك - ليذكرنا بأيام النعرة الصليبية واتهم الإسلام بأنه دين إرهاب وقال ان حضارة الإسلام لا تصلح لهذا العصر بينما هو يدرك تماما - وفي إيطاليا بالذات - أن الحضارة الإسلامية أثرت في قيام النهضة الأوروبية ولولا علماء المسلمين لما نهضت أوروبا ومن إيطاليا خاصة فهل هذا الرأي الذي عبر عنه برلسكوني مأجور ثم يقدم اعتذارات ضعيفة غير مقبولة ويزعم أن كلامه أخرج عن سياقه رغم أن حديثه كان هجوما على الإسلام والمسلمين بشكل سافر وعلى الحضارة الإسلامية ولا أدري كيف ينكر هؤلاء إسهامات المسلمين في الحضارة العالمية فالمسلمون لهم إسهامات قديمة وحديثة. تحطم المعنويات ـ وهناك بعض المسلمين في بلادنا ينكرون وجود حضارة إسلامية أو أية إسهامات إسلامية في الحضارة الحديثة فكيف نعيب على بعض الغربيين إذا كان بعض المسلمين يتبنى تلك المفاهيم المغلوطة؟ ـ للأسف هناك من يعيش بيننا ويعمل على تحطيم معنويات الأمة ومعنويات الشباب والغريب أن هؤلاء يزعمون أن العرب والمسلمين لم يسهموا في الحضارة الإنسانية المعاصرة رغم أن هناك أسماء عربية وإسلامية كثيرة معروفة ولا يستطيع الغربيون أنفسهم إنكار دورها في خدمة حضارتهم لكن للأسف لا تسلط عليهم الأضواء، نحن نكافح من أجل وحدة فكر إسلامية ولدينا الموارد والمصادر لكن المشكلة أننا غير منظمين فالعالم الإيراني والباكستاني والسعودي واللبناني كل واحد من هؤلاء يتحدث في اتجاه لكن لو وحدنا جهودنا واتجاهاتنا لأصبح لنا تأثير كبير جدا. الخطر القادم ـ إدعاء الغرب بأن الإسلام هو الخطر القادم ما الدوافع التي تكمن وراء هذا الإدعاء ؟ ـ هذا الإدعاء ليس جديدا فهو معروف ومعلن منذ الخمسينيات لكن المسألة زادت هذه الأيام وكلما وجد الغرب تهمة فإنه يلصقها بالإسلام وتقع علينا المسئولية في نقل الفهم الصحيح للإسلام ولدينا من يملك أدوات هذا النقل. ـ هل طرحت فكرة الصراع بين الحضارات في العهود الإسلامية الزاهرة؟ ـ الحضارة الإسلامية لم تعرف - ولا تقبل - صراع الحضارات بدليل أن الذين أسهموا في الحضارة الإسلامية كانوا من كافة الأجناس من العرب والفرس والترك والأفارقة فقد أتاح الإسلام مناخا حرا للتنافس والتفاعل والإبداع. على سبيل المثال الذين كتبوا تاريخ المسلمين من الفرس والعرب وغيرهم والذين جمعوا أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس لهم جنسية واحدة مثل الإمام البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة فهم ينتمون إلى دول مختلفة فالحضارة الإسلامية لم تعرف ولم تتبن مفهوم الصراع بين الحضارات والفتوحات الإسلامية لم تكن على الإطلاق صراعا مع شعوب البلاد المفتوحة ولم تشعر شعوب هذه البلاد بأي لون من ألوان التفرقة العنصرية بينهم وبين العرب فقد ترك الفاتحون أبناء هذه الشعوب للعمل في كافة المجالات وإدارة الدواوين إلى أن تعلموا اللغة العربية طواعية وعلى سبيل المثال لم يفرق المسلمون في الشمال الأفريقي بين العرب والبربر أما الإستعمار الفرنسي فقد فرق بين العرب والبربر لدرجة أن البربر ينادون الآن بسيادة اللغة الأمازيغية وقسمت الجزائر إلى شيع وأحزاب أما لو اتحدت كل هذه الطوائف تحت مظلة الإسلام السمح فيمكن أن تكون قوة عظمى وسواء رضيت القوى الغربية أم رفضت فإن القوة القادمة هي قوة الإسلام، وليس الإسلام العنصري أو الإسلام الإرهابي أو هذه الأشكال الغربية والدخيلة على الإسلام وإنما الإسلام الحق. والمسلمون اليوم أصبحوا قوة يحسب لها حسابا ومن قبل أحداث أمريكا الأخيرة لم يكن العالم الإسلامي يستشار في أية قضية من القضايا وإنما كانت تفرض الآراء وتملى عليه أما الآن فأصبح للمسلمين دور ويجب أن يحسب حسابهم ليس من قبيل القوة وإنما من قبيل قيمة العالم الإسلامي وقيمة هذا الدين الذي يحمله. نغمة أوروبية ـ إذن فكرة الصراع لم تكن أبدا وليدة الحضارة الإسلامية وأن الذي اخترعها هو الغرب فهل تتفقين معنا في ذلك ؟ ـ الصراع نغمة غربية أشاعها أحد المفكرين الغربيين تحت مسمى الصراع بين الحضارات ثم تم استبدال هذا المسمى بعبارة أقل خشونة وعنفا في الحوار بين الحضارات، ولكن كان هناك صراع بين القوى السياسية الغربية وبين المسلمين في العصور الوسطى بدليل أن الحروب الصليبية قامت على فكرة تخليص الأراضي المسيحية المقدسة التي تقع تحت أيدي المسلمين وذلك للتغطية على الأهداف الحقيقية لهذه الحروب لأن الأماكن المسيحية المقدسة لم تشهد انتعاشا ولا حماية ولا أمنا مثلما كان الحال وهي تحت إمارة المسلمين وقد كذب الغربيون وزينوا لأنفسهم أنهم سوف يخلصون الأماكن المسيحية المقدسة من أيدي المسلمين فلما جاءوا استقروا وارتكبوا مجازر بشعة لدرجة أن وصلت الدماء في بيت المقدس للركب كما ذكر المؤرخون وقد تعرض لهذه المذابح المسلمون والمسيحيون واليهود على أيدي المسيحيين الغربيين وقد أقام الصليبيون مملكة بيت المقدس الصليبية وظلوا 99 سنة يحكمون بيت المقدس إلى أن طهره الله من قوى الاحتلال، وقد رفض أحد الغربيين تولي حكم هذه المملكة وقال أنا لن ألبس تاجا من الذهب في الأرض التي لبس فيها المسيح تاجا من الشوك لكن المسيحيين الغربيين من بعد حاربوا المسلمين وأقاموا مملكة وحاولوا توسيع أراضيهم واستولوا على كل الأراضي الممتدة على ساحل البحر المتوسط الشرقي فهل المذابح التي ارتكبها الصليبيون كانت حماية للأراضي المقدسة وتخليصها ؟ لقد كانت الفكرة التي قامت عليها الحروب الصليبية طائشة وخاطئة ولا معنى لها وكانت هذه الحروب استعمارية رفع فيها الصليب لإقناع الغوغاء والبسطاء لكن الهدف كان استعماريا وتكاتفت في هذه الحروب الكنيسة والدول الغربية من أجل اقتطاع أراض من الشرق الإسلامي. تخبط ـ عندما يكرر الرئيس الأمريكي جورج بوش نفس النغمة ويعلن أنه سوف يخوض حربا صليبية لتخليص العالم من الإرهاب الإسلامي فماذا يقصد بذلك ؟ وماذا يريد؟ ـ بوش يتخبط من هول المفاجأة والصدمة في أعقاب الهجمات المدمرة التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن - والتي أعتقد أنها نابعة من داخل أمريكا وليس من خارجها لأن ابن خلدون يقول - والغرب يعرف قيمة ابن خلدون - : (الحضارة تنهار من الداخل وعندما يبدأ السوس ينخر في جسدها تنهار على أصحابها). وها هم الأمريكان قد خر عليهم السقف من فوقهم ولذلك فهم يتخبطون ويلصقون التهم بالأبرياء تحت شعار تحالف عالمي وتحت شعار حرب صليبية وهذه الشعارات تشير إلى تخبط القيادة الأمريكية التي لا تريد أن تعترف بأن المشكلة داخلية وأن لديها مشكلات داخلية كثيرة فالحدث الذي وقع في 11 سبتمبر الماضي صناعة أمريكية أما أن يتهم شخص واحد بالقيام بهذا العمل فهذا لا يصدقه عقل. مفاهيم مغلوطة ـ لكن على أية حال الإرهاب يلصق بالإسلام والمسلمين كما حدث عند تفجير أوكلاهوما حيث أتهم العرب والمسلمون بأنهم وراء هذا التفجير ثم اتضح أن مدبره ومنفذه أمريكاني هو ماكفاي الذي تم اعدامه مؤخرا فعلام يدل هذا؟ ـ الأمريكان كما ذكرت يعيشون حالة من التخبط فعلى سبيل المثال قرارهم بتجميد أرصدة الجماعات الإرهابية في أمريكا لماذا لم تكن إرهابية عندما كانت أموالهم تدعم الاقتصاد الأمريكي، ملايين الدولارات في أمريكا حتى قبيل الهجمات كانت في البنوك الأمريكية لماذا كان الأمريكان يوافقون على ذلك قبل هجمات سبتمبر وعلى أية حال فإن العداء ضد الإسلام قائم على مفاهيم مغلوطة وفهم غير صحيح وهذا يجعل المسئولية الكبرى تقع على المفكرين المسلمين في تصحيح هذه المفاهيم لأنهم قصروا في حق الإسلام أيضا آن الأوان للإقلاع عن التغني بالماضي وندب حظنا، علينا أن نبحث عن وسائل توصيل الإسلام الصحيح إلى العقول غير المسلمة نحن لا نغزوهم فكريا ولا نتصارع معهم حضاريا وإنما نريدهم أن يفهموا الإسلام وهو دين سلام وبفضل ذلك انتشر في العالم انتشارا كبيرا فإحصائيات الذين يدخلون في الإسلام إلى قبيل الهجمات التي وقعت في أمريكا كانت تؤكد أن الآلاف يعتنقون الإسلام يوميا سواء في فرنسا أو أمريكا أو بريطانيا وغيرها. القاهرة - ضياء الدين أحمد