كان سلطان العويس ـ رحمه الله ـ الى اصلاح المجتمع اقرب منه الى النضال، وعلى تصوير مشاعره الخاصة احرص منه على معالجة القضايا العامّة، وفي ميدان الغزل والوصف ابرع منه في تأريخ الأحداث والمناسبات السياسية والقومية. غير ان لهذا التعميم ما ينقضه، فكل شاعر من شعراء الدنيا لا العويس وحده مهما تشغله آلامه وآماله عن آمال امته وآلامها لا ينصرف عن المشاركة فيما يدور حوله من أحداث جسام. وما دار حول سلطان العويس في النصف الثاني من القرن العشرين بلغ من جلالة الخطر، وعمق التأثير في مصير العرب والعالم ما جعل الشاعر ينغمس في الأحداث التي كانت تكنفه، وتكنف لداته من شعراء القرن العشرين حتى مفرق شعره. فاذا هو يخرج من سجن الذات الى افق الامة، ومن العواطف الفردية الى القضايا القومية، ويصوّرها بما عرف به شعره من ايجاز وايماض، وزهد في التفصيل والافاضة. وكما كان للمرأة من شعر نزار القباني وشعر وجيه البارودي الحظّ الاوفى فقد كان للمرأة من شعر العويس الحظّ الاوفى ايضاً. غير ان الثلاثة لم يلقوا اعنتهم في ايدي النساء، توجهها وتوجههم حيث تشاء، بل اعطوا المرأة من فنهم ما يصوّر جمالها، ويرصد اهواءها، واعطوا امتهم ما يصوّر نضالها، ويحقق آمالها. لكنهم اختلفوا في الاتجاه لاختلافهم في المنازع والطبائع. فالقباني مزج السياسة والغزل حتى اصبحا بنية واحدة متلاحمة العناصر والمشاعر، لا تميز فيها المرأة من الامة. والبارودي آثر القضايا الاجتماعية على السياسة لان طبّه وجّه حُبّه، فقاده الى معالجة الجسم بالدواء، والروح بالشعر. والعويس توسّط، واعتدل وعدل، فوزع شعره غير الذاتي بين السياسة والاجتماع، وبين الكفاح والاصلاح، وصاغ ذلك كله بروح انسانية، تؤثر اللطف على العنف، وتجانب الحماسة والاندفاع مالم يكن الموقف الذي يصوره الشاعر من مواقف البطولة التي يبدو فيها العنف شقيق العنفوان، ويظهر فيها الاندفاع كأنه نوع من انواع الدفاع. كقوله في اطفال فلسطين الذين اندفعوا من اوكارهم كالطير الابابيل، تمطر الاعداء بحجارة من سجيل، تروعهم، وتزرع في اسلحتهم الصمت، وفي اقدامهم الهرب لفوت الموت، وهم مدججون بأفتك الاسلحة: حجر زلزل اقدام العدى افقد النار جحيم اللهبِ وبعد ان رسم هذا المشهد الحماسيّ لم ينس انه انسان، فعاد الى انسانيته، ونظر الى الاولاد بعين الوالد الموصول النسب بالعرب، لا بعين الشرطي الاجنبي المنتمي حسبما يدعي الى اسرائيل، وودّ لو يتاح لهؤلاء الاغرار ما اتيح لامثالهم من ضروب اللهو البريء، والسعادة المرحة، ودعا العرب جميعاً الى التشبث بالعروبة والاسلام، والى اختيار وجه من وجوه الصبية، ليجعلوه شعاراً لهم، ويرسموه على الراية الكبرى التي توحّدهم، وكأنه بهذه الدعوة يعرّض بجبن الكبار، ويحمّلهم تبعات الجرائم الاسرائيلية التي يحتملها الصغار: صبية اعمارهم ان يلعبوا صارت اللعبة مجد العرب يا فلسطين وحسبي انني عربي مسلم في الحسب لو يصاغ المجد صُغْنا انجماً وجعلنا رمزنا وجه صبي ولمّا كان الحسّ الانساني في شخصية العويس انبل المشاعر والصقها بطبعه، فانه كان يجاوز المشاعر الاقليمية الى المشاعر الانسانية، ويرقى من الافق الخليجي الى الافق القومي، فلا يشمت بما اصاب بغداد، بل يبكي منها وعليها، ويرى ان في احراقها غيرها، وفي احتراقها بغيرها مأساتين موجعتين، فرضتهما عليه الاحداث، فيقابل المدينة التاريخية المنكوبة بمقدارين متعادلين من العتاب والانتحاب، ومن التقريع والمؤاساة، لعلّها تألم فتندم، كما توجع هو فتفجع: جنون ان اعيش بلا هموم وقومي يكتبون عليّ موتي ايا بغداد يا ضجر الليالي سواء ان حرقت ام احترقت بمثل هذا الالم القومي الكبير، وبمثل هذا الحزن الانساني الاكبر عانق الشاعر بيروت، فلم يدفعه العناق الى لثم خديها بالشفاه، بل الى غسل خديه بالدموع، اذْ لم يستطع ان يكفكف السيل المنهمر من اهدابه، وكيف يكفكفه، وحرب لبنان مشهد دامٍ من مشاهد المأساة العربية التي تتوالى فصولها على المسرح القومي: مرة في الصومال، ومرة في الخليج، وثالثة في الجزائر ورابعة وخامسة في امكنة لا يعرفها الا الله. والممثلون في هذه المسرحية هم الاشقاء الاعداء، والمخرج هو الحسّ القبلي الذي يتمخض كل يوم عن عصبيّات صغيرة حقيرة، والدوافع هي المطامع، والخاتمة التي تنتهي اليها المسرحية هي ان ينتصر الشتاء على الصيف، والخريف على الربيع، والبغض على الحب. ولهذا كله، وخوفاً من تكرار هذا كله يدعو العويس كل المشاركين في هذه المسرحية المخضبة بدماء الابرياء الى اغلاق المسرح والاقلاع عن التمثيل والتنكيل، عسى ان يعود الربيع والحب الى بيروت وغيرها من حواضر العرب: بيروتُ يا جنة الخلان، كيف لنا ان نثني الدمع عن ان يملأ الحدقا عودي ربيعاً كما قد كنت وارفة وانسي الشتاء الذي قد اسقط الورقا ابكي عليك، وابكي الحبّ مجتمعاً ففي ترابك كان الحب مذْ خلقا وللحواضر العربية لا لبيروت وحدها في شعر العويس شأن اي شأن. وعلة ذلك عندي الانتماء والوفاء. اما الانتماء فجوهره احساس الشاعر بأنه مهما يتقلّب بين لندن وواشنطن فهو ابن الحضارة العربية الاسلامية، ورضيع الخلق الرفيع، وربيب الشرق الحبيب، ولهذا لم تستطع حضارة الغرب المادية ان تنتزع من قلبه الانتماء الى الشرق. واما الوفاء فجوهره تحويل الروابط التاريخية الى ارتباط يومي بالوطن العربي، يشدّ الشاعر الى الكويت ودمشق والقاهرة ويحمله على المشاركة في كل محفل يقام، وفي كل مؤتمر يعقد، وفي كل معهد يشاد. وهذا الفهم الواسع للنضال ناجم عن اتساع الافق الفكري والنفسي الذي تميّز به الشاعر، وعن عمق الشعور بالتبعة التي احتملها، وحمله على احتمالها اصراره على ان يكافح الجهل والفقر والمرض ثلاثة الاعداء الشرسة التي تفتك بالعرب. فاذا انعقد في الامارات مؤتمر للادباء حيّا المؤتمرين تحية العربي المرتوي من تاريخه، المزهو بوطنه، المتفائل بمستقبل امته، الحريص على ايقاظها اميرتي موطن الاحرار يا بلدي فيك استقيت من التاريخ ما عذبا ان الامارات في ايحائها نغم فاشدوا كما شئتمُ يا ايها الادبا مني اليكم سلام كلما خطرت من المفكّر اي توقظ العربا واذا شاد الكويتيون في القاهرة داراً تضم طلاب العلم اشاد بما شادوا، ورأى ان مسعاهم شكل من اشكال الوحدة العربية، قد يكون ارقى وابقى من وحدة سياسية، يفرضها القادة على الشعوب، ثم لا تلبث عُراها ان تنفصم، كأن لم تغن بالامس. اما الصروح العلمية فتبقى ثابتة الاركان راسخة البنيان، تلتقي حول منابرها صفوة العقول، وهذه الصفوة هي التي تمحو الحدود، وتزيل الفرقة، وتحمي العقول من الغزو الفكري المدمّر: ولقد تحطّمت الفوارق والتقى ذاك الخليج بأرضه وسمائه صهرته بوتقة الجهاد بأمة عربية، فحمته من اعدائه وبعد ان يزور الشاعر القاهرة، ويعبّ من عقلها اكثر مما يعب من نيلها، ويعجب باعلامها واقلامها اكثر مما يعجب باصنامها واهرامها ينصرف عنها انصراف المشوق اليها، المعترف بفضلها، المؤمن بانها قلعة العروبة وحصن الاسلام، فيقول: احباي في مصر عن الشكر عاجز بما قد افضتم من شعور على شعري سموت بكم فكراً وعقلاً، ولم ازل فقيراً اليكم في البقية من عمري شفاؤك يا مصر شفاء عروبتي وتثبيت اسلامي على امد الدهر وفي هذا القول من الوفاء مثل ما فيه من الانتماء، فهو لم ينكر على ادبائها ما قبسه منهم، بل اعترف بما اغترف، واحسّ، على رجاحة فكره وشعره، انه مازال في حاجة الى الاغتراف من علم القوم. وخروجه من القاهرة لم يكن خروج القالي الملول، وانصرافه عنها لم يكن انصراف الضجر من حضارة الشرق التائق الى حضارة الغرب، فقد سافر من الشرق الى الشرق، اي من القاهرة الى دمشق، وما الحب الا للحبيب الاول. لقد كان للشاعر على ضفاف بردى ما كان لحسان بن ثابت من رحيق سلسل، وادب رفيع، فاستقى من شعرها وفكرها حتى ارتوى، فلما عاوده الظمأ عاوده الحنين، فاذا هو يتجه الى حاضرة الامويين، يمتاح مع الممتاحين، وفي تصوّره لها وتصويره رقة القباني وترفه، ونخوة ابي ريشة وشرفه، كأنه يخاطب اعلام الشام بما يحبون ان يخاطبوا به: يا ليالي الشام هل ابقى الهوى سُبلاً ترقى ولمّا ارتقِ تارة أظما، وطوراً أرتوي لا أبالي اين يرسو زورقي أنا آت استقي من بردى قصص المجد وعزّ المشرق على هذا النحو من المزاوجة بين الراح والكفاح، والجمال والنضال، وبين الذات المفتونة بالسحر والشعر من ناحية، والامة المزهوة بالمجد والتراث من ناحية كان سلطان العويس يخرج من الشرنقة الى البوتقة، فيجول في ميدان الفرسان جولة او جولتين، ثم تطغى الذات الشاعر على المصلح النبيل، فيعود الى المرأة، ينسب ويشبب، ويصل ويهجر، ولكنه يبقى انساناً رفيع المشاعر، كريم المقاصد في شرنقته وبوتقته، لا يتذلل للمرأة في مخدع الحب، ولا يتزلف للساسة في محفل السياسة.