لا تعمل كسائحة تدخل مكانا تبحث فيه عن الفقر والبشاعة، بل ترى الناس كما هم، بجمالهم، بإرادة العيش بقوتهم الذاتية، وتضعهم في اطارهم الخاص. لا تحب الضحية، هذا ماقالته لنا، وأكدته أفلامها تحت الأنقاض 1983 وأطفال جبل النار وزهرة القناديل 1986 - 1990 وأطفال شاتيلا. وأخيرا أحلام المنفى الذي كان الحصان الأسود في مهرجان الاسماعيلية للأفلام التسجيلية بحصاده لثلاث جوائز: أحسن فيلم من اللجنة الدولية، وأحسن فيلم من جمعية نقاد السينما وأحسن فيلم من جماعة السينمائيين التسجيليين. انها المخرجة مي المصري ابنة لبنان التي نقلت لنا معاناه الشعبين الفلسطيني واللبناني صوتا وصورة. فكرا ونبضا في أفلامها المتتابعة. التقيناها وكان هذا الحوار الذي كان طبيعيا أن يبدأ من فيلمها الأخير وبهذا السؤال: ـ من اللافت للنظر تركيزك اللقطات القريبة للوجوه وتفصيلاتها، هل تشرحين لنا شغفك بذلك؟ ـ أحب تعابير الوجوه منذ زمن بعيد وفي فترات كنت أصور بنفسي وحتى عندما استعنت بجان كنت وراء الكاميرا، فأنا أشعر بأنني امتلك احساسا قويا بالكادر وبأهمية تعابير الوجه، ثمة حب للوجه بل وتعاطف معه، وجميع الذين صورتهم أحبهم كثيرا والا ماكنت صنعت أفلاما عنهم وخياري الآخر هو اللقطة العامة الواسعة، فأنا لا أحب ماهو في الوسط، أحب التناقض الكونتراست ولا أحب اللقطة الأمريكية أو لقطة بلا فائدة. ـ في هذا الفيلم، لم نر قضبانا، وسجانا، بل رأينا عصفورا وقفصا وفراشة في كتاب.. الى آخره.. لماذا؟ ـ الفكرة تكمن في قوة الموضوع، ففي كلام مني نسمع ان المخيم مثل القفص ونتكلم أيضا عن الفراشة في الكتاب، واضافة لذلك فالواقع الذي يحيى فيه أبطال الفيلم يذكركثيرا بالقفص، كله حدود وحواجز، قفص ذو مستويات عديدة، ولأنني حاولت ألا تكون المعالجة تقليدية والا استخدم الكليشيهات رغم كثرة الاغراءات فقد كنت واعية وتجنبت مثل هذا الانجرار حتى لا أضعف الموضوع، وكان البديل هو التناول في شكل شاعري قليلا، لذلك لم أصور قضبانا أو شيئا من هذا القبيل. ـ كيف استطعت الجمع بين الدرامي والوثائقي في فيلمك الأخيرة؟ ـ في أحلام المنفى حاولت أن أجمع بين الروائي والوثائقي الذي درجت عليه وذلك من خلال تسلسل درامي للأحداث عبر مجموعة من الاشخاص مع تغلغل في القصة من مشاهد وثائقية حية وهي مالا نستطيع تمثيلها كما حرصت على عفوية الأطفال امام الكاميرا، وساعدني في ذلك علاقتي الوطيدة بهم منذ سنوات اضافة الى حبي لهم. لذلك فأنا اعتبر هذا الفيلم حلقة ثالثة في مسبحة أفلام الأطفال، ولم اشبع نهمي بعد، ففلسطين مليئة بالقصص الإنسانية القوية. ـ في هذا الفيلم، كما في أفلامك السابقة نجدك تستعينين في الأساس بالأطفال والنساء لماذا؟ ـ الأطفال والنساء يعبرون عن مشاعرهم بطريقة أعمق وتترك أثرا في كمخرجه، لأنهم يخاطبونني من الداخل، هذا بشكل عام أما عن هذا الفيلم فكانت علاقتي مع أطفاله قديمة بدأت منذ ثلاثة أعوام تقريبا حين عملت فيلم أطفال شاتيلا، وكان بعضهم في الفيلم، وتواصلت العلاقة خلال الأعوام الثلاثة واهتمامي بهم لم يكن سينمائيا فقط، بل انساني أيضا. ـ من فيلمك السابق الى هذا الفيلم هناك سؤال منطقي وضروري هو: كيف تمت النقلة والانتقال من أطفال شاتيلا الى أحلام المنفى؟ ـ الانتقال من فيلم أطفال شاتيلا الى أحلم المنفى تم بشكل طبيعي فقد فكرت في أن أتابع الأطفال الذين صورتهم بعد ثلاث سنوات من الزمن لأرى كيف تغيرت حياتهم وكيف يعيشون المرحلة الفاصلة بين الطفولة والشباب وهي مرحلة اتخاذ القرارات حيث يصطدم عالم الطفولة والحلم بالواقع. ـ ألم يراودك الخوف من تكرار الفكرة أو تشابه الطرح؟ ـ لا أنكر انني كنت مترددة في البداية من احتمال تكرار الأفكار وإنتابني شعور بضرورة الا أكرر نفسي وأكرر الأفكار التي عالجتها بأفلامي السابقة ومن هناك كان اكتشافي للتفاصيل الجديدة مثل العلاقة التي نشأت بين أطفال شاتيلا وأطفال الدهيشة عبر الانترنت مما فتح لي أفقا وأعطاني فكرة أن أقيم تواصلا بين المخيمين والواقعين وأن أعالج فكرة التشتت الفلسطيني عبر الحدود وفكرة الرغبة في التواصل عند الشباب ورغبة اكتشاف شبان بأعمارهم يعيشون في فلسطين بعد الانقطاع الذي حدث عام 1948. وبعد ذلك بنيت فكرة الفيلم على الأحداث الكبيرة التي حدثت منذ تحرير الجنوب بعد عشرين عاما من الاحتلال الاسرائيلي والانتفاضة. ـ أدهشنا في الفيلم حدوث بعض الصدامات الحية بين الأطفال وجنود الاحتلال كيف صمد قلب الكاميرا وكيف لم تهتز مشاعرك وأنت تصورين هذه المشاهد؟ ـ في هذه اللحظات كان لدي خوف على الاولاد، ولم أرد تعريضهم للخطر، لكن الأولاد كانوا يذهبون للمدرسة وأصبح جزءاً من روتين يومهم أن يرموا بعض الأحجار ولو بشكل رمزي على الاسرائيليين لأن الجنود متحصنون في برج كبير وعال. ـ وهل حدث واصيب بعض الأطفال من جراء الصدامات؟ ـ لقد حدثت معي أنا نفسي حادثة، فقدت شاهدت طفلا يحمل مسدس مياه وجذبني منظره الذي كان بين المزاح والجد، فبدأت أتكلم معه وأنا أفكر في التناقضات الفنية بين جو المواجهات والحرب وبين كونه طفلا، وفجأة انطلق صوت رصاص لكن الرصاصة كانت موجهة الى ساقي، وقد أصابوا قبل ذلك صحفية أمريكية في بطنها. ـ نريد شرحا تفصيليا لكيفية ضبط الانفعال وعدم طغيان المشاعر والانفعالات عليك اثناء تصوير تلك المشاهد؟. أحيانا تتداخل حدود الواقع مع السينما، لذلك يجب أن يكون المرء قادراً على التمييز بين حدود السينما وحدود الواقع ويجب أن يكون متمكنا من العطاء، يجب أن يعيش واقعا كهذا ويتفاعل معه، لأنه يصور واقعا وليس أخبارا. ـ الفيلم كما رأينا مدته ست وخمسين دقيقة، فكم ساعة مصورة قمت من خلالها بصناعة هذا الفيلم؟ ـ نحو ستين ساعة فقد صورت كثيرا لأن أمورا كثيرة حدثت، والموضوع الذي بدأت فيه تطور كثيرا، لذلك فقد صورت أشياء مهمة لم استطع وضعها في الفيلم، وتصلح مادة لفيلم آخر وبعض هذه الاشياء كان لابد أن أقوم بتصويره كونه وثيقة لن تحدث مرة أخرى كاللقاء عند الحدود، فكل لحظة تشعر كأنها قصة وكل جملة تصلح لأن تكون قصة وهناك كثير من المشاهد العفوية التي تركت الكاميرا تصورها دون أدنى تدخل من جانبي. ـ ستون ساعة؟ هل حصلت على اذن وهل استوجب تصويرها الحصول على اذن؟ ـ لم أحصل على أذن، ولست في حاجة الى ذلك فأنا أملك اذنا من الناس وهذا يكفيني، وفي افلام كهذه تعاون الناس هو الاساس فقد عشت في ذلك المخيم، والجميع هناك يعرفونني ولست سائحة أتت للتصوير أو لمجرد اشباع هواية لديها. ـ اتخيل معاناتك ومعاناة مبدعي الافلام التسجيلية داخل الاراضي المحتلة فهل تحدثينا عن مزيلات ذلك العناء؟ ـ تجربتي خلال الانتفاضة الأولى في الثمانينيات اضافة الى معايشتي للأحداث الحالية في فلسطين فتحت امامي باب التحدي من خلال ادراكي وجوب ايصال الأفكار الى العالم كله في مواجهة الاعلام المزيف. ـ وكيف تخرجين بالأفلام خارج الأرض المحتلة؟ ـ لقد عمدت الى تهريب الافلام من فلسطين خوفا من مصادرتها وهذا في رأيي عمل خطير يليق بصحفي، أما بالنسبة لي فأنا لا اعتبر نفسي صحفية لذلك فالأمر بالنسبة لي أخطر، لأنني في الأول والآخر سينمائية انقل الأفكار والوقائع بطريقة وثائقية. ـ شاهدنا خلال المهرجان أفلاما عن فلسطين ومعاناة شعبها نفذها أجانب، كيف ترينها؟! ـ الأجنبي يستطيع تنفيذ أفلام عن واقعنا اذا شعر به، وقد يكون بشكل أقوى من الفلسطينيين أنفسهم اذا كان في أفلام سابقة قد عكس أحوال المهمشين في العالم بطريقة انسانية. ـ وكم من الوقت استغرق تصوير هذا الفيلم؟ ـ انني استعد لذلك منذ ثلاثين عاما فكل تجربتي الحياتية مرتبطة بهذه المنطقة، لا المخيمات فحسب ولكن بالجنوب الذي أعرفه قرية قرية. هناك مثلا، مشهد الشتاء في المخيم، لقد صورته وحدي دون الفريق كنت أحمل كاميرا صغيرة لعلمي ان الشتاء مهم وانه يعطي فكرة مهمة عن الحياة في المخيم حين ينهمر المطر غزيرا وتصبح الأرض موحلة. ـ هل يعطى ذلك تفسيرا لعلاقة الفيلم بالوحل منذ بدايته الى نهايته؟ ـ انها تيمة اساسية في فيلمي ولا أدري ان كانت واضحة أم لا، لكنني أردت التصوير من تحت الوحل وقد صورته في حب والتراب امتد بشكل عفوي الى الجنوب انها علاقة هذا الشعب بتراب أرضه. ان مشهد الشتاء هذا من المشاهد النادرة لأنك لا تستطيع تنفيذه الا اذا انتظرت الشتاء لتصويره ولو أمطرت وقد لا تكون جاهزا للغوص في الوحل. ـ وماذا عن مشهد اللقاء عند الحدود؟ ـ ان مشهد كهذا لا يمكن أن يتكرر ولم يحدث من قبل وربما لن يحدث مستقبلا، أن تلتقي العائلات المفترقة والمقسومة بين لبنان وفلسطين. ـ ايقاع الفيلم اللاهث والسريع والحيوي يدفعنا للسؤال عن المونتاج ومن عاونك فيه؟ ـ لقد تعاونت مع مونتيرة قديرة جدا هي ميشيل تيان أحبت الموضوع وعملنا في انسجام تام لذلك اضافت مستوى فنيا جميلا رغم ان هذه هي أول مرة نعمل فيها معا. ـ ألم تفكري في عمل فيلم روائي؟ ـ فكرت كثيرا في ذلك، لكن الفيلم الدرامي الوثائقي يمتعني جدا اضافة الى انه يغريني جدا لأنه يصل الى الملايين بل هناك أفلام وثائقية شاهدها مائة وخمسون مليون مشاهد في العالم أما الفيلم الروائي فهو مظلوم لأن مشاهديه قد لا يتجاوزا عشرين أو ثلاثين ألف مشاهد فقط. القاهرة ـ مكتب «البيان»: