كشفت وجلبت المحنة الدامية التي يعانيها الشعب الافغاني الشقيق هموماً كثيرة تطبق على صدور المسلمين في العالم، وتنغص حياتهم في كل مكان يعيشون فيه، ولا يعلم الا الله متى وكيف ينكشف عنهم ليلها الثقيل. كذلك فتحت المحنة ملفات عديدة، خاصة بأحوال المسلمين في بلادهم وفي مهاجرهم في جهات الدنيا الاربع. وفي زحامها الصاخب يلفت الانتباه احياناً ملف تنحية الملفات الساخنة جانباً، وهو ملف خاص بحال اللغة العربية في بلاد المسلمين خارج الوطن العربي. اننا ـ عرباً ومسلمين ـ صرنا هذه الايام مشدودين ليل نهار ـ كالموثقين ـ الى شاشات التلفزيون، لمتابعة الاحداث المأساوية المتلاحقة في افغانستان وتداعياتها. ومما يحمد لكثير من القنوات الفضائية العربية، والجزيرة وابوظبي بخاصة، انها لم تدخر جهداً في تقديم شهادات وحوارات مع كثير من المعنيين من الساسة والمسئولين واساتذة الجامعات والباحثين ورجال الاعلام، والعامة ايضاً، من ابناء باكستان وافغانستان وايران، وغيرها من الدول المحيطة بافغانستان، اضافة الى نخبة من المهتمين المتخصصين بقضايا العالم العربي الاسلامي من مختلف دول العالم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا. وبطبيعة الحال، فإن مضمون الحوارات هو الذي يستأثر باهتمامنا ومشاعرنا، لكن ظاهرة معينة تتجلى في تلك الحوارات، ولا يلتفت اليها الكثيرون في غمرة المتابعة ومشاعر الحزن والغضب والاعصاب المحترقة. وهي قد تبدو شكلية، ولكنها في الحقيقة ذات مغزى مهم وخطير وجدير بالتأمل والاعتبار والاستلهام. هذه الظاهرة هي تحدث معظم اولئك المتحدثين في الحوارات الاذاعية والتلفزيونية بلغة عربية بينة سلسة متدفقة، وكأنها لغتهم الام، وهو ما يعني انهم تعلموها، وتضلعوا منها، واختلطوا باهلها، واستعملوها كثيراً. ان هذه الظاهرة جديرة بأن تنبهنا الى حقيقة مهمة وخطيرة، وهي اننا ـ نحن العرب ـ قد انطوينا وانكفأنا على انفسنا طويلاً، وقصر نظرنا، وفقرت همتنا، حتى لم نعد نرى للغة العربية وطناً يظلها وتعمره، وصدراً يحتويها بين ضلوعه، ولساناً ترطبه ويبث فيها الحياة نطقاً وشدوا، الا الوطن العربي، والصدر العربي، واللسان العربي، ثم جاءت محنتنا الافغانية والاسلامية الحالية لتذكرنا بأن هناك اوطاناً وصدوراً والسنة عميقة الانتماء ووثيقة القربى الى اللغة العربية والينا. لقد نسينا ان «الجميلة» كانت لغة لا تكاد تغرب عن وطنها الشمس، اذ انها بعد الفتوح الاسلامية الاولى بنحو سبعين سنة لا غير، صارت لغة كل شعوب الدولة الاسلامية، من حدود الصين شرقاً، الى سواحل الاندلس وافريقيا على المحيط الاطلسي غرباً. وهي لم تكن لغة حديث ومعاملات وادارة فحسب، وانما كانت لغة ابداع ايضاً، في الاداب والفنون والعلوم. فلما دار الزمن دورته، وتفككت الوحدة الى دول وامارات متفرقة، بقي «الحرف العربي» رمزاً للغات المتعددة، وشاهداً ملهماً على العروة الوثقى من العقيدة الخالدة، والتاريخ المجيد المشترك. ثم جرت في الانهار مياه عكرة كثيرة، عملت جميعها على تقطيع العرى بين تلك الدول المتفرقة وعقيدتها وتراثها، وكان من اهم تلك العرى عروة «الحرف العربي»، فالغى اتاتورك ـ مثلا ـ استعماله في اللغة التركية واستبدل به الحرف اللاتيني، والغى الاتحاد السوفييتي استعماله في جمهوريات اسيا الوسطى الاسلامية التي كانت خاضعة له، وكذلك فعلت الصين في المناطق الاسلامية، وحدث الشيء نفسه في بقية ارجاء اسيا، ولم ينج من ذلك سوى قليل جداً من لغات الشعوب الاسلامية اهمها اللغة الفارسية واللغة الاردية، واللهجة الافغانية. وما من شك في ان ثبات الفارسية والاردية والافغانية على الحرف العربي، انما هو رمز حميد عميق الدلالة على وحدة ثوابت العقيدة والثقافة المشتركة. وعلى ادراك واع لمكانة اللغة العربية من ذلك كله، وهنا نذكر ما يمكن ان نسميه «امتزاج الدم» بين العربية واللغات الاسلامية الاخرى، والذي يتمثل في كثرة الكلمات والتعابير العربية في معاجم تلك اللغات. لكن الاهم من ذلك كله، هو المكانة المقدسة التي تحتلها العربية في وجدان الانسان المسلم في بلادنا الاسلامية في اسيا، الامر الذي يحدوهم الى الحرص على تعلمها، وكأن ذلك عبادة. ويتجلى ذلك في ادراجها مادة اساسية في معظم مناهج التعليم كما يتجلى في السعي الحثيث الى استكمال تعلمها ضمن العلوم الاسلامية في منح البعثات التي تجود بها بعض الدول العربية، وهذا موضوع اخر من مواضيع الملف المثير للذكريات والمواجع والآمال ايضاً، ملف اللغة العربية في بلادنا الاسلامية غير العربية.