كان ناصر الدين الطوسي لايزال شاباً يافعاً عندما عرض عليه الساسانيون عرضاً لا يستطيع ان يرفضه. كانت جيوش المغول قد دمرت مدينته في مطلع القرن الثالث عشر، فجاء الطوس، الذي يشير بميلاد عالم فلك وفيلسوف مرموق الى مدينة علاموت في المنطقة الجبلية شمال بلاد فارس. فعاش الطوس بين فئة من الشيعة، تؤمن بالاغتيالات السياسية الذين أطلق عليهم القتلة بهذا السبب، وكانوا يستخدمون الحشيش المخدر لتحقيق اغراضهم السياسية. هناك نشر الطوس عدداً من الكتب في علم الفلك والأخلاق والرياضة والفلسفة مما جعله من كبار وعظماء العلماء في ذلك العصر. وعندما هاجمت جيوش حلاجو، حفيد جنكيز خان المدينة في عام 1256، لم يكن الطوس متأكداً من ولائه، فقد انضم الى حلاجو وذهب معه الى بغداد، التي سقطت في يديه عام 1258. وبنى حلاجو مرصداً للطوس في المراغة، شمال ايران حالياً مكافأة لولائه. لقد نجحت سياسة الطوس ومرونته الايديولوجية في تمكينه من الحصول على التمويل اللازم لدراساته وأبحاثه العلمية. ويقول العلماء ان الطوس وتلامذته في المراغة هم الذين اسسوا علم الفلك في القرن الثالث عشر والرابع عشر، ويمتد الطريق الى هذا العلم من أثينا الى الاسكندرية الى بغداد الى دمشق الى قرطبة، مروراً بقصور الخلفاء ومعامل الكيمياء، وقد شمل هذا الطريق ايضا تأسيس كل العلوم، وليس الفلك وحده. لقد أسس المسلمون في العصور الوسطى مجتمعاً هو المركز العلمي والحضاري للعالم اجمع، حيث امرهم القرآن بالسعي الى المعرفة وقراءة علامات الطبيعة وتدبرها من أجل فهم آيات الخالق عز وجل. وكانت اللغة العربية في ذاك الوقت مرادفاً للتعلم والعلم والعلوم ولمدة خمسة قرون هي العصر الذهبي للتقدم العلمي. ويقول الدكتور جميل رجب استاذ تاريخ العلوم بجامعة اوكلاهوما الامريكية ان اوروبا لم تع ما يحدث في العالم الاسلامي حتى عام 1600. ويقول المؤرخون ان انتشار العلوم التي طورها المسلمون في تلك الحقبة هي مصدر النهضة الاوروبية والثورة العلمية التي حدثت هناك. ويضيف الدكتور عبدالحميد صبرة استاذ تاريخ العلوم العربية بجامعة هارفارد سابقا ان الحضارات لا تتصارع، والاسلام دليل على ذلك. ويضيف ان التقاء الحضارة الاسلامية واليونانية هو أفضل تزاوج فكري حدث في التاريخ، وأثاره وعواقبه كانت هائلة ومفيدة، ليس فقط للاسلام، بل لأوروبا والعالم أجمع، ورغم ذلك فان الدكتور صبرة يقول ان تاريخ العلوم الاسلامية لم يظهر منه إلا ما يظهر من جبل الجليد على سطح الماء، لان كثيرا من الكتب لم تترجم من العربية الى اللغات الاجنبية، ولم يقرأ الباحثون المعاصرون كثيراً من المخطوطات العربية القديمة التي تصل الى الآلاف. وما يحزن الباحثين ويشكل لهم نوعا من الحرج البالغ هو أن التاريخ الحضاري الثري للاسلام يكذب تماماً الصورة التي رسمتها الأحداث العالمية الأخيرة له. كان الاسلام طوال تاريخه يشجع العلم والتعليم والبحث والتنقيب عن المعرفة. ويقول الدكتور اسامة بكر رئيس مركز التفاهم الاسلامي المسيحي في جورج تاون انه لا تناقض ابدا بين الاسلام والعلم. ويقول الدكتور فاروق الباز الجيولوجي الشهير بجامعة بوسطن والباحث المهم في وكالة الفضاء الامريكية «ناسا» ان المعرفة جزء من العقيدة الاسلامية، لأنك كلما عرفت اكثر، كلما وجدت مزيدا من الأدلة على وجود الله الخالق العظيم. لذلك فان الباحثين الغربيين يبحثون حاليا في العلوم الاسلامية الحديثة ويعتبرونها المصدر الجديد للثورة العلمية القادمة. ويقول الدكتور بكر ان المسلمين لديهم نوع من الحنين الى الماضي ويتوقون الى الفترة التي سيطروا فيها على العلوم. العلوم والاسلام وقد اثارت العلاقة بين العلم والدين جدلاَ كبيراً في العالم الاسلامي ويطالب بعض العلماء والمؤرخين بإحياء العلم الاسلامي الذي يقوم على القيم الروحية التي تغفلها العلوم الغربية. لكن هناك آخرين يقولون ان التحفظ الديني في الشرق قد يعوق الروح الضرورية لتطوير العلوم. العصر الذهبي عندما خرج نور الاسلام من الجزيرة العربية الى بقية انحاء الارض، التقى ايضا بأعمال افلاطون وارسطو وديمقراطيس وفيثاغورث وارشميدس ومفكرين آخرين من بلاد اليونان. لقد انتشرت الحضارة اليونانية مع جيوش الاسكندر الاكبر وعن طريق الاقليات الدينية من المسيحيين كما يقول الدكتور ديفيد لندبرج استاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعة ويسكونسن. واقام الخليفة ابو العباس المأمون في القرن التاسع معهداً في بغداد اطلق عليه اسم دار الحكمة بهدف ترجمة المخطوطات. ومن أول الاعمال التي ترجمها الى اللغة العربية هي «الكتاب العظيم» لعالم الفلك السكندري الشهير بطليموس. وتحدث في هذا الكتاب عن وصف الكون حيث تدور الشمس والقمر والكواكب حول الارض واصبح هذا الكتاب اساساً لدراسة الكون وطوال 500 عام بعد ذلك وعرف لدى العلماء والمسلمين باسم الماجس. اسهامات علمية ساهم اليهود المسلمون والمسيحيون في ازدهار العلوم والفنون والطب والفلسفة، التي تطورت خلال القرون الخمسة الماضية وانتشرت من الاندلس «اسبانيا» الى بلاد فارس «ايران». ويقول المؤرخون ان الازدهار العلمي بلغ ذروته في القرنين العاشر والحادي عشر عندما ظهر ثلاثة من كبار العلماء الى الشرق هم ابوعلي الحسن بن الهيثم وابو ريحان محمد البيروني وابو علي الحسين ابن سينا. ولد ابن الهيثم في العراق في عام 965م وكان يجري تجاربه على الضوء والرؤية، ووضع اساسيات علم البصريات الحديثة وارسى فكرة ان العلم يقوم على التجربة وكذلك الجدال الفلسفي. ويقول الدكتور لندبرج ان ابن الهيثم يأتي في مصاف كبار العلماء امثال ارشميدس وكبلر ونيوتن باعتباره من اعظم علماء الرياضيات. وقد ولد البيروني فيما يعرف الآن بدولة اوزبكستان في عام 973 هذا العالم في الفلك والرياضيات والجغرافيا كتب نحو 146 كتاباً تحتوي 13 الف صفحة، تشمل دراسات اجتماعية وجغرافية عن الهند. وكان ابن سينا طبيباً وفيلسوفاً وولد بالقرب من بخارى في اوزبكستان حاليا عام 981 . وقد وضع ابن سينا موسوعة طبية تحتوي على مليون كلمة هي قانون الطب، وقد اعتمد عليها الغرب في تعليم الطب حتى القرن السابع عشر. ويقول الباحثون ان العلم ازدهر في رحاب الاسلام لان رسالة الاسلام الاولى هي التعليم والبحث. وقد روي عن ابي وليد محمد بن رشد عالم التشريح الطبي والفيلسوف في القرن الثالث عشر ان من يدرس التشريح يزداد ايمانه بوحدانية الله العلي العظيم. من ناحية اخرى فإن الاسلام يكاد يكون الدين الوحيد الذي يتخذ الاجراءات العلمية ضمن مراسمه الدينية وطقوسه. فقد قال ديفيد كنج استاذ تاريخ العلوم بجامعة ولفجانج جوته فرفر انكفورت في كتابه «علم الفلك في خدمة الاسلام» ان العرب على معرفة قديمة بالنجوم واستخدموها لمعرفة الدروب الصحراوية لكن الاسلام أعلى شأن علم الفلك بصفة خاصة. الدليل على ذلك ان المسلمين يحتاجون الى التوجه الى مكة عند اداء الصلاة، وهذا يقتضي معرفة شكل وحجم الارض، وقد استغلت افضل العقول الاسلامية الفلك لرسم ووضع جداول لتوضيح اتجاه القبلة من اي نقطة في العالم الاسلامي وغير الاسلامي، ويقول الدكتور كنج ان الدقة المتناهية التي حددوا بها هذه الاتجاهات تجاوزت ما يحتاج اليه المزارعون البسطاء الذين يستخدمون هذه الجداول. وقام علماء الفلك الاسلاميون في مرصد سمرقند الذي تأسس في عام 1420 بقياس مواقع النجوم بنسبة خطأ لا تتجاوز درجة واحدة، كما يقول الدكتور فاروق الباز. لقد وصل علم الفلك ذروته تحت راية الاسلام، على الاقل من وجهة نظر الغرب، خلال القرنين الثالث والرابع عشر عندما اتجه الطوسي ومن خلفوه الى تغير الرؤية البطلمية للعالم التي كانت سائدة قبل ذلك، ولمدة نحو الف عام، وابتكروا رؤية جديدة. ويقول الفلاسفة ان الاجرام السماوية يفترض ان تتحرك في دوائر بسرعة منتظمة، لكن تصحيحات بنظريات مثل المدارات داخل اخرى والمعروفة باسم الدورات المركزية والتعديلات الهندسية التي ادخلها علماء الاسلام حطمت المحاولة البطلمية لتصوير حركة الكواكب والاجرام السماوية والشمس على انها حركة دائرية منتظمة كما ترى من الارض. لكن الطوسي وجد وسيلة لاستعادة الانتظام الحركي الفضائي الذي صوره العلم البطلمي، وذلك عن طريق اضافة زوج من الدوائر متداخلة المركز المصممة بعناية الى كل من مدار فلكي. واستطاع علاء الدين ابو الحسن بن الشاطر ان يذهب ابعد من ذلك وابتكار نموذج قضائي حركي متوازن بالكامل. واتفق كوبرينكوس عالم الفلك مع علماء الاسلام الفلكيين في قلب النظرية البطلمية رأسا على عقب. وادى ذلك الى ان يعتقد المؤرخون انه كان هناك علاقة بين كوبرينكوس وعلماء الفلك المسلمين حتى رغم ان اعمال ابن الشاطر والفطوسي لم تترجم الى اللغة اللاتينية. لكن الدكتور اوين جنجرتش الفلكي والمؤرخ في جامعة هارفارد قال ان انتقاد كوبرينكوس للنظرية الفلكية البطلمية وابتكار نموذجه الفلكي قام على الرأي السائد الذي ورثه الغرب اللاتيني من العلم الاسلامي. ان العلم هو صرح هائل وكبير لا يستطيع ان يبنيه شخص بمفرده بل تساهم فيه جماعات ومجتمعات، وكان اكبر اسهام في العلوم والحضارة خلال الفترة المذكورة هو الاسهام الاسلامي. كتب أشرف رفيق: